(إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ).

  بسم الله الرحمن الرحيم

بقلوبٍ ملؤها الحزن ينعى مكتب سماحة الشيخ الجمري وحوزة الإمام زين العابدين(ع) الخسارة الفادحة للأمّة الإسلامية برحيل العالم المجاهد الكبير آية الله السيد محمد باقر الحكيم رئيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق الذي ختم حياته المباركة بالشهادة في حرم جدِّه أمير المؤمنين(ع) في النجف الأشرف بعد أداء صلاة الجمعة(29-8-2003م).

(إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ).

وبهذه الفاجعة الأليمة نعلن عن تأجيل إقامة الحفل الذي كان مقرّراً يوم الأحد ليلة الإثنين.

إطلالة على السيرة الذاتية

 

 

آية اللّه المجاهد السيد محمد باقر الحكيم

إطلالة على السيرة الذاتية

تأليف محمد هادي

 

مـقدمة

   الحديث عن الرجال والمواقف يحتاج دائماً إلى رؤيـــة موضوعية وحس محايد يفصل بين ما هو عاطفي وبين ما هو واقعي وحقيقي.

   هذه الحقيقة واجهتنا ونحن نخوض غمار كتابة هذا العرض الموجز عن آية الله المجاهد السيد محمد باقر الحكيم، وهي كتابة تريد ان تقوم بمهة التعريف الموجز أكثر مما تريد ان تقدم دراسة شاملة عنه، وعن حياته وحركته وجهاده وانجازاته على الاصعدة الاجتماعية والسياسية طيلة اكثر من أربعين عاماً من العمل الحركي في مختلف المقاطع والمراحل التاريخية التي مرت على العراق والعالم الاسلامي.

 

   ولأننا لمسنا الحاجة والضرورة للكتابة عنه بسبب الطلبات الكثيرة التي ترد من أوساط مختلفة عراقية وغيرها ترغب في التعرف عليه أكثر، فقد أصبحنا بين خيارين في الكتابة عنه:

   الخيار الأول، يتمثل في أن نقوم نحن باعداد أسئلة محددة يتحدث سماحته من خلال الاجابة عليها عن حياته ورؤاه وجهوده ونشاطاته بصورة شاملة.. لنقوم نحن بدور الاعداد والتقديم.

   والخيار الثاني، هو أن نقوم نحن بصورة مباشرة في الكتابة عنه من خلال ما نعرفه عنه، وعن نشاطاته وجهوده، مستعينين في ذلك بالرجوع الى الوثائق المنشورة وغير المنشورة المتوفرة وبعض المعلومات الشخصية التي تجمعت من خلال المعرفة الشخصية بسماحته.

   وقد رأينا ان الخيار الأول يواجه صعوبات متعددة منها عدم تفرغه لمثل هذه اللقاءات، ومنها أيضاً عدم رغبته في التحدث عن نفسه خصوصاً إذا كان يراد للحديث أن ينشر ويطبع، فلم يكن أمامنا سوى الخيار الثاني على الرغم من كل ما يكتنفه من صعوبات.

   ونود أن نوضح انّ هذه الاطلالة على كل حال، لا تأتي من فراغ، بل هي نتاج معايشه يومية ومشاهدات عينية، وتجارب عمل متواصل تمتدّ الى ما يقارب العشرين عاماً، عشتها قريباً من سماحته وشاهدت الكثير من التجارب وتعلمت الكثير أيضاً، ولذلك فأن ما كتبته هو رواية شاهد عيان عاش الاحداث عن قرب وأرجو أن أكون دقيقاً فيما نقلت وفيما سمعت ايضاً، وقد شرعنا في بداية الامر في أواسط العام 1994م بكتابة موجز عنه تمت ترجمته الى عدة لغات.... ثم رأينا انّ ما كتبناه لم يكن وافياً بالغرض ولم يكن مستوعباً لكل مراحل حياته وأنشطته... فأدخلنا بعض الاضافات في العام 1996... ثم كررنا المحاولة هنا وأدخلنا فصولاً لم تكن موجودة اصلاً في الكتابات السابقة.

   ونود التأكيد على اننا لم نبين في هذا الموجز الكثير من التفاصيل، بل اكتفينا هنا ببيان العناوين مع شروح موجزة لكل عنوان، ونحن نأمل ـ بعون الله تعالى ـ أن نوفق في قادم الايام الى استكمال هذا الكتاب من خلال الخوض في التفاصيل واستيعاب جهده ونشاطه وانجازاته بصورة أشمل.

   وفي نفس الوقت نعتقد ان هذا الموجز قادر في المرحلة الحاضرة على تقديم صورة عن الرجل الذي تميز بالنبوغ .. والشجاعة.. والتقوى.. منذ مطلع شبابه، وهذه المواصفات هي التي اهلته ليكون من أول الأصدقاء للشهيد الصدر (رض) في أواخر الخمسينيات ثم يستمر معه على الدرب صديقاً ورفيقاً لم تفرق بينهما الأحداث والضغوطات الصعبة حتى شهادة السيد الشهيد (رض) عام 1980، وهي التي أهلته ليحتل موقعاً مرموقاً ومتميزاً في جهاز مرجعية والده الامام الحكيم (رض)، وينال بها ثقة الإمام الخميني (رض) التي عبر عنها في الكثير من الاشارات والمواقف، ومنها وصفه له بأنه (الإبن الشجاع للاسلام)([1]).

   انّ ما نقدمه في هذا الموجز هو اطلالة أردنا لها ان تكون صادقة بعيدة عن لغة العواطف بما هي منحازة.

 

محمد هادي

27 ربيع 1419 هـ/ رجب 1422هـ.


 

الفصل الأول ـ النشأة والعطاء الفكري

   ·   ولادته

   ·   نشأته وتربيته

   ·   دراسته العلمية وعطاءه الفكري

   ·   انتخابه للتدريس في كلية الدين

   ·   كتبه

 

   ولادته:

   ولد آية الله المجاهد السيد محمد باقر الحكيم (دام ظلّه) في الخامس والعشرين من جمادى الأولى عام 1358 هـ - 1939م في مدينة النجف الأشرف مركز المرجعية الدينية عند الشيعة الإمامية منذ عدة قرون، حيث توجد فيها أكبر جامعة علمية للمسلمين الشيعة حتى أواخر السبعينات.

   والسيد الحكيم، هو نجل آية الله العظمى السيد محسن الطباطبائي الحكيم، (المرجع الديني العام للشيعة في العالم منذ أواخر الخمسينيات حتى وفاته عام 1970م ـ1390هـ في السابع والعشرين من ربيع الأول)([2])، بن السيد مهدي ابن السيد صالح بن السيد أحمد بن السيد محمود الحكيم.

 


   عائلته ونسبه الشريف:

   وأسرة آل الحكيم من الأسر العلوية التي يعود نسبها إلى الامام الحسن بن علي بن أبي طالب (عليهما السلام) عن طريق ولده الحسن المثنى، وهي من العوائل العلمية العراقية الأصيلة (آل طباطبا)، حيث استوطن أجدادها العراق منذ أوائل القرن الثاني الهجري، ثم انتشروا بفعل الظروف السياسية والاجتماعية التي مرت على العراق، في مختلف أنحاء العالم الاسلامي في اليمن وايران وشمال افريقيا  وغيرها من البلدان.

   وهي في العراق من الأسر المشهورة التي ذاع صيتها خصوصاً في النصف الثاني من القرن الرابع عشر الهجري، وقد برز منها قبل ذلك علماء مشهورون بالطب والاخلاق والفقه والأصول، وعرف منهم في أوائل القرن الرابع عشر الهجري، العالم الأخلاقي المعروف آية الله المقدس السيد مهدي الحكيم، والد الامام السيد محسن الحكيم (قدس سره)، والذي هاجر في أواخر حياته إلى بنت جبيل من قرى جبل عامل في لبنان بطلب من أهلها، وكان زميلاً في الدرس مع آية الله المجاهد السيد محمد سعيد الحبوبي، وقد تخرج في الاخلاق على يد المقدس الشيخ حسين قلي همداني صاحب المدرسة الأخلاقية المعروفة.. وتوفي في لبنان يوم الجمعة 8 صفر سنة 1312هـ، وله في تلك البقاع مدفن يزار، وعرف منهم كذلك المرجع الديني الأعلى الامام السيد محسن الحكيم (قدس سره) وعدد كبير آخر من أساتذة الحوزة العلمية، وتحظى هذه الأسرة اليوم بحب واحترام ملايين المسلمين في العراق وخارجه.

   وفي أوائل الثمانينات من القرن العشرين الميلادي تعرضت هذه الأسرة الشريفة الى حملة إعتقال وإبادة واسعة على يد صدام وجلاوزة حزب البعث العراقي المجرمين مما لم يشهد له تاريخ العراق مثيلاً في العصر الحاضر، ففي ليلة واحدة اعتقل نظام المجرم صدام أكثر من سبعين شخصاً من هذه الأسرة رهائن بينهم من قارب الثمانين من العمر كآية الله العظمى المغفور له السيد يوسف نجل الامام الحكيم (رض)، وآية الله السيد محمد حسن نجل آية الله السيد سعيد الحكيم (قده)، وبينهم من لم يبلغ الحلم بعد، وزج بهم جميعاً في السجون دون أن توجه لهم أي تهمة، إلاّ لأنهم من أقرباء (السيد محمد باقر الحكيم) ولأنهم رفضوا الخضوع للنظام وتنفيذ سياساته الهوجاء([3]).

   وفي فترات لاحقة قتل منهم النظام أكثر من ستة عشر شخصاً([4])، بينهم مجتهدون وعلماء كبار، كما ان عدد الشهداء منهم على يد طاغية العراق زادوا على العشرين، ولازال قسماً منهم لا يعلم له أثر([5]).

   لقد جسدت هذه الأسرة مظلومية المؤمنين ولا سيما الأسر العلمية منهم في أجلى صورها، حيث تحملت ما تحملت من المصائب والآلام، لا لشيء فعلته سوى انتمائها لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، وإيمانها بالله عز وجل وصبرها وصمودها في مواجهة الطاغية ولأن من رجالها الأبطال من تحمل مسؤولية الدفاع عن الشعب العراقي المظلوم فهتف بندائه وصرخ في وجه الطاغية بـ (لا) ذلك هو آية الله المجاهد السيد محمد باقر الحكيم (دام ظله).

 

   نشأته وتربيته:

   نشأ آية الله السيد محمد باقر الحكيم (دام ظله) ـ وهو في تسلسل العمر الخامس بين أخوته التسعة ـ في أحضان والده العظيم الإمام الحكيم (قدس سره)، حيث التقى والورع والجهاد... فتشرب منذ طفولته بمعاني الصبر والصمود، وعاش عيشة الفقراء، فكم من ليلة ويوم يمر وطعامه مع بقية أفراد العائلة الخبز واللبن والتمر، أو الشاي والسكر، وغير ذلك من ألوان الطعام البسيط.

   فقد كانت ولادته ومراحل طفولته الأولى متزامنة مع أحداث الحرب العالمية الثانية وما جرته من ويلات ومعاناة، في وقت كان فيه والده الأمام الحكيم(رض) من كبار المجتهدين في النجف الاشرف وممن يشار إليهم بالبنان، وقد كان من سيرة الامام الحكيم (قدس سره) التعفف عما في أيدي الناس، وكان يفضل أن يحيا في شظف العيش ليكون مواسياً للفقراء والمستضعفين([6]).

   في مثل هذا الجو العابق بسيرة الصالحين عبر تاريخنا الاسلامي نشأ سماحة سيدنا المجاهد، فكان خير خلف لخير سلف.

   وإلى جانب ما تعبق به النجف الأشرف في تلك الأيام من سيرة الصالحين والفيض الروحي الكبير الذي يضفيه على أبناء الأسر العلمية بحكم تداولهم للحياة الروحية، كانت مجالس العلم والأدب ودواوين المجالس الليلية التي يقضيها العلماء، وهم يبحثون ويناقشون الفقه وأصوله والعقيدة والكلام المرتع الخصب لنمو الذهنية العلمية والأدبية، وفي مثل هذه الأجواء تربى سماحة السيد الحكيم.

 

 

 

   دراسته العلمية وعطاءه الفكري:

   تلقى السيد المترجم علومه الأولية في كتاتيب النجف الأشرف، ثم دخل في مرحلة الدراسة الابتدائية في مدرسة منتدى النشر الابتدائية حيث أنهى فيها الصف الرابع فتركها بعد أن نشأت عنده الرغبة في الدخول في الدراسات الحوزوية بصورة مبكرة، حيث بدأ بالدراسة الحوزوية عندما كان في الثانية عشر من عمره وكان ذلك سنة 1370 هـ – 1951م).

   درس في البداية قطر الندى، وألفية بن عقيل، وجزءاً من مغني اللبيب في النحو، وحاشية الملا عبد الله وجزءاً من منطق المظفر في المنطق، والمختصر وجزء من المطول في البيان، ومنهاج الصالحين واللمعة الدمشقية في الفقه والمعالم في الاصول، وقد درس كل ذلك عند المرجع المعاصر آية الله العظمى السيد محمد سعيد بن  السيد محمد علي الحكيم، عدا اللمعة الدمشقية التي درسها عند آية الله السيد محمد حسين بن السيد سعيد الحكيم (رض) وقد أنهى دراسة اللمعة الدمشقية سنة 1375 هـ - 1956م.

   كما حضر دروس (السطح العالي) سنة 1375هـ فدرس الرسائل عند سماحة آية الله السيد محمد حسين الحكيم (قده)، والجزء الأول من الكفاية عند أخيه الاكبر آية الله العظمى السيد يوسف الحكيم (قدس سره)، وواصل دراسة الجزء الثاني من الكفاية وكذلك جزءاً من المكاسب عند الشهيد الصدر أيضاً، وكان زملاءه في دراسة الكفاية عند الشهيد الصدر (رض) كل من حجة الاسلام السيد نور الدين الأشكوري، والسيد فخر الدين الموسوي العاملي، والسيد طالب الرفاعي، وقد انقطع للدراسة عند السيد الشهيد الصدر (قدس سره) منذ ذلك الحين، أي سنة 1376هـ.

   وبعد أن تجاوز هذه المرحلة من الدراسة حضر درس (خارج الفقه والأصول) لدى كبار المجتهدين امثال آية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي (قدس سره) وآية الله العظمى الشهيد السيد محمد باقر الصدر (قدس سره) حيث حضر عنده في بداية تدريسه لبحث الخارج، واستمر بالحضور لدى هذين العلمين الكبيرين فترة طويلة.. وكلاهما كان يوليه اهتماماً خاصاً وملحوظاً.

   وقد عرف (دام ظله) منذ سن مبكرة بنبوغه العلمي وقدرته الذهنية والفكرية العالية، فحظي باحترام كبار العلماء والأوساط العلمية، كما نال في أوائل شبابه من المرجع الكبير آية الله العظمى الشيخ مرتضى آل ياسين شهادة اجتهاد في علوم الفقه وأصوله وعلوم القرآن، وذلك في عام 1384 هـ([7]).

   كما ساهم بتأسيس الحركة الاسلامية في العراق ورعايتها، كما سوف نشير إلى ذلك في تحركه السياسي، وعندما تأسست جماعة العلماء في النجف الأشرف في أواخر السبعينات الهجرية أواخر الخمسينات الميلادية([8])، أختير عضواً في اللجنة المشرفة على مجلة الأضواء الإسلامية، وهي مجلة اسلامية ساهمت كثيراً في تشكيل الوعي الفكري والسياسي الإسلامي لدى جيل الخمسينيات الميلادية.

   وبعد أن نال سماحته مرتبة عالية في العلم بفروعه وفنونه المختلفة مارس التدريس لطلاب السطوح العالية في الفقه والأصول، وكانت له حلقة للدرس في مسجد الهندي في النجف الأشرف، وعرف بقوة الدليل، وعمق الإستدلال، ودقة البحث والنظر، فتخرج على يديه علماء انتشروا في مختلف أنحاء العالم الاسلامي، نذكر منهم شقيقه الشهيد آية الله السيد عبدالصاحب الحكيم (رض) الذي درس عنده الجزء الأول من الكفاية، وحجة الاسلام والمسلمين السيد محمد باقر المهري، الذي درس عنده الجزء الثاني من الكفاية، والعلامة الشهيد السيد عباس الموسوي الأمين العام الأسبق لحزب الله ـ لبنان ـ، والعلاّمة الشيخ أسد الله الحرشي، والفاضل الشيخ عدنان زلغوط، والسيد حسن النوري، والعلامة السيد صدر الدين القبانجي، والشيخ حسن شحاده، والشيخ هاني الثامر، وغير هؤلاء كثيرون.

   ولم يقتصر سماحته على تعلم الفقه والأصول، وانّما أضاف إلى ذلك، العلوم الحديثة وكان يطّلع ـ وهو في شبابه ـ على الأفكار الجديدة التي أخذت تدخل الى أوساط المجتمع العراقي عبر الكتب والمجلات والصحف، فمنحه ذلك قدرة التواصل مع التطورات الحديثة على الأصعدة المختلفة كما كان قارئاً لا يمل القراءة في كتب التاريخ والتراث والسيرة، وقد سألته مرة ـ وكنت معجباً بقدرته على التحليل التاريخي وفهمه لحركة التاريخ ـ عن خلفيات معرفته التاريخية، فقال فيما قال عن ذلك، انّه في أوان الشباب قرأ مجموعات تاريخية كاملة كتاريخ الطبري وغيره من الموسوعات التاريخية أو السيرة، وانه لم يكن يكتفي بالقراءة بل كان يقرأ ويتأمل فيما كان يقرأه.

   وإلى جانب ذلك تميز سماحته بفكر عميق وشامل، فهو يطرح القضايا ويناقشها بدقة ويغوص في أعماق الدليل فيخرجه واضحاً.. مقنعاً.. ومنطقياً، وقد عرف في الأوساط العلمية والسياسية بقوة الحجة والدليل.. فشهد له بذلك كل من حاوره أو استمع إليه.

   وكل ذلك، كان قد أهله، وهو بعد لما يتجاوز العشرين عاماً من عمره الشريف لكي يساهم في مراجعة كتاب فلسفتنا لعملاق الفكر الاسلامي المعاصر آية الله العظمى الشهيد السيد محمد باقر الصدر (قدس سره) بعد أن حضر دروسه الفلسفية آنذاك، وهو كتاب لا نظير له في مناقشة الفكر  المادي، وهي مراجعة لم تكن تقتصر على اختيار العناوين، وانما امتدت لتشمل مناقشة الأفكار والآراء كذلك.

   فقد كتب الشهيد الصدر (رض) كتاب فلسفتنا مرتين بمنهجين، وكان لسماحة المترجم له دور في تشخيص التصميم العام للمنهج في الكتاب، وكذلك قراءة الكتاب لمناقشة افكاره ووضع العناوين وتقسيمها لفصول وموضوعات ومن ثم الاشراف على تصحيحه وطبعه، كما اهله لذلك ليكتب بعض الموضوعات للتثقيف في صفوف حزب الدعوة الاسلامية وقد اطلعت مؤخراً على موضوع كتبه حول موقف الاسلام من القومية، وهي كتابة دللت على عمق وفكر ثاقب وكان الموضوع قد نشر في صوت الدعوة الاسلامية عام 1959 وكان عمره حينذاك عشرون عاماً.

 

   انتخابه للتدريس في كلية أصول الدين:

   ومع ذيوع صيته العلمي، ومن أجل تحقيق نقلة نوعية في العمل الاجتماعي والثقافي لعلماء الدين في انفتاح الحوزة العلمية على الجامعة من ناحية، وتربية النخبة من المثقفين بالثقافة الدينية الاصيلة والحديثة، فقد وافق سماحته على انتخابه عام 1964م ليكون أستاذاً في كلية أصول الدين في بغداد يدرس علوم القرآن، والشريعة، والفقه المقارن، وقد استمر في ذلك النشاط حتى عام 1975م 1395هـ، وتوقف عن التدريس في الكلية بعد مصادرتها من قبل نظام حكم حزب البعث العراقي في ذلك العامحيث كان عمره الشريف حين شرع بالتدريس خمسة وعشرون عاماً.

   وكانت كلية أصول الدين تقع ضمن المشروع الثقافي والاجتماعي العام لمرجعية الامام الحكيم (رض) ومؤسساتها، وكان سيدنا المترجم يشترك في التخطيط والاسناد والمتابعة لهذه المشاريع ضمن تلك المرجعية الكبرى، كما كان يشترك في ذلك آية الله العظمى الشهيد الصدر (رض) والعلامة السيد مرتضى العسكري، والعلامة الشهيد السيد مهدي الحكيم وعلماء افاضل آخرون، ومن أجل دعم هذا المشروع وتقوية بنيته الثقافية والفكرية والتربوية تم التداول بين تلك المجموعة في أن يشارك سيدنا المترجم([9]) في هذا المجال الحيوي الجديد انطلاقاً من فكرة قيمومة واشراف الحوزة العلمية ومشاركتها في النشاطات الجامعية، وبعد أن تم تنضيج هذه الفكرة اقترح آية الله السيد الشهيد الصدر (رض) على إدارة الكلية أن يقوم سيدنا المترجم بالمشاركة في التدريس، فقام سماحته بتدريس مادتي علوم القرآن والفقه المقارن، مضافاً الى المشاركة في اجتماعات الهيئة التدريسية والاشراف على مجلة (رسالة الاسلام) وكان سماحته يسافر اسبوعياً الى بغداد مع صعوبة الظروف والتنقّل في ذلك الوقت لأداء هذه المهمة، وقد تعاظم دوره في هذه الكلية بعد غياب العلامة السيد مرتضى العسكري عن عمادة الكلية بسبب ظروف المطاردة التي حدثت بعد مجيء العفالقة الى العراق سنة 1968([10]).

     وكان دخوله للتدريس في الجامعة ـ وهو العالم الحوزوي إلى جانب العلماء الآخرين ـ يمثل نقلة نوعية في العمل الاجتماعي للحوزة، حيث كان الدخول إلى الوسط الجامعي يمثل حدثاً مهماً على صعيد العمل الاجتماعي من قبل المرجعية، خصوصاً إذا كان الذي يقوم بذلك هو ابن المرجع نفسه.

   وعلى صعيد التدريس أيضاً، فقد مارس سماحته تدريس البحث الخارج على مستوى الإجتهاد في ايران بشكل محدود بسبب انشغاله بقيادة الجهاد السياسي، وكان تدريسه في كتاب القضاء والجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحكم الاسلامي.

   كما قام بتدريس التفسير لعدة سنوات ولازال، من خلال منهج التفسير الموضوعي والتفسير التجزيئي الإجتماعي.

   وإلى جانب نشاطه العلمي في الحوزة العلمية في النجف الأشرف، والتدريس في كلية أصول الدين ببغداد، فقد كان سماحته يشعر بالحاجة إلى وجود المبلغين الإسلاميين وضرورة اطلاعهم على العلوم الحديثة، فتحرك وبتأييد من الإمام الشهيد الصدر (قدس سره) وتعاون مجموعة من العلماء الأفاضل نحو تأسيس (مدرسة العلوم الإسلامية) في النجف الأشرف سنة 1384هـ، وقد أثمرت تلك المدرسة فعلاً في تخريج عدد من الدارسين حملوا فيما بعد راية نشر الوعي الاسلامي في العراق وفي مختلف  بقاع العالم الاسلامي، وكان تأسيس تلك المدرسة في إطار مرجعية والده الامام الحكيم (قدس سره) وفي عهده، واستمرت في نشاطها حتى بعد وفاته، بفضل اصرار سماحة السيد المترجم على الرغم من العراقيل والمصاعب التي واجهت المدرسة من جهات متعددة.

   كما قام شخصياً وبطلب من والده المرجع الأعلى بالتبليغ الاسلامي، ووظيفة العالم الديني في مدينة الكوت لمدة شهرين تقريباً بعد عالمها حجة الاسلام والمسلمين الشيخ سليمان اليحفوفي.

   ومع انّ السيد الحكيم قد أعطى أكثر وقته في المهجر للنشاط الإجتماعي والسياسي، إلاّ انّ إنتاجه الفكري استمر ثراءً معطاءً، على الرغم من أن أكثر انتاجه الفكري لم يخرج الى النور لحد الآن، إلاّ انّ ما نشر منه يكشف نوعاً ما عن قابلياته الفكرية العميقة والغنية.

   فقد كان ولازال يشارك في المؤتمرات الفكرية مثل مؤتمر الفكر الاسلامي، والوحدة الاسلامية، والاقتصاد الاسلامي، وأهل البيت عليهم السلام، ومؤتمرات الحج، كما يلقي الدروس والمحاضرات في التفسير، والفقه والتاريخ، والسياسة والمجتمع وكذلك رئاسته للمجلس الاعلى للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية، ورئاسته للهيئة العامة لمجمع اهل البيت العالمي، كما كان يكتب وتجري معه الحوارات، وكان حصيلة ذلك مجموعة من الكتب والأبحاث والدراسات، والمحاضرات الكثيرة الغنية بالمادة المعرفية.


 

كـتــبــه

 

   وقد صدرت لسماحته لحد الآن الكتب والدراسات والأبحاث التالية:

 

   أ  ـ القرآن والتـفسير:

1ـ علوم القرآن (مجموعة محاضراته التي ألقاها على تلامذته في كلية أصول الدين) وقد نقحه وأضاف عليه وأعيد طبعه في أواخر عام 1417هـ، وهو كتاب كبير ومهم. وقد تمت ترجمته إلى اللغة الفارسية.

2ـ القصص القرآني. وهو كتاب كبير أصبح منهجاً يدرس في الجامعة الدولية للعلوم الاسلامية في ايران ويجري العمل الآن على ترجمته الى اللغة الفارسية من قبل احدى دور النشر بطهران.

3ـ الهدف من نزول القرآن وآثاره على منهجه في التغيير وهو بالأصل بحث كتبه لأحد مؤتمرات الفكر الاسلامي المنعقدة في ايران، ثم قام بتوسيعه وتنقيحه فصدر في كتاب مستقل.

4ـ مقدمة التفسير وتفسير سورة الحمد وقد تناول فيه قصص اولي العزم ضمن منهج أعتمد فيه على القرآن واحاديث اهل البيت (ع) مستبعداً الاسرائيليات التي دخلت في الحديث عن الأنبياء. ويجري العمل أيضاً على ترجمته من قبل احدى دور النشر بطهران.

5ـ منهج التزكية في القرآن.

6ـ تفسير سورة الصف (مخطوط).

7ـ تفسير سورة الجمعة (مخطوط).

8ـ تفسير سورة المنافقون (مخطوط).

9ـ تفسير سورة الحشر (مخطوط).

10ـ تفسير سورة التغابن (مخطوط).

11ـ المستشرقون وشبهاتهم حول القرآن - وهو كتاب ألّفه في الستينات وطبع في العراق في أواسط السبعينات. وهو مقتطف من محاضراته في علوم القرآن التي القاها على طلبة كلية اصول الدين ببغداد.

12ـ الظاهرة الطاغوتية في القرآن (مطبوع).

 

   ب ـ أهل البيت (ع) والسيرة:

1ـ أهل البيت (ع) ودورهم في الدفاع عن الإسلام (مطبوع).

2ـ دور أهل البيت (ع) في بناء الجماعة الصالحة - مجلدان من موسوعة عن أهل البيت عليهم السلام (مطبوع)، وهو كتاب مهم في بابه لدراسة حياة أئمة أهل البيت (ع)، ويجري العمل حالياً على ترجمته إلى اللغة الفارسية.

3ـ ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) (مطبوع)، وهو عبارة عن قسم من محاضراته التي ألقاها على أوقات مختلفة.

 

   ج ـ ثقافة اسلامية عامة:

1ـ الحكم الإسلامي بين النظرية والتطبيق (مطبوع).

2ـ دور الفرد في النظرية الإقتصادية الإسلامية (مطبوع).

3ـ حقوق الإنسان من وجهة نظر إسلامية (مطبوع).

4ـ النظرية الإسلامية في العلاقات الإجتماعية.

5ـ النظرية الإسلامية في التحرك الإسلامي (مطبوع).

6ـ لمحة عن مرجعية الإمام الحكيم (مطبوع).

7ـ دعبل بن علي الخزاعي "شاعر أهل البيت (ع)" (مطبوع).

8ـ أفكار ونظرات جماعة العلماء (مطبوع).

9ـ العلاقة بين القيادة الإسلامية والأمة (مطبوع).

10ـ الوحدة الإسلامية من منظور الثقلين (مطبوع)، طبع عدة طبعات، كان آخرها في مصر سنة 2001م.

11ـ القضية الكردية من وجهة نظر إسلامية (مطبوع).

 

   د ـ في السياسة والحركة الاسلامية:

1ـ الوجه الآخر للنظام العراقي (مطبوع).

2ـ النظرية السياسية للشهيد الصدر (مطبوع).

3ـ الكفاح المسلح في الإسلام (مطبوع).

4ـ الصراع الحضاري والقضية الفلسطينية (مطبوع).

5ـ العراق.. تصورات الحاضر والمستقبل (مطبوع).

6ـ القضية الكردية من وجهة نظر اسلامية.

   ولسماحته تقريرات للدروس التي تلقاها على مستوى المقدمات والسطوح وبحث الخارج تركها في النجف بسبب الهجرة من العراق واستولى عليها الأوغاد والمجرمون من مرتزقة نظام صدام ضمن مصادرتهم لممتلكاته ومنها مكتبته وكتاباته.


   وقد طبعت بعض خطبه التي كان يلقيها في المناسبات الدينية والسياسية على شكل كراسات ومنها:

1ـ مأساة الحسين (ع) وتصعيد روح المقاومة.

2ـ المرجعية الدينية ودورها في الأمة.

3ـ آثار مرجعية الامام الحكيم (قدس سره).

4ـ المرجعية، الوحدة، الجهاد.

5ـ السيد النقوي ومدرسة أهل البيت (قدس سره).

6ـ الشهيد السيد محمد مهدي الحكيم وحركة حزب اله.

7ـ السيد محمد مهدي الحكيم (قدس سره) الجهاد، الهجرة، الشهادة.

8ـ العمل الجهادي والغطاء السياسي.

9ـ استراتيجيتنا المستقبلية.

10ـ المشروع السياسي العسكري.

11ـ انتقاضة الشعب العراقي (15 شعبان) تجسيد الولاء للاسلام.

12ـ حوارات، وهو كتاب ضم مجموعة من الحوارات السياسية والثقافية التي أجريت مع سماحته على فترات مختلفة (جزءان).

13ـ المنهاج الثقافي السياسي... وهو مجموعة محاضرات تخصصية قيمة القاها سماحته على مجموعة من العلماء والمبلغين والمثقفين وقد طبعت بشكل محدود.

وله غير ذلك مما لم ينشر الكثير من الدراسات القيمة في شتى أنواع المعرفة الإنسانية والعلوم الإسلامية.


 

المؤسسات الثقافية:

    وفي ايران وإلى جانب نشاطاته السياسية الكبيرة، فقد أولى سماحته للقضايا الثقافية الاسلامية اهتماماً كبيراً، فكان له دور كبير في انشاء مؤسستين إسلاميتين عالميتين:

   الأولى: هي المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية حيث يحتل الآن موقع رئيس المجلس الاعلى لهذا المجمع.

   والثانية: المجمع العالمي لأهل البيت (ع) حيث يحتل موقع نائب رئيس المجلس الأعلى لهذا المجمع.

   كما بادر سماحته الى تأسيس مركز دراسات تاريخ العراق الحديث ومقره في مدينة قم المقدسة.

   كما قام بتأسيس مؤسسة (دار الحكمة) التي تضم مدرسة دينية حوزوية ومركزاً للنشر، ومركزاً آخر للبحوث والدراسات، ومكتبة علمية تخصصية.

   كما قام بتأسيس مجمع الكوادر الإسلامية لتربية الكوادر الإسلامية والقيام بالنشاطات الثقافية السياسية.


 

********************

 

الفصل الثاني ـ حركته السياسية ونشاطه العام

   ·    حركته الاجتماعية الدينية

   ·    حركته السياسية

   ·    إعتقالاته

   ·    حركته الجهادية خارج العراق

   ·    محاولات اغتياله

 

حركته الاجتماعية الدينية

   مارس السيد المترجم (دام ظله) النشاط الإجتماعي العام منذ وقت مبكر من حياته، وقد منحته المواصفات الذاتية التي يمتلكها، وانتمائه للمرجع الأعلى كابن وعنصر فاعل ونشط في جهاز المرجعية، فرصة واسعة للتحرك في الأوساط الاجتماعية المختلفة.

   فعلى صعيد التحرك الإجتماعي العام، كان يقوم بزيارات عمل وتفقد للمدن العراقية واللقاء بالمؤمنين ورعاية نشاطاتهم العامة، مثل زيارته للبصرة، وزيارته للناصرية والحمزة الشرقية، وافتتاح جامع وحسينية الشرقي، والديوانية، والعمارة والكوت، وغيرها، حيث كان يتم اجراء استقبالات شعبية واسعة فيها، فيتعرف عن قرب على طبيعة الجهود التي تبذلها الحركة الاسلامية والمؤمنون في تلك المدن لنشر الثقافة والوعي الاسلامي بين الشباب العراقي المسلم في كل أنحاء العراق.

   كما كان يولي المجالس الحسينية والمواكب والجهود المبذولة لتطويرها من ناحية المحتوى والمضمون والتنظيم اهتماماً خاصاً، ونذكر على هذا الصعيد عنايته الخاصة بالمشاركة في مواكب الطلبة ممثلاً عن والده المرجع الاعلى (رض) والتي كانت تنطلق في أربعين الامام الحسين (عليه السلام) في مدينة كربلاء منذ منتصف الستينيات وحتى توقفها بعد مجيء حزب البعث العراقي ومضايقته للشعائر الحسينية.

   وكانت مواكب الطلبة ومشاركة المؤمنين المثقفين من الأوساط الطلابية والجامعية بالخصوص فيها من ضمن المشاريع الثقافية والسياسية العامة التي خطط لها سيدنا المترجم له مع آخرين وتبنتها مرجعية الامام الحكيم (رض) لفسح المجال لمشاركة قطاعات واسعة من الاوساط الشعبية في الشعائر الحسينية، حيث كانت الممارسة لهذه الشعائر في السابق تقتصر تقريباً على القطاعات العامة مع مشاركة رمزية من الحوزة العلمية او بعض الشخصيات، وكان الاسلوب هو ضرب الصدور العارية واستخدام السلاسل الحديدية في بعض المواكب مما لا يسمح عادة لمثل هذه المشاركة الخاصة بالتوسع.

   وقد تبنت أجهزة المرجعية هذه الفكرة تنفيذياً بعد التخطيط لها ضمن تبنيها لتطوير محتوى جميع هذه الشعائر، وبدأت هذه المواكب في كربلاء في زيارة عاشوراء ثم تطورت وامتدت الى مناطق أخرى كالكاظمية وبغداد والديوانية والبصرة وغيرها، وكان سماحته يشارك شخصياً في التخطيط لأصل الفكرة ويشارك في مسيرة الطلبة في كربلاء ضمن الهيئة العليا التي كانت ترسلها المرجعية للتعبير عن أهمية هذا المشروع الثقافي واسناده لمواكب الطلبة سنة 1968 و1969م، كما كان يقوم بتمثيل المرجعية في المشاركة مع مسيرة المواكب العامة، كما كان سماحته يلقي خطاباً في هذه المسيرة في الصحن الحسيني الشريف، وكذلك قراءة المقتل الحسيني في الحسينية النجفية بكربلاء في يوم العاشر من محرم بعد أن حلّ في ذلك محل المرحوم السيد عبد الرزاق المقرّم بعدما عجز عن القيام بذلك في آواخر ايامه رحمة الله عليه.

   كما كان يولي اهتماماً خاصاً لتأسيس المكتبات والجمعيات الاسلامية لما لها من دور كبير في نشر الوعي الاسلامي وكونها تمثل منتدى لتجمع المؤمنين في كل المدن العراقية.

   وشارك بشكل كبير باقامة الاحتفالات الدينية ذات الطابع الجماهيري والسياسي والعقائدي كما هو الحال في احتفال مدينة النجف الاشرف بميلاد الامام الحسين (عليه السلام) في الثالث من شعبان من كل عام، وميلاد الامام علي (عليه السلام) في كربلاء في 13 رجب من كل عام، ومولد الرسول الأعظم (ص) في 12 ربيع الأول كل عام في بغداد.. وميلاد الامام الحجة القائم المنتظر الذي يقام في البصرة في 15 شعبان من كل عام.. وهي احتفالات كانت تقام تحت رعاية المرجع الأعلى الامام الحكيم (رض) ويحضرها عادة وجوه المجتمع العراقي من علماء كبار ومجتهدون وساسة، ومثقفون وشعراء وادباء العراق، حيث كانت تلك الاحتفالات تتحوّل إلى تظاهرة سياسية تعبر فيها المرجعية الدينية عن مواقفها تجاه الأحداث المحلية والدولية وخصوصاً فيما يتعلق بأمور الاسلام والمسلمين في العراق.

   وكان للسيد المترجم دور المساهمة في التأسيس لهذه الاحتفالات، كما كان إلى جانب شقيقه الشهيد العلامة السيد مهدي الحكيم (رض) يتناوبان في القاء كلمة المرجعية في مثل هذه الاحتفالات.

   وكانت هذه الاحتفالات من المشاريع التعبوية الثقافية والسياسية المهمة التي قامت بها مرجعية الامام الحكيم (رض)، حيث كانت تمثل مهرجانات مركزية واسعة بمناسبة مواليد الأئمة من أهل البيت (ع) أو ذكرياتهم الأخرى، وقد أدخلت المرجعية الدينية تطويراً مهماً على هذه الاجتماعات من الناحية الكمية والكيفية ومضمون الخطاب الثقافي والسياسي الذي يلقى في هذه لمهرجانات السنوية الكبيرة وكان الى جانب السيد المترجم في هذا المشروع جماعة من السادة العلماء الأفاضل، امثال العلامة الشهيد السيد مهدي الحكيم (رض)([11]) والعلاّمة الدكتور السيد محمد بحر العلوم([12])، والعلاّمة السيد هادي الحكيم (قده) في بغداد وآية الله الشيخ علي سماكة في الحلة، وحجة الاسلام والمسلمين الشيخ علي الصغير (قده) والعلاّمة السيد مرتضى العسكري([13]) في بغداد، والعلامة الشيخ محمد مهدي شمس الدين (قده) في الديوانية([14])، وغيرهم من الاعلام في إدامة هذه المهرجانات حسب المكان الذي يقام فيه وكانت حصته في التنفيذ تتمركز في مدينة النجف وكربلاء.

   وكان لهذه المهرجانات دور كبير في تعبئة الامة ثقافياً وسياسياً وروحياً وتشخيص موقفها العام تجاه الاحداث والمطالبة بحقوقها، وكان لها تأثيرات سياسية واجتماعية وثقافية مهمة حتى جاءت سلطة 17 تموز ومنعوا في بداية الامر اقامة هذه المهرجانات، ثم حاولوا ان يقيموا بدلها مهرجانات تحت اشرافهم وادارتهم للسيطرة عليها ولكنهم لم ينجحوا في ذلك حيث خرجت عن اهدافها الرئيسية.

   كما كان في مرجعية والده مسؤولاً مباشراً عن الطلبة العراقيين جديدي العهد بالدخول في صفوف الحوزة العلمية في النجف الاشرف وغيرهم، حيث شهد عهد الامام الحكيم (رض) تطوراً ملحوظاً في هذا الوسط، اذ كان السيد الحكيم الابن يرعى شؤونهم العامة ويتدخل لحل مشاكلهم ومعاناتهم.

   كما كان مسؤولاً عن بعثة الحج الدينية التابعة لوالده الامام الحكيم (قدس سره) حيث كان في كل عام ولمدة تسع سنوات متوالية (60 ـ 68م) يسافر الى الحج، ليلتقي بالمسلمين في كل مكان من أجل بث الوعي الديني في صفوف المسلمين وتعليمهم الاحكام الشرعية وتنظيم أمورهم الدينية، وقد زوده الامام الحكيم (رض) بوكالة مطلقة مؤرخة في 11 ذي القعدة 1383هـ([15]).


 

حركته السياسية

   وعلى الصعيد السياسي، فقد دخل منذ البداية في دائرة الاهتمام بايجاد التنظيم السياسي الاسلامي الذي يكفل ايجاد القدرة على التحرك السياسي المدروس في أوساط الشعب العراقي. وبهدف ردم الهوة بين الحوزة العلمية والشرائح الاجتماعية المثقفة، حيث كان هناك شعور بالحاجة لتنظيم اسلامي يتبنى النظرية الاسلامية الأصيلة المأخوذة عن أهل البيت (عليهم السلام) ومرتبط بالحوزة العلمية وهمومها ومشاريعها من ناحية، ولمواجهة التنظيمات غير الاسلامية التي أسست على اسس الحضارة الغربية او الشرقية من ناحية أخرى، وضرورة مدّ الجسور إلى الاوساط المثفة بالثقافة الحديثة من خريجي الجامعات والموظفين والطلبة والمعلمين وغيرهم، وكذلك التحولات السياسية المهمة في المنطقة عموماً وفي العراق خصوصاً بعد سقوط الملكية وقيام النظام الجمهوري وهي الاسباب التي تشكل خلفية اتخاذ قرار تأسيس التنظيم الاسلامي سنة 1958م، الذي شارك فيه مع آخرين من العلماء الكبار أمثال آية الله العظمى الشهيد السيد محمد باقر الصدر (رض)، والعلاّمة المجاهد الشهيد السيد محمد مهدي الحكيم (رض)، والعلاّمة السيد مرتضى العسكري وهو التنظيم الذي أصبح يعرف فيما بعد باسم (حزب الدعوة الاسلامية)، وقد استمر مشاركاً في مرحلة التأسيس وكان يقوم فيها بدور فكري وثقافي بشكل عام، وتنظيمي بشكل محدود لمدة سنتين، الا أن ظروفاً موضوعية أملت عليه وعلى الشهيدين الامام الصدر والعلاّمة السيد محمد مهدي الحكيم أن يتركوا العمل داخل الاطار الحزبي، حيث كان ذلك عام 1380هـ، ويتخصص للعمل الجماهيري بقيادة المرجعية الدينية.

   وعلى الرغم من تركه العمل الحزبي إلاّ انه بقي على علاقته بالعمل السياسي المنظم على مستوى الرعاية والاسناد والتوجيه من خلال جهاز مرجعية والده الامام الحكيم (قده سره)، وبعد ذلك بشكل مستقل، أو من خلال الموقع القيادي العام للنهوض الاسلامي الذي كان يمارسه السيد الشهيد الصدر (قده سره).

   وكان سماحته قد مارس في حياة والده الامام الحكيم دوراً مشهوداً في دعم واسناد الحركة الاسلامية بكل فصائلها.

   وعلى الصعيد الرسمي فقد مثل سماحته والده الامام الحكيم (قده سره) في عدد من النشاطات الرسمية، كحضوره في عدة مؤتمرات واجتماعات منها حضوره مع العلامة الشهيد السيد محمد مهدي الحكيم (رض) ممثلان عن والدهما في المؤتمر الاسلامي الذي عقد في مكة المكرمة سنة 1965 والمؤتمر الاسلامي الذي عقد في عمان بالأردن في أعقاب نكسة 5 حزيران عما 1967م - 1387هـ.

   وقد اتصف السيد الحكيم في نشاطه السياسي بالاقدام والشجاعة والجرأة والتدبير، ففي أيام السيطرة الشيوعية على الحكم في العراق، وضعت النجف تحت رقابة مشددة حيث كان يقف في رأس كل زقاق مسلحان ممن يسمّون بـ (أنصار السلام)، وكانت المواجهة يومها على اشدها بين الامام الحكيم (قدس سره) وبين الحكم القائم، والشيوعيين الملتفين حول الحكم... بعد أن أصدر الامام الحكيم فتواه الشهيرة (الشيوعية كفر والحاد).

   في تلك الظروف التي لم يتجاوز فيها السيد الحكيم العشرين من عمره كان يراجع كتاب فلسفتنا الذي ألفه السيد الشهيد الصدر (رض) لمناقشة الفكر المادي والماركسي بشكل أخص لمناقشة الماركسية مع السيد الشهيد في بيته في أحد أزقة النجف القديمة المظلمة.. وكان يخرج من البيت متأخراً وأحياناً في منتصف الليل.. حيث يتوقع في كل لحظة ان يقع عليه اعتداء من قبل هؤلاء المسلحين، ولكنه كان يواجه كل تلك الاخطار بجرأة واقدام.

   وهكذا عندما شنت حملة الاعتقالات والسحل، ومارست الدولة ضغوطها على المرجعية فكان له موقف صامد مشهود، ومن جهة أخرى وفي مثل تلك الظروف كان يذهب إلى المطبعة لمراجعة طبع كتاب فلسفتنا، وفي نفس الوقت كان الشيوعيون يراجعون نفس المطبعة لانهم يطبعون جريدتهم فيها، وقد قدّر الامام الشهيد الصدر (رض) لسيدنا المترجم هذه المواقف الشجاعة الرائدة وترجم ذلك التقدير من خلال وصفه بأنه (العضد المفدى) في مقدمة كتابه (اقتصادنا).

   ومع كل هذه التحديات والأخطار وأمثالها التي كانت مستمرة طيلة مدة عقد الستينات الميلادية. فان ذلك لم يثنه عن اداء مهمته الرسالية.. ومثال آخر عندما اشتدت المواجهة بين الامام الحكيم (قدس سره) وبين العفالقة عام 1969م وبعد اختفاء أكثر العناصر القوية المحيطة بالامام الحكيم (قدس سره) تولى سماحته إدارة شؤون والده المرجع الاعلى، وكان بيت الامام الحكيم (رض) في الكوفة محاصراً ومحاطاً بعناصر الأمن والمخابرات، فكان سماحته يلتقي ببعض الوفود ويخطب بهم ويوضّح الحقيقة بالرغم من قساوة الظروف.. كما كان قد أتخذ موقفاً صلباً وشجاعاً تجاه محاولات البكر وصدام للقاء بالامام الحكيم (رض).

   فقد كانت خطة الامام الحكيم في مواجهة حزب البعث العراقي هي تعبئة الامة ضدهم وكشف زيفهم وانحرافهم وتآمرهم على مقدراتها ومصالحها، وكانت السلطة، وبالذات مجموعة أحمد حسن البكر وصدام يعملون من أجل محاربة الاسلام وضرب كل القوى السياسية الصالحة وفي مقدمتها المرجعية الدينية والحوزة العلمية لما لها من أهمية دينية وثقافية وسياسية وتعبوية تقف امام هذه المخططات الاجرامية.

   وقد نص على هذا الموقف السياسي ضد المرجعية قرار للمؤتمر القطري السابع لحزب البعث وكان يسمي حركة المرجعية الدينية والاجهزة والمؤسسات المرتبطة بها بـ(التيار الرجعي الفاطمي) ولكن في الوقت نفسه كان القرار المذكور يؤكد على أن يتم التعامل بحذر شديد مع ذلك التيار لاحساسه بالخطر من المواجهة العلنية المباشرة مع هذا التيار وهو خطر العزلة عن الشعب.

   وبعد الأزمة التي حدثت بين نظام أحمد حسن البكر ونظام الشاه حول السيادة على شط العرب، حاول النظام الاستفادة من موقع المرجعية في هذه الأزمة.

   ولذلك طُرح منذ البداية أن يقوم أحمد حسن البكر أو صدام بزيارة للامام الحكيم للظهور بمظهر التقرب من المرجعية، وطرح موضوع الخلاف المفتعل مع ايران الشاه في ذلك الوقت على المرجعية، ولكن الامام الحكيم لم يوافق على هذه الزيارة حتى قام أحمد حسن البكر (رئيس الجمهورية) آنذاك بزيارة مفاجئة للامام الحكيم في مدينة الكوفة دون تنسيق أو خبر مسبق، وحاول النظام أن يستغلّ هذه الزيارة للدعاية فقام باعلان خبر الزيارة في وسائله الاعلامية، ولكنه عاد بعد تهديد المرجعية بتكذيب هذه الزيارة إلى القول انها كانت زيارة مفاجئة ومن دون ترتيب سابق، ثم قام النظام بعملية تسفير واسعة لعلماء واساتذة وطلاب الحوزة العلمية والايرانيين المقيمين في العراق، والعراقيين ذوي الأصول الايرانية الأمر الذي أدى إلى احتجاج الامام الحكيم الذي كان يؤدي زيارة الاربعين للامام الحسين (عليه السلام) في كربلاء في العشرين من صفر عام 1389هـ، حيث عاد مسرعاً الى النجف وتم اعلان ذلك على الناس، وعقد اجتماعاً كبيراً للعلماء لمتابعة هذا الأمر، فيما اضطر النظام إلى أن يرسل وفداً كبيراً من بغداد للتفاوض حول الأحداث، وهنا قدم سماحة السيد محمد باقر الحكيم في محضر الوفد الادلة الثبوتية على وجود قرار للنظام بمحاربة الاسلام والدين بعد ان أنكر الوفد ذلك وكان الوفد برئاسة خير الله طلفاح محافظ بغداد وعضوية الوزير حامد علوان الجبوري، ومتصرف كربلاء في ذلك الوقت عبد الصاحب القرغولي([16]) وبعض المسؤولين الآخرين، وعلى أثر هذا اللقاء تم ايقاف التسفيرات ولو بصورة مؤقتة.

   ثم شن النظام مرة أخرى حملة اعتقالات واسعة، فكان سفر الامام الحكيم إلى بغداد للاحتجاج على هذا الموقف للنظام وتم الاتفاق مع العلماء وأطراف الحركة الاسلامية أن يكون موقف المجابهة واحدة وتمت الاستجابة الى ذلك في البداية.

   ولكن النظام قام بهجوم جديد من خلال اعلان الاتهام للعلامة السيد مهدي بالتعاون مع الحركة الكردية في شمال العراق، وقامت قوة عسكرية مخابراتية في مساء ذلك اليوم باقتحام الدار التي كان ينزل فيها الامام الحكيم في بغداد لاعتقال العلامة السيد مهدي الحكيم، كما قام في نفس الوقت باعتقال عدد من العلماء والشخصيات وتهديد عدد آخر منهم.

   وصمدت المرجعية وعاد الامام الحكيم (رض) إلى النجف الأشرف وتحرك طلبة الحوزة العلمية ودخلوا في مواجهة عنيفة مع النظام في النجف الأشرف وأعلن الامام الحكيم احتجاجه على هذه المواقف إلاّ انّ المؤسف هو ان الحركة الاسلامية لم تقم بما كان ينبغي ان تقوم به لسبب تقديراتها غير الدقيقة للموقف فلم يصدر منها ردّ فعل يتناسب مع تلك الأحداث، إلى جانب موقف بعض العلماء حين قرروا الخروج من العراق بسبب شعورهم بالخطر وعدم قدرتهم على فعل شيء‍‍‍‍‍‍‍‌‍‍‍‍‍.

   كما اختفى بعضهم بسبب التهديد والخوف، وبعضهم نسبت إليه تصريحات مؤيدة لحكومة البعث دون أن يصدر منهم تكذيب بشأنها.

   وهنا حاولت بعض الأوساط العلمية وغير العلمية أن تقوم بدور الوسيط لحل هذه الأزمة عن طريق قيام صدام بزيارة الامام الحكيم ـ وصدام كان مسؤولاً في ذلك الوقت عن جهاز المخابرت جديد التأسيس والذي كان يسمى بالعلاقات العامة لمجلس قيادة الثورة وبذلك ينتهي كل شيء حيث تستسلم المرجعية للأمر الواقع وترجع إلى موقف اعتزال الحركة السياسية مع ادانة التحرك السياسي السابق على انه تحرك مشبوه قام به أشخاص يستحقون الملاحقة ـ ووجهت ضغوط كبيرة على المرجعية نفسية وسياسية وأمنية من النظام ومن داخل الحوزة ومن أوساط الامة التي كانت تتأثر بالنظام أو بالخوف والارهاب الذي أوجده النظام او غيره كانت غير واعية، كل ذلك من أجل ان تتنازل عن موقفها.

   وفي تلك الاجواء المتوترة المنذرة بخطر داهم يُحدق بالمرجعية والحوزة العلمية كان سماحة السيد المترجم ملازماً للامام الحكيم (قده) في بيته في الكوفة من أجل مراقبة الوضع بدقة ومعالجة هذه الضغوط بطريقة مناسبة.

   وقد تم والحمد لله افشال كل هذه المحاولات ومنها المحاولة التي قام بها صدام اثناء زيارته المفاجئة الى النجف للمشاركة في تشييع جنازة عبد الوهاب كريم، عضو القيادة القطرية الذي قتل في حادث سيارة ودفن في النجف الأشرف واتهم بقتله صدام، وحضر جنازته لابعاد هذه التهمة، وحاول في هذه الزيارة المفاجئة أن يلتقي بالامام الحكيم (رض) وكلّف المرحوم السيد حسين الكليدار لإستطلاع الحال، وقد واجهه سيدنا المترجم شخصياً بالرفض.

   والطريف في موضوع ملازمة السيد الحكيم الابن لوالده، انّ الامام الحكيم (قده) كان يظن أن ملازمة نجله له في الكوفة كانت بسبب خوفه من الاعتقال، لأنه كان يشارك بصورة أساسية في كل النشاطات السياسية العامة، وقد كان الآخرون قد اعتقلوا، أو مطاردين من السلطة. ولم يكتشف السيد الحكيم الابن هذا التصور في نفس والده الذي كان على درجة عالية من ضبط النفس والسيطرة على الأعصاب، فلم يتحدث بأي شيء عن ذلك طيلة أربعة أشهر، إلى أن قرر السيد الحكيم الابن السفر إلى بغداد فجأة لترتيب أوضاع كلية أصول الدين عند افتتاح موسمها الدراسي أواخر أيلول 1969 بعد أن سافر عميدها العلامة السيد مرتضى العسكري الى الخارج دون عودة، وكان سماحته في ذلك اليوم مصاباً بالحمى ولم يكن قد غادر البيت طيلة أربعة أشهر تقريباً،  فاستأذن من والده الامام الحكيم (قده) بالسفر فأذن له، وبعد سفره تحدث الامام الحكيم بهذا التصور لزوجته (رحمها الله) حيث ذكر لها بأن طلب نجله الاذن بالسفر منه قد أثار عنده الاستغراب وخصوصاً وانه سافر إلى بغداد من أجل هذا العمل الذي كان مستهدفاً من قبل النظام.

   ولم تصل للسيد المترجم رسالة تهديد من صدام، ولكن صدام كان قد هدد أخيه العلامة الشهيد السيد مهدي الحكيم (رض) بسبب رفضه الاجتماع به، وقد نقل هذا التهديد والموقف إلى سيدنا المترجم عبد الأمير ملا ناجي، الذي كان يعمل في جهاز العلاقات العامة لمجلس قيادة الثورة، وهو الذي كان وراء اعتقال العلامة الشهيد السيد حسن الشيرازي، وكان من أهل (بلد) وقد طلب الاجتماع بسيدنا الحكيم بواسطة المرحوم العلامة السيد عبد الزهراء الخطيب العالم الديني في (بلد) حينذاك.

   ولكن صدام قام بعدة محاولات لاغتيال السيد الحكيم بطريقة غير مثيرة لم تتحقق لحد الآن والحمد لله.

   وبعد وفاة والده الامام الحكيم (قدس سره) سنة 1970م، استمر سماحته على هذا المنهج وهو يقف الى جانب آية الله العظمى السيد الشهيد الصدر (قدس سره)، ومع تطورات الأوضاع السياسية وتنامي حركة الوعي الاسلامي في العراق ازداد ثقل المسؤولية التي تحملها المرجع الشهيد الصدر (قدس سره) ومعه آية الله السيد محمد باقر الحكيم (دام ظله).

   ومن هنا تصاعدت حركة نشاطه السياسي على الرغم من الرقابة الشديدة السرية التي كان يتعرض لها من قبل أجهزة السلطة واعوانها متحينين الفرص لإعتقاله.


   تشخيص دقيق للمرحلة بعد وفاة الامام الحكيم (قده):

   وكان التقييم العام للأوضاع السياسية بعد وفاة الامام الحكيم يقوم على مجموعة من التصورات الرئيسية:

   الأول: انّ هذا النظام قمعي ويخطط للدخول في تفاصيل حياة الناس، وهو لا يَترُك حتى لو يُترَك ولذلك فلا بد من أخذ زمام المبادرة في التحرك وعدم الاعتماد على حالة ردود الفعل.

   الثاني: انّ الأمة بدأت مرحلة جديدة من الوعي ولكنها غير متكاملة ولا منظمة وتحتاج إلى جهد متواصل يهتم بالكيف أكثر من الكم.

   الثالث: انّ النظام والاستكبار العالمي فتح عيونه على المرجعية وأهميتها ودورها في الأمة وقدرتها الكبيرة بعد خروجها من عزلتها على يد الامام الحكيم، ولذلك فسوف يواصل النظام التعرض للمرجعية والعمل على القضاء على دورها أو تحجيمه والضغط عليها لإرجاعها إلى العزلة أو التعاون مع النظام.

   الرابع: انّ هناك حاجة حقيقية لتوحيد المرجعية في العراق للمحافظة على ما تبقى من انجازات حققتها مرجعية الامام الحكيم وللاحتفاظ بقدرة المرجعية في المواجهة، ولذلك اهتم بارجاع الأوساط الشعبية إلى الامام الخوئي حيث كان هو المرشح لذلك.

   الخامس: انّ المرجعية لابد أن تعتمد بصورة أساسية على جهازها وتشكيلاتها الخاصة بها من العلماء والمبلغين، مضافاً الى القوى والتشكيلات الثقافية والسياسية الاسلامية الأخرى.

   السادس: فصل المرجعية والحوزة وجهازها العام عن العمل المنظم الاسلامي العام.

   السابع: ضرورة وضوح العلاقة الداخلية بين المرجعية والحوزة من ناحية والتنظيم الاسلامي الخاص من ناحية أخرى، وهي علاقة قيمومة المرجعية على العمل التنظيمي الاسلامي وقيادته وتوجيهه وارشاده.


 

إعتقالاته

   كان نشاط سيدنا المجاهد يثير قلق السلطة ويزعجها لدوره الفاعل في تصعيد حركة النهضة الاسلامية المعارضة، ورعايته للمشاريع الاسلامية المتعددة وتنامي مركزه العلمي والاجتماعي المتمثل بشبكة العلاقات الاجتماعية الواسعة داخل العراق ولكونه يحتل موقعاً متميزاً في حركة النهوض الاسلامي، فهو الرجل الثاني بعد السيد الشهيد الصدر (قدس سره) من الناحية السياسية في قيادة التحرك السياسي الاسلامي في العراق.

 

   الاعتقالات التي تعرض لها سماحة السيد الحكيم (دام ظله):

   إعتقاله الأول:

   ولأجل ذلك فقد كان نصيبه الاعتقال في حملة الاعتقالات الواسعة التي شملت عدداً من العلماء وفي مقدمتهم السيد الشهيد الصدر (قدس سره) عام 1972م أيضاً من قبل نظام المقبور احمد حسن البكر وفي ذلك الاعتقال تعرض سماحته للتعذيب القاسي الشديد، حيث كان المعتقل الوحيد من بين عدد من العلماء والمعتقلين الذين تم اعتقالهم في هذه الحادثة الذي تم نقله الى بغداد، ولكنه صمد صمود الابطال ولم يكل او يستكين.. وعندما صدر قرار الأفراج عنه اصر على ان لا يخرج من السجن حتى يصدر قرار الافراج عن السيد الشهيد الصدر (قدس سره)، وبالفعل تم اخباره بالافراج عن الشهيد الصدر (قدس سره)، حيث أطلق سراحه (قدس سره) بعد الضغط الجماهيري ضد السلطة.

   وبعد إطلاق سراح سماحته، استمر في مواصلة نشاطه السياسي والاجتماعي والعلمي على الرغم من الظروف العصيبة والقاسية ووضعه تحت المراقبة الشديدة ومنعه من السفر الى خارج العراق.

 

   إعتقاله الثاني:

   وفي عام 1974م قام النظام بحملة واسعة من الاعتقالات ضد الاسلاميين تعرض فيها الشهيد الصدر والسيد الحكيم وقائمة كبيرة من العلماء للتهديد بالاعتقال بعد ان تم اعتقال عدد آخر منهم، واخذت منهم اعترافات كاذبة تحت التهديد، ولكن الضغط الجماهير خصوصاً من خارج العراق الذي قاده الامام موسى الصدر أوقف حملة الاعتقالات.

   ثم اقدم النظام المجرم على تنفيذ جريمته البشعة باعدام الشهداء  الخمسة (الشيخ عارف البصري والسيد عماد الدين الطباطبائي والسيد عز الدين القبانجي والسيد حسين جلوخان والسيد نوري آل طعمه).. كانذار لجميع المؤمنين بالتخلي عن النشاط الاسلامي. ولكن جذوة الجهاد لم تخفت عنده، واستمر سيدنا المجاهد في نهجه الجهادي ضد النظام العفلقي حتى انطلقت انتفاضة صفر الاسلامية المباركة عام 1977م، بسبب تدخل النظام في الشعائر الحسينية ومنعه لأبناء الشعب العراقي من أداء مراسيم المواكب والزيارة مشياً على الاقدام للامام الحسين (عليه السلام).

   فكانت أول انتفاضة جماهيرية واسعة بعد وفاة الامام الحكيم (رض) (انتفاضة صفر)، حيث شارك فيها مئات الآلاف من أبناء العراق، وكان مركز انطلاقها مدينة النجف الأشرف، حيث شهد الطريق بين النجف وكربلاء اروع ملحمة بطولية سطرها أبناء العراق الغيارى، الامر الذي أدى الى تدخل القوات البرية المدرعة، والطائرات المقاتلة للسيطرة على الانتفاضة، وفي تلك الانتفاضة الجماهيرية العظيمة ارسل آية الله العظمى السيد الشهيد الصدر (قدس سره) سيدنا المجاهد ممثلاً عنه لتوجيه خطابه السياسي بالشكل الذي يحقق اهدافها في استمرار الشعائر الحسينية ويحبط مؤامرات النظام للالتفاف عليها، ولاشعار المنتفضين ان المرجعية معهم في موقفهم البطولي الرائع، حيث تمكن المجاهد السيد الحكيم من افشال مخطط النظام في ضرب الانتفاضة سياسياً، الامر الذي أدى الى اعتقاله في 22 صفر 1397 هـ الموافق شباط 1977م بطريقة غادرة([17])، وتلقى في الاعتقال تعذيباً فظيعاً، ثم صدر عليه الحكم بالسجن المؤبد.. ثم أطلق سراحه في عفو عام عن السجناء السياسيين والعاديين في 17 تموز عام 1978م، ولكنه منع من السفر ووضع تحت المراقبة السرية والمستمرة.

   وبالرغم من ذلك لم ينقطع عن عمله الجهادي ومسؤولياته وصلته بالسيد الشهيد الصدر (قدس سره) حتى بعد فرض النظام العفلقي الاقامة الاجبارية على السيد الشهيد الصدر، حيث كان السيد الحكيم يقوم بمسؤولياته من خلال فتح قناه الاتصال السري مع الشهيد الصدر لايصال تطورات الاوضاع اليه والمساهمة في التخطيط للعمل السياسي والجهادي، وايصال التوجيهات لابناء الحركة الاسلامية في داخل العراق وخارجه.

   وبعد انتصار الثورة الاسلامية في ايران عام 1979، واثناء فترة الاحتجاز طرح عليه الامام الشهيد الصدر (رض)، فكرة الخروج من العراق فلم يرجح الفكرة، لأنه كان يعتقد ان خروجه من العراق سوف يجعل النظام يعجّل بالقضاء على السيد الشهيد الصدر (رض) بسبب طبيعة العلاقة الوثيقة بينه وبين السيد الشهيد ولم يكن هو يتحمل الآثار النفسية والمعنوية لمثل هذه الخطوة التي يعتبرها مخاطرة كبيرة تفقد الكيان الاسلامي العام شخصية قيادية كبيرة مثل السيد الشهيد الصدر.

   وبعد أن نفذ النظام المجرم جريمته الكبرى بقتل السيد الشهيد الصدر في أوائل نيسان عام 1980م، اتخذ سماحة السيد الحكيم قرار الهجرة من العراق لقيادة عملية الجهاد ضد النظام العفلقي الدموي، حيث أصبح بقاؤه مستحيلاً في ذلك الوقت، فكانت هجرته المباركة في أوائل تموز عام 1980م بشكل سري عن طريق احدى الدول العربية المجاورة وصولاً الى سوريا، وذلك قبل اندلاع عدوان النظام الصدامي على الجمهورية الاسلامية بحوالي الشهرين والنصف.

 

 

حركته الجهادية خارج العراق

   منذ اللحظات الاولى التي تمكن فيها السيد المترجم الخروج من العراق في تموز عام 1980، توجه سماحته نحو تقييم الوضع في العراق ووضع الخطوط الاستراتيجية الثابتة للعمل، وتشخيص اسلوب العمل الجهادي للمواجهة، وكذلك نحو تنظيم المواجهة ضد نظام صدام، وتعبئة كل الطاقات العراقية الموجودة داخل العراق وخارجه من اجل دفعها لتحمل مسؤولياتها في مواجهة هذا النظام، حيث أمضى مدة ثلاثة اشهر في سوريا يعمل فيها بصورة غير علنية، وكتب في ذلك بحثين مهمين.

   وبعد التوصل الى صورة واضحة عن المسائل المطروحة والاتفاق مع اطراف الساحة وشخصياتها توجه سماحته نحو الجمهورية الاسلامية في ايران حيث دخلها في أوائل تشرين الاول عام 1980 بعد بدأ العدوان الصدامي على ايران بأيام قليلة، وفي أول وصوله نزل ضيفاً على الامام الخميني (قدس سره)، حيث خصص له منزلاً مجاوراً لمقره (قدس سره)، واولاه عناية كبيرة واهتماماً ملحوظاً ومتميزاً.

   وفي طهران تحركت نحوه الجماهير العراقية المجاهدة الموجودة في ايران في وفود شعبية كبيرة وعلمية، فاستقبلها في جماران ومن هناك، اعلن عن المواجهة الشاملة ضد نظام صدام المجرم، فكان أول شخصية عراقية علمائية معروفة تعلن عن اسمها بصراحة عبر الصحف والاذاعات وصلاة الجمعة في طهران عن تصديها لمواجهة نظام صدام.

   وفي كل خطواته كان سماحته يؤكد على ضرورة الوحدة بين العاملين للاسلام، ومن أجل ذلك اجرى الحوارات مع كل الاطراف السياسية الاسلامية العراقية للوصول نحو تحقيق هدف الوحدة، وكان يهتم من خلال ذلك بايجاد مؤسسة سياسية تتولى ادارة التحرك الاسلامي العراقي وتوحيد مواقفه السياسية، واسفرت تلك الحوارات عن تأسيس "جماعة العلماء المجاهدين في العراق" وقد حدثت بعض التطورات ادت الى تجميدها عملياً فتأسس "مكتب الثورة الاسلامية في العراق".. وبعد مخاضات متعددة، اسفر ذلك النشاط المتواصل والجهود الكبيرة عن انبثاق (المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق) في أواخر عام 1982م - 1402هـ، وانتخب سماحته ناطقاً رسمياً للمجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق([18])، حيث أوكلت له مهمة ادارة الحركة السياسية للمجلس الأعلى للثورة الاسلامية في العراق على الصعيد الميداني والاعلامي وتمثيله.

   ومنذ عام 1986م أصبح سماحته رئيساً لهذا المجلس وما زال يتحمل لحد الآن هذه المسؤولية، بعد انتخابه للرئاسة وبصورة متكررة من قبل اعضاء الشورى المركزية.

   وقبل أن يتشكل المجلس الاعلى سعى سماحته نحو ايجاد قوة عسكرية مدربة تدريباً جيداً تحمل السلاح في مقاومة نظام صدام.. فوجّه نداءاته للشباب العراقي الذي انخرط في تعبئة سميت بـ(التعبئة الاسلامية) فأولى سماحته عنايته الخاصة لهذا التشكيل الذي كان له دور مهم في عمليات التصدي للعدوان العفلقي ضد الجمهورية الاسلامية، وتصعيد الحالة الجهادية لدى العراقيين.

   وعلى صعيد آخر بدأت تتكون في الساحة العراقية قوى الجهاد في داخل العراق والتي لبت نداءات سماحة السيد الحكيم، فنفذت عمليات استشهادية ضخمة زعزعت استقرار النظام من قبيل تفجير وزارة التخطيط، ووكالة الانباء العراقية، ومقر القوة الجوية، وكلها في بغداد وغير ذلك من العمليات الضخمة التي كان لها دور سياسي مهم واعلامي واضح، حيث نقلت الصراع الشعبي ضد النظام العفلقي من مرحلة السرية والكتمان الى المرحلة العلنية.

   وبعد انبثاق المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق اتخذت الحركة ضد نظام صدام طابعاً أكثر وضوحاً على الصعيدين العسكري والسياسي، فعلى الصعيد العسكري تشكلت في البداية، أفواج الجهاد، ثم تطورت لتصبح فيلقاً عرف باسم (فيلق بدر)، اما في الداخل فقد تشكلت قوات المقاومة الاسلامية والجهاد، حيث نفذت عمليات كبيرة داخل العراق وكان لها صدى أكبر في مناطق الأهوار خلال الحرب العراقية - الايرانية، لكنها بعد انتفاضة شعبان عام 1991 تطورت وانتشرت الى داخل المدن العراقية المهمة حيث قامت بعمليات كبرى، منها قصف القصر الجمهوري بصواريخ الكاتيوشا ثلاثة مرات خلال عام 2000 و2001.

   وكانت لجهود سماحته الكبيرة في رعاية شؤون الاسرى العراقيين على الصعيد الثقافي والعقائدي والتعبوي اثرها الكبير في أحداث التحولات العقائدية والفكرية السياسية لديهم حيث تم بسعيه تشكيل لجنة خاصة لرعايتهم تحت اشراف مجلس الدفاع الاعلى وتشكيل لجنة ثقافية لهم.

   وقد تجسّدت تلك التحولات حينما أبدى عشرات الآلاف منهم استعداده وبإلحاح للمشاركة في القتال، وكتبوا الطومارات والرسائل  ووقعوها بدمائهم، وبعد سنوات من الاصرار والمطالبة انتهى ذلك الى اصدار قرار بقبول تطوعهم في العمل العسكري ضمن التشكيلات القتالية في الحالة الجهادية العراقية، وقد تطوع الآلاف منهم في قوات المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق (قوات بدر) في ثمانية عشر دورة عسكرية، واشتركوا في المعارك ضد نظام الطاغية صدام واستشهد العديد منهم في ساحات القتال.

   أما على الصعيد السياسي، قد تحول المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق بسعيه الدائم ومبادراته، ودعم المؤمنين بهذه الاطروحة السياسية الجهادية الى مؤسسة سياسية مهمة ومعروفة على الصعيد الدولي، واصبح له وزن دولي كبير، ومازال المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق يواصل مسيرته من أجل تحقيق أهداف الشعب العراقي.

   لقد كان الهاجس الدائم لسماحة السيد الحكيم هو تحقيق السُبل الكفيلة بانقاذ الشعب العراقي من ظلم نظام صدام.. وكان هذا الهاجس واضحاً كل الوضوح في تفكير وحركة سماحته، فهو لم يغفل لحظة واحدة في بيان المأساة التي يعانيها هذا الشعب في ظل نظام صدام، وكان يرفع صوته ويبرق برسائله ومذكراته الى الامم المتحدة وأمينها العام، وملوك ورؤساء البلاد العربية والاسلامية في كل مناسبة، يطالبهم فيها باتخاذ التدابير اللازمة برفع الظلم عن الشعب العراقي.

 

   وعلى هذا الصعيد، فقد قدم أبعد حدود الدعم لتأسيس المركز الوثائقي لحقوق الانسان في العراق، وهو مركز يعتني بجمع الوثائق عن انتهاكات نظام صدام لحقوق الانسان في العراق والاستفادة منها في فضح النظام في اوساط المجتمع الدولي، كما شجع على التحرك في أروقة الامم المتحدة، وتحرك بنفسه حتى التقى بالأمين العام (خافيير بيريز ديكويلار) في عام 1992م.

   وشجع كذلك على ارسال الشهود والوثائق المرتبطة بالسجناء الى مؤسسات الامم المتحدة المعنية، وكذلك التحرك على منظمات حقوق الانسان في البلدان الاوربية وفي بعض البلدان الآسيوية.. وكان لتلك الحركة في مجال حقوق الانسان اثرها الكبير في فضح ممارسات النظام العراقي ضد الشعب العراقي.

   وقد أجبرت تلك الحركة وذلك الضغط الامم المتحدة على الاستجابة للاصوات المطالبة بايقاف القمع عن العراقيين وايلاء قضية الشعب العراقي ومعاناته أهمية خاصة ترجمت بشكل علني من خلال البيانات والنداءات التي أصدرتها الامم المتحدة في مواقع متعددة تتعلق بادانة انتهاكات النظام لحقوق الانسان في العراق.

   كما قام سماحته بتأسيس المنظمات والمؤسسات التي تهتم بالخدمات الانسانية والثقافية كالاغاثة والتعليم والصحة والتوثيق، فقد قام بتأسيس مؤسسة الشهيد الصدر (رض) والمستوصفات الطبية التابعة لها، كما ودعم تأسيس المدارس الابتدائية في المدن والمخيمات التي يسكن فيها العراقيون، ومدارس الحوزة العلمية، وارسال المبلغين الدينيين، ورعاية حركة حفظ القرآن وتلاوته، وتأسيس المساجد والحسينيات والمراكز الثقافية.

   وعندما تعرض الشعب العراقي للعقوبات الاقتصادية بعد احتلال نظام صدام للكويت في 2 آب 1990م، أدرك سماحة السيد الحكيم، حجم المأساة التي سوف يعاني منها الشعب العراقي، فوجه نداء الى كل العراقيين في الخارج، ودعاهم الى تشكيل لجان الاغاثة استعداداً للمرحلة القادمة.

   وعندما بدأ القصف الجوي من قبل اميركا وحلفائها ضد العراق في 17/1/1991م، تشكلت بعض اللجان للاغاثة حملت المساعدات الغذائية والالبسة وتمكنت في ظروف الحرب من ايصال بعض المساعدات إلى داخل العراق.

   وعند انطلاق الانتفاضة الشعبية المباركة في 15 شعبان 1412هـ (اذار 1991م)، تحركت لجان الاغاثة التي تشكلت في مناطق متعددة من العالم لجمع وارسال المساعدات الى ابناء الشعب العراقي المنكوب.. وتهيأت هذه اللجان وبتوجيه من سماحته لتقديم المساعدات للأخوة العراقيين اللاجئين الى الجمهورية الاسلامية.

   وما زال سماحته يولي اهتمامه الخاص بقضايا العراقيين اللاجئين في كل مكان وخصوصاً في ايران والسعودية.

   أما على صعيد حركته السياسية الدولية، فقد تحرك بشكل واسع من اجل هدف سامي وهو اسقاط نظام صدام وانقاذ الشعب العراقي من هذه المحنة الطويلة التي يعاني منها، فتحرك في الامم المتحدة والتقى بالأمين السابق (خافيير بيريز ديكويلار) كما اهتم بدول الجوار فزار السعودية، وسوريا، والكويت والتقى الملوك والرؤساء فيها والتقى رئيس الوزراء التركي، ورئيس الوزراء السوداني، وتحادث مع الملك حسين وولي عهد الأمير حسن([19])، فضلاً عن علاقاته ولقاءاته المتميزة مع قادة الجمهورية الاسلامية الايرانية، كما زار بريطانيا استجابة لدعوة العراقيين هناك وسويسرا، ولبنان، وإلتقى سفراء دول المجموعة الاوروبية عدة مرات لدعم هذا التحرك الدولي.

   وفي كل مكان كان يذهب إليه سماحته تكون مأساة الشعب العراقي وقضيته هي القضية الجوهرية التي تدور حولها المباحثات.

   كما أرسل الوفود والمبعوثين للمنظمات الدولية والدول المعنية في مناسبات عديدة.

   ويستقبل في مكتبه عادة عشرات السفراء للدول الاوربية والعربية والافريقية.


محاولات اغتياله

   تعرَّض سماحة السيد  الحكيم لعدة محاولات إغتيال بطرق متعددة، وقع بعض هذه المحاولات داخل العراق وبعضها الآخر وقع في خارج العراق بعد هجرته وقيادته للعمل المعارض للنظام.

   أ  ـ محاولات اغتياله داخل العراق:

1ـ المحاولة الأولى: كانت أثناء اعتقال سماحته الاول عام 1972م مع سماحة السيد محد تقي الطباطبائي، والشيخ عز الدين الجزائري، والسيد محمد علي الشيرازي وغيرهم، حيث تم نقل السيد  المترجم إلى بغداد، وكان قرار السلطة أن تتم تصفيته الجسدية داخل المعتقل، فنقل فوراً إلى مديرية الأمن العامة فالتقى بمدير الأمن العام الذي أمر بنقله إلى مديرية الشعبة الخامسة حيث تم تعريضه للتعذيب المبرح حتى الصباح، وبعد الظهر تم إطلاق سراحه مع الشهيد الصدر بصورة غير متوقعة، وتم الاعتذار منه وكان مدير الشعبة آنذاك يدعى (العزاوي).

   وقد نقل هذا القرار (قرار القتل) العزاوي بعد اخراجه من وظيفته في الأمن العام إلى سلك الشرطة بواسطة أحد الاصدقاء، حيث حدثه بهذه القصة، اننا فوجئنا بقرار اطلاق سراح السيد الحكيم الذي كان قراراً مفاجئاً جاء من القصر، ولعل السبب في ذلك هو التوسل بالامام الكاظم (عليه السلام) من قبل سماحة السيد الحكيم (حفظه الله)([20]).

2ـ المحاولة الثانية: بعد وفاة الامام الحكيم (رض) عام 1970م ووضوح دور سماحته المؤثر في مرجعية والده الامام الحكيم، وكذلك وضوح دوره الكبير في حركة السيد الشهيد الصدر (رض) الثقافية والسياسية والاجتماعية حاول النظام آنذاك تدبير محاولة اغتيال الامام الشهيد الصدر (رض) وسماحة آية الله السيد محمد باقر الحكيم (دام ظلّه) وذلك عبر تكليف أحد الاشخاص البعثيين، وتم إعداد خطة الاغتيال وساعة التنفيذ، إلاّ انّ الرجل في الساعات الأخيرة قبل التنفيذ اعتذر عن التنفيذ، وكان ذلك بين عامي 74ـ1975 وهي السنة التي شهدت إعدام مجموعة من العلماء والرساليين([21]).

   وقد نقل هذا الأمر للسيد الحكيم أحد العلماء العراقيين، حينما كان معتكفاً في مسجد الكوفة، وقد كان الشخص المكلف بهذه المهمة حدثه بها.

   ب ـ خارج العراق:

1ـ محاولة مستشفى بنك ملت:

   كان من عادة آية الله السيد الحكيم (دام ظله) أن يقوم بزيارة للجرحى العراقيين والايرانيين وذلك في أيام الحرب العراقية الايرانية، وفي إحدى المرات كان سماحته يقوم بزيارة للجرحى في مستشفى بنك ملت الواقع في شارع فردوسي بالعاصمة طهران وذلك في عام 1986، حيث كان تلفزيون الجمهورية الاسلامية قد اعدّ برنامجاً لتصوير هذه الزيارة.

   وبعد تفقده للجرحى توجه للخروج من المستشفى، وكان أحد المنافقين من العاملين داخل المستشفى قد اطلع على هذه لزيارة قبل عدة ساعات من تنفيذها، فأخبر مجموعته التي اتخذت موقعاً لها في الشارع العام عند مدخل المستشفى لتنفيذ عملية الاغتيال عند الخروج منها، وعند الانتهاء من الزيارة والبدء بالنـزول من السلم المؤدي إلى باحة المستشفى أعطى العامل في المستشفى الاشارة لمجموعته، ولكن في هذه الأثناء طلب أحد المصورين من سماحة السيد العودة إلى ردهة المستشفى لإلتقاط مزيد من الصور مع الجرحى حسب طلبهم وبدون تخطيط سابق، فعاد إلى الداخل مرة أخرى وتأخر عن الخروج قليلاً، وكانت هذه الفترة القليلة كافية لكشف كمين المنافقين الذي كان قد خرج إلى الشارع استعداداً للتنفيذ، وصادف مرور دورية للجان ثورية فرأت المجموعة التي كانت قد اتخذت هيئة الاستعداد للهجوم، وهنا وقع الاشتباك بالأسلحة النارية بين مجموعة المنافقين والدورية حيث سمع إطلاق النار في داخل المستشفى، فطلب المسؤولون في المستشفى من سماحته المكوث في المستشفى حتى انكشاف الحالة، وتبين بعد ذلك انّ أحد المنافقين كان قد قتل في المواجهة وجرح الآخر مع أحد أفراد الدورية، وترددت اشاعة قوية باصابة السيد الحكيم في هذه المواجهة، حتى انّ احدى النشرات السرية الخاصة بالمؤسسات الثورية الاسلامية قد نشرت الخبر على أساس حصول الاصابة للسيد الحكيم، وفوجئ السيد الحكيم بمجموعة من الاتصالات التلفونية تستفسر عن الحادث.

2ـ محاولة معسكر برندك للأسرى العراقيين([22]):

   كان سماحة آية الله السيد الحكيم (دام ظلّه) من عادته أن يقوم بجولات دورية على معسكرات الأسرى العراقيين لتفقدهم وللتحدث إليهم ومتابعة أوضاعهم واحتياجاتهم، وفي أحدى الزيارات كانت هناك مجموعة من الأسرى البعثيين وعناصر الاستخبارات العراقية قد خططت للقيام بعملية الاغتيال عن طريق الخنق أثناء إزدحام الأسرى ـ وهم يعدّون بالآلاف ـ حوله للسلام عليه أو تقبيل يديه كما هي عادتهم، وكان من عادة سماحته أن يتجوّل داخل صفوف الأسرى العراقيين على الرغم من تحذيرات المسؤولين ومعارضتهم في بعض الأحيان.

   وفي تلك الزيارة بعد أن أنهى سماحته خطابه، نزل من منصة الخطابة، وتوجه نحو الأسرى المتجمعين لكن شيئاً لم يحدث، ولم يكن أحد من مرافقي السيد أو إدارة المعسكر يعلمون بالخطة، ولكن بعض الأسرى الذين هدى الله قلبهم للايمان قال فيما بعد، أنّ الخطة كانت تقضي إحداث فوضى مصطنعة للسلام على سماحته ثم يقوم بعضنا بعملية الخنق أثناء الازدحام والفوضى، ولكننا شعرنا بالإحباط والخوف والدهشة عندما شاهدنا سماحته ينـزل إلى وسطنا دون تكلف وببساطة فأسقط بأيدينا.

3ـ محاولة معسكر بجنورد:

   كان في بجنورد شمال ايران معسكر آخر يضم مجموعة من الأسرى الذين جاؤا حديثاً إلى إيران، وقد ذهب سماحة السيد الحكيم كعادته في تفقد الأسرى العراقيين لزيارتهم، وبيدو انه حصلوا على معلومات بزيارته لهم، فأعدوا خطة للاغتيال عن طريق الخنق أيضاً.. وكان فيه عدد كبير من البعثيين الكبار، وقد حذرت قوات الشرطة العسكرية (الانضباط العسكري) وآمر المعسكر سماحته من التواجد في وسطهم خوفاً عليه وحذراً من هذه المخاطر، وكما هي التعليمات المشددة في هذا المجال.

   لكن سماحته لم يلق بالاً لتلك التحذيرات، فتوجه نحوهم يدفعه اليهم انهم عراقيون مُغرّر بهم ويمكن إصلاحهم من خلال المعاملة الحسنة والمودة الصادقة والحرص على مصلحتهم، فاندفعت مجموعة كبيرة منهم نحو سماحته، لكن الشرطة العسكرية والحرس الموجودون في المكان دفعوهم على اعقابهم وحدثت فوضى، وصدرت بعض العبارات والكلمات منهم، مما قوى الاعتقاد لدى المسؤولين بوجود محاولة مسبقة لعملية الاغتيال، فتم استجواب عدد منهم فاعترفوا بوجود المحاولة، لكنها فشلت والحمد لله.

4ـ محاولة حاج عمران:

   بعد تشكيل المجلس الأعلى للثورة الاسلامية في العراق، كانت القوات الاسلامية الايرانية قد حرّرت منطقة حاج عمران في شمال العراق واشترك في هذه العملية لأول مرة قوات عسكرية من المجلس الأعلى (قوات بدر)، فذهب وفد من قيادة المجلس الأعلى والكادر العراقي الاسلامي لزيارة المنطقة المحررة وتفقدها وعقد اجتماعاً رسمياً في مدينة بيرانشهر الحدودية، كما قرروا عقد اجتماع آخر في داخل الأراضي العراقية، وكان سماحته على رأس الوفد.

   وعندما تحركت قافلة المجلس من مدينة بيرانشهر الايرانية الواقعة على الحدود إلى منطقة حاج عمران وكان ذلك في وسط النهار، كانت أخبار زيارة الوفد قد وصلت إلى النظام العراقي عن طريق بعض العناصر الكردية المتعاونة مع النظام والتي كانت تنتشر في هذه المنطقة.

    وبعد التوغل قليلاً داخل الأراضي العراقية جاءت الطائرات العراقية فضربت قافلة السيارات التي كانت تقل الوفد بصواريخ جو ـ أرض ثم وجهت نيران المدافع الرشاشة وهي تحلق على مستوى منخفض جداً إلى القافلة حتى انّ الشظايا والنيران كانت تتطاير على جانبي الطريق الجبلي.. وكان أنّ أمر مسؤول الحرس الثوري المرافق للوفد باعادة الوفد كلّه إلى داخل الأراضي الايرانية، لكن الطائرة عادت مرى أخرى وطارت على إرتفاع منخفض ورشقت السيارة التي يستقلها السيد الحكيم بالرصاص، لكنه لم يصب بأذى والحمد لله.

5ـ محاولة الأهوار:

   كان سماحة آية الله السيد الحكيم (دام ظله) أثناء الحرب العراقية المفروضة على ايران يقوم بين حين وآخر بتفقد قوات المجاهدين العراقيين في الجبهة للتواصل معهم ورفع معنوياتهم القتالية، وكان من عادته أيضاً أن يتوغل إلى الخطوط الامامية للجبهة رغم تحذيرات المسؤولين والقادة العسكريين من الأخطار الناجمة عن ذلك.

   وعندما قام المجاهدون العراقيون بتحرير هور الهويزة وبحيرة أم النعاج في داخل الأراضي العراقية، قرر سماحته أن يقوم بزيارتهم وتفقد مواقعهم والمبيت عندهم في داخل الأهوار العراقية. وقد أعد المجاهدون لسماحته برنامجاً مكثفاً لزيارة المواقع لمدة يومين، ولم يكن يعرف البرنامج هذا إلاّ قائد المجاهدين ومسؤول الاستخبارات العسكرية لحرس الثورة الاسلامية في المنطقة وبعض عناصر الاستخبارات.

   وقد قام السيد (جوبان) مسؤول الاستخبارات حينذاك قبل يوم الزيارة بتفقد الخطوط الامامية للتعرف على أوضاعها تحسباً لزيارة سماحته، وكان يرافقه عنصران أحدهما من منطقة خوزستان، حيث بقي أحدهما في الزورق ونزل السيد جوبان والعنصر الآخر الخوزستاني إلى الماء للغطس والاقتراب من الخطوط الامامية، وعندئذ قام العنصر الخوزستاني باطلاق النار على السيد جوبان وَفَرَّ إلى الجانب العراقي يحمل معه تفاصيل الزيارة ومواقعها، وهنا بادر قائد الزورق إلى الغطس في الماء أيضاً للاختفاء حيث ظن انّ إطلاق النار كان من جانب الدوريات العراقية، ولكنه وجد بالأثناء جسد السيد جوبان طافياً على الماء وهو على وشك الموت بعد أن أصيب بالنار وكان مغمى عليه، فنقله إلى الزورق وبادر إلى إرجاعه إلى الخطوط الخلفية لمعالجته معتقداً انّ العنصر الخوزستاني قد لقي حتفه أو تم أسره.

   وفي صبيحة اليوم الثاني وصل سماحة السيد إلى حافة هور الهويزة لركوب الزوارق والقيام بالزيارة التفقدية، ولكن حدثت بالأثناء مشكلة جزئية بصورة غير متوقعة أخرت البدء بالزيارة عن موعدها المحدد بنصف ساعة، وعندما اقترب سماحة السيد من اول موقع كان من المقرر زيارته والاقامة فيه ظهراً وجد الموضع قد تمت مهاجمته بالطائرات، ولزيادة الاحتياط تم تغيير مواعيد تفقد المواقع واستمرت الزيارة وقامت الطائرات مرة أخرى بمهاجمة موقع آخر يقع ضمن المواقع المراد تفقدها في تلك الزيارة، الأمر الذي أدى إلى استشهاد بعض الأخوة المجاهدين.

   وفي اليوم الثاني من الزيارة عندما رجع السيد جوبان إلى وعيه بعد معالجته، كان قد تحدث بمحاولة اغتياله وهروب الجندي الخوزستاني إلى الجانب العراقي للقيام بهذه المهمة الخبيثة.

6ـ محاولات اغتيال بالمتفجرات:

طيلة فترة وجوده في الجمهورية الاسلامية في ايران، كانت الأجهزة الأمنية الايرانية، وحرس مكتبه يكتشفون في بعض الأحيان متفجرات معدة بأساليب متنوعة موضوعة قرب المكتب من أجل تفجيره.

   وقد انفجرت بعض تلك العبوات في بعض الأزقة المجاورة لمكتبه.

   كما ألقت الأجهزة الأمنية الايرانية وطيلة السنوات السابقة القبض على أعداد من عناصر المخابرات العراقية المتسللين إلى إيران اعترفوا بأنهم مكلّفون من قبل نظام صدام للقيام بعمليات اغتيال ضد رموز المعارضة العراقية في ايران وعلى رأسهم سماحة آية الله السيد الحكيم (دام ظلّه).

7ـ محاولة الاغتيال في العاشر من محرم 1422هـ:

   قام النظام العراقي ـ حسب المعلومات الموثقة ـ بارسال خمسة عناصر للقيام باغتيال سماحة السيد الحكيم في العاشر من المحرم عند قراءته لمقتل الامام الحسين (ع) في مسجد الامام الرضا (ع) في مدينة قم المقدسة، حيث يجتمع عدة آلاف من العراقيين والبلاد الاسلامية الأخرى، وأكدت المعلومات انّ هناك تدريبات تمت للقيام بذلك، ولكن تم احباط هذا المخطط من خلال اتخاذ تدابير أمنية خاصة بعد أن كان قد أقترح المسؤولون الأمنيون إلغاء البرنامج وإصرار سماحة السيد الحكيم على إجراءه حفظاً للجانب المعنوي وإجراء الشعائر بصورة طبيعية.

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الثالث ـ ملامح من سيرته الذاتية

 

   ·   طريقة عمله اليومي.

   ·   منهجه في العمل: (المشورة، التخطيط والبرمجة، العمل المؤسساتي)

   ·    طريقة تحركه الاجتماعي الخاص والعام    (مصلحة الإسلام أولاً، الدفاع عن الحق)


 

ملامح من سيرته الذاتية

   كان للنشأة الأولى للسيد المترجم في أجواء أسرته العلمية والمرجعية وما تفرضه هذه الأجواء من إلتزامات أخلاقية واجتماعية دور كبير في صياغة معالم شخصيته، بالاضافة إلى المواصفات الذاتية التي انعكست على سيرته الذاتية.

   فهو على الرغم من كونه إبناً للمرجع الأعلى، كان يمكن أن يحصل على امتيازات واسعة للعيش بطريقة خاصة، كما كان يحصل ذلك بالنسبة إلى أقرانه وأمثاله، إلاّ انه كان يختار المعيشة البسيطة التي لا يختلف فيها عن بقية طلاب العلوم الدينية، ولا شك ان لوالده وتربيته له الأثر الكبير في هذا السلوك، ولكن لا يمكن أن نغفل طبيعة مواصفاته الذاتية الخاصة في هذا المجال.

   ويصح أن نقول انه في عهد  والده الامام الحكيم (رض) كان يضع قضايا العمل الاسلامي والتحرك الواعي والتبليغ والنشاط السياسي العام ورعاية شؤون الطلبة غير العراقيين في الحوزة العلمية، وتطوير الدراسات الحوزوية في أولويات اهتماماته التي كانت تتم غالباً على حساب شؤونه الذاتية الخاصة.

   ولذلك يمكن القول ان المسؤوليات التي يتحملها في مرجعية والده كانت أكبر بكثير من الامتيازات الخاصة التي كان يحصل عليها.

   كما انّ انتسابه للمرجع الاعلى الامام الحكيم (رض) وحركته النشطة في مرجعية والده كانت تضعه بصورة عملية وطبيعية تحت الأضواء، لكنه كان يبتعد بطبعه وبتأثيرات التربية الأخلاقية التي تلقاها من والده عن تلك الاضواء خصوصاً اذا كان لها طابعاً شخصياً، وكنموذج على ذلك، فقد أمر المطبعة التي كان يطبع عندها كتاب فلسفتنا للسيد الشهيد الصدر (رض) أن تحذف ما كتبه السيد الشهيد (رض) في مقدمة الكتاب من ثناء واطراء واشادة بحقه، وهذا الامر دفع الامام الشهيد السيد محمد باقر الصدر (رض) إلى الاشراف بنفسه على طبع مقدمة كتاب أقتصادنا، حيث أمر المطبعة بعدم ارسال المقدمة إلى السيد المترجم، وهي التي جاء فيها وصف السيد الشهيد لسيدنا المترجم (بالعضد المفدى).

   ومن أجل التسجيل التأريخي فانه ساهم وهو مازال في عمر الشباب ببعض الأعمال الفكرية والثقافية التي كانت تعرف باسم السيد الشهيد الصدر (رض) ومثال ذلك بعض الدروس في علوم القرآن الكريم التي كتبها بصورة مستقلة وكان الشائع في كلية أصول الدين أنها من أفكار السيد الشهيد الصدر (رض) وقد أشار هو الى المحاضرات التي كتبها بنفسه في الطبعة الجديدة لكتابه (علوم القرآن)، وبعض الكتابات التي كانت تنشر في النشرات السرية لحزب الدعوة الاسلامية، ولم يكن يفعل ذلك بسبب مقتضيات الصداقة والمحبة التي تربطه بالسيد الشهيد الصدر (رض)، وانما كان يفعله انطلاقاً من تقديره للمصلحة الاسلامية بضرورة بروز مرجعية ثقافية اسلامية تنطلق من الحوزة العلمية تعرض الفكر الاسلامي الأصيل، ولم يكن مهماً عنده أن يحدد موقعه العلني في تلك المرجعية مع انّ انتماءه لمرجعية والده كانت توفر له بصورة طبيعية موقعية اجتماعية وحوزوية متقدمة، لكنه كان ذائباً في حركة السيد الشهيد الصدر (رض)، مثلما ذاب الامام الشهيد في مرجعية الامام الخميني (رض) بعد انتصار الثورة الاسلامية في ايران فهما مدرسة واحدة في الذوبان في مصالح الإسلام العليا.

 

طريقة عمله اليومي وبرنامجه:

   تميز سماحة السيد المترجم بأنه وضع لنفسه منهجاً صارماً في التعامل مع الوقت، فاليوم عند سماحته مقسم بطريقة دقيقة ووفق برنامج محكم كما أنه قد أعد مقداراً كبيراً من الأعمال الاحتياطية، يستغل الفرص في اليوم من أجل الانشغال بها سيما وهو يشعر أن في ذلك خدمة للاسلام ولقضية شعبه.

   والمعروف انّ اهتمامات سماحته ومسؤولياته الكبيرة والمتعددة سواء على صعيد الشأن العراقي الخاص أو على صعيد الشؤون الاسلامية العامة أو النشاطات الثقافية والاجتماعية والتربوية والادارية تتطلب بذل جهود إستثنائية من أجل إيفاء كل تلك الاهتمامات والمسؤوليات حقها.

   وإنطلاقاً من ذلك، فإن سماحته يجد في (أوقات الفراغ) فرصة للقيام بعمل ما يتناسب مع طبيعة ذلك الفراغ، فالتنقل في السيارة مثلاً من مكان إلى آخر يجد فيه سماحته فرصة لمراجعة كتاب أو دراسة أو بحث، وإذا لم يكن هناك شيء من هذه الأمور فإنه ينشغل بقراءة القرآن الكريم أو قراءة الأدعية والأوراد المستحبة الذي وضعها ضمن برنامجه الخاص([23]).

   انّ عمل سماحته اليومي مقسم بين عدة مهام ونشاطات، فهو في الوقت الذي يوفي الجانب العبادي الشخصي حقه، فانه يلتزم بحضور الاجتماعات والجلسات في مواعيدها المقررة، فيقدم بذلك نموذجاً ودرساً لمن حوله بضرورة الالتزام بالمواعيد.

   كما أنه يلتزم يومياً بمراجعة المئات من الأوراق في البريد اليومي الذي يقدم لسماحته حول مختلف القضايا والشؤون العامة والخاصة، ويعطي التوجيه المطلوب فيها.

   كما يلتزم باعطاء الرأي في كل الاستشارات والاسئلة، والمقترحات، والدراسات والابحاث التي تقدم لسماحته، وطالما تملكنا العجب، ونحن نرى إلتزامه بالتعليق على مقترحات بسيطة، فيدفعنا ذلك إلى تعلم درس مهم وهو الاحساس العالي بالمسؤولية الشرعية تجاه كل الأحداث والقضايا التي تمر علينا.

   انّ بامكان سماحته وهو في مثل هذا الوضع والانشغال تحويل الكثير من المسائل على المرتبطين به أو العاملين معه، لكننا لمسنا فيه الالتزام بأولوية إعطاء الرأي من قبله ما وسعته الفرصة، وهو لا يحول القضايا إلى غيره إلاّ في الحالات النادرة جداً أو ضمن المسؤوليات الملقاة على عاتق الآخرين، وحتى في مثل هذه الحالات فانّه يعطي رأيه النهائي في تلك الحالات عندما يطلب منه.

   وإلى جانب إهتمامه بحضور الجلسات والاجتماعات مع الافراد المتخصصين في مفاصل العمل للاستماع إلى آراءهم وإعطاء الرأي والتوجيه مسدداً العمل والعاملين بما يملك من خبرات عملية متعددة كبيرة، فانه لا يمر أسبوع تقريباً دون أن يستقبل سماحته وفداً سياسياً من المعارضة العراقية، أو سفيراً في دولة، أو أعلامياً جاء يحاور سماحته حول قضايا العراق ومستقبله، أو مثقفاً أو عالماً جاء يتحدث معه حول هموم الاسلام والمسملين في مختلف أنحاء العالم.

   وانني أقولها شهادة للتاريخ، انني طيلة السنوات الثمانية عشرة الماضية التي قضيتها بخدمته، قريباً منه في مواقع العمل لم أعرف نظيراً له في طاقة الاستيعاب والتحمل، وفي الحضور الذهني، فطالما عايشته عن قرب ينتهي من إجتماع يناقش فيه قضايا الفكر والمجتمع والعقيدة والتاريخ، ليدخل بعده مباشرة في اجتماع مع سفير أو وزير أو إعلامي ليتحدث في السياسة بذهن وقّاد منفتح وعميق.

   واني لم أحضر بخدمته في اجتماع أو جلسة إلاّ وجدته يحوّل ذلك الاجتماع إلى فرصة لخدمة الدين ومذهب أهل البيت عليهم السلام، سواء كان ذلك في اجتماعاته الفكرية أو الاجتماعية أو السياسية، وسواء كان المجتمعون مسلمون أو مسيحيون، مفكرون أو سياسيون، أشخاصاً كانوا أو تجمعات حزبية، ولولا الحرج في ذكر الأسماء لذكرت مصاديق كثيرة لهذه النماذج.

   هذا في مركز العمل، أما في بيته ومنزله، فإنه يواصل في الليل ما ابتدءه في النهار من عمل، فبيته يتحول إلى مقر عمل في الكثير من الأحيان، حيث يقضي الوقت كلّه موزعاً بين العبادة ومراجعة الملفات أو كتابة الرسائل التي تفيض بالتوجيه و الإحساس بالمسؤولية، أو التأليف أو كتابة الابحاث والدراسات.

   إنّ كل هذا العمل الواسع يحتاج إلى وضع برنامج دقيق يحسب الدقائق والساعات حساباً صارماً، وهذا هو الذي يفعله سماحته، وهذه البرمجة والتخطيط هي التي تفسّر لنا سعة نشاطه السياسي من جهة، وكثرة كتاباته ومؤلفاته من جهة ثانية.

   حيث انه لم يسمح لهذا النشاط السياسي أن يصادر نشاطه الفكري والعلمي، ولا سمح للنشاط العلمي أن يتغلب على نشاطه ومسؤولياته السياسية، فقد نجح في إيجاد موازنة دقيقة بين جميع أنشطته، ولذلك نراه دائماً حاضراً في النشاط السياسي، والثقافي الفكري والعلمي، والنشاط الاجتماعي العام.

منهجه في العمل:

   هناك عدة ملامح ومميزات في منهج عمل السيد المترجم عايشناها عن قرب خلال السنوات الثمانية عشر الماضية، ومنها هذه الملامح والمميزات.

1ـ المشورة:

   تشكل المشورة في عمله أحد الاركان الأساسية التي يعتبرها سماحته جزءاً لا ينفك عن العمل، فهو على الرغم من تجربته الغنية في الحياة والعمل السياسي والاجتماعي، وهي تجربة تمنحه القدرة على اتخاذ القرار الصائب والسريع، ولكنه مع كل ذلك، لم يتخل يوماً ما عن منهج الاستشارة في مختلف الشؤون التي تتعلق بحركته ونشاطه.

   وطريقته في الاستشارة هي تأسيس المجالس الاستشارية في مختلف مجالات العمل وهو يستمع الى آراء المشيرين بعناية وانتباه عميق ويستخلص الرأي العام الذي تكاد ان تتفق عليه الآراء او تقترب منه، ثم يناقش ويبين نقاط القوة والضعف ويقول في نهاية المطاف رأيه  ولا يحمّلَه على الآخرين، وانّما يترك لهم الخيار في الأخذ به أو عدم الأخذ به، ولكنه يحاول أن يعمل برأي مستشاريه عندما تتفق كلمتهم عليه حتى لو خالف رأيه في القضايا الاستراتيجية الهامة مادام قد وصل إلى القناعة به لأسباب موضوعية ومرجحات شرعية، وقد أعطته تجربة ملازمته لمرجعية والده الامام الحكيم (رض)، ومرجعية الشهيد الصدر (رض)، ومرجعية الامام الخميني (رض)، وتجربته الغنية الاجتماعية والسياسية قدرة فائقة على تمحيص الأفكار والآراء.

   كما انه لا يدخل مجتمعاً أو مسجداً أو مخيماً إلاّ ويستشير المسؤولين عنه دينياً أو أدارياً في القضايا التي يحسن تناولها للتعرف على أوضاع الأخوة ثم يختار مايراه مناسباً.

   وقد أرسى بذلك منهجاً تربوياً رائداً تعلمه منه تلامذته القريبين منه فأصبح هذا المنهج، هو المنهج السائد في أغلب مواقع العمل الثابتة لسماحته، حيث يؤكد على القريبين منه دائماً على ضرورة الاستماع إلى آراء العاملين معهم عبر تخصيص آلية معينة لذلك وهي الاجتماعات الدورية، وربما لا يحتاج هو شخصياً تلك الآراء، لكنه يريد أن يتعلم العاملون معه هذا المنهج وهو إحترام الرأي الآخر والاستماع إليه ثم مناقشته مناقشة موضوعية للخروج بنتائج تخدم العمل والتحرك.

   وهو يحاول من خلال هذه الاستشارة أن يربي الدائرة المحيطة به فكرياً وسياسياً كما يستفيد في الوقت نفسه من مشورتهم والتعرف على الواقع الموضوعي للناس.

   وإنطلاقاً من هذا المنهج فانه يكن احتراماً خاصاً للتخصص، وكثيراً ما كان يؤجل النقاشات في بعض الموضوعات بسبب عدم حضور المختص في ذلك الموضوع في الاجتماع والمناقشة.

   ويصدق هذا الأمر، وهذا المنهج عنده حتى على بعض الأمور التي ترتبط بحركة سماحته الخاصة حيث أنه يعتبر نفسه ملكاً للامة ولاسلام، وانّه في موقعه لا يمثل شخصه فقط، وانما يشعر بمسؤوليته، انه يمثل شعباً بكامله وأمة متحركة، وحركته نمت وكبرت بتضحيات الشهداء ودماءهم الطاهرة ولذلك فهو في استشارته لا يحصر نفسه ضمن اطار ضيق من المستشارين، بل يتعدى ذلك الى كل من يعتقد بصدقه وإخلاصه في خدمة الأهداف الاسلامية المقدسة سواء كان محسوباً من دائرته الخاصة أو الدائرة الأبعد، وهذا المنهج في الأنفتاح وقبول الرأي الآخر قلما نجد له مثيلاً في عالم السياسة اليوم.

2ـ التخطيط والبرمجة:

   يشكل التخطيط والتنظيم للأعمال والتحرك ركيزة أخرى مهمة من ركائز هذا المنهج، فسماحته لا يؤمن بطريقة العمل المرتجل أو الإرتجالي، حيث أنه يضع عدة أعتبارات لكل خطوة أو عمل يريد القيام به، ولعل في مقدمة تلك الأعتبارات هو مناسبة هذا العمل أو التحرك لخدمة الأهداف المقدسة التي نذر نفسه من أجلها وهي أهداف تحكيم الاسلام في حياة الأمة الاسلامية عموماً وحياة العراقيين خصوصاً.

   انّ حركة سماحته ونشاطاته كثيرة وواسعة بالاضافة إلى تنوع طبيعتها، فمن أجواء العمل السياسي والجهادي إلى أجواء العمل الثقافي الفكري العام، إلى أجواء العمل الحوزوي، إلى أجواء العمل الاجتماعي ورعايته الشعائر الاسلامية والحسينية، إلى أجواء العمل الجماهيري ورعاية المستضعفين، إلى أجواء العمل الجهادي داخل العراق ورعاية المقاومة والشهداء، إلى أجواء العمل السياسي على الصعيد الدولي والاقليمي، وهي أجواء خاض سماحته غمارها، فكان فيها موفقاً ومتقدماً أيضاً.

   ومثل هذه الأجواء تحتاج بدون شك إلى قدرة كبيرة في التنسيق بين فعالياتها بحيث تترتب الاولويات فيها حسب أهميتها وضرورتها العامة أو المقطعية الآنية.

   وقد وجدنا سماحته يخطط ويبرمج أنشطته في هذا الجال منذ البداية فمثلاً عند خروجه من العراق مهاجراً في سبيل الله وضع خطة العمل ومنهجه قبل أن يقوم بالتحرك وخصص شهرين من الزمن للمشورة والتخطيط.

   وهكذا الأمر عندما جاء إلى ايران، فقد وضع منهاج العمل وتأسيس المؤسسات، فعلى الرغم من حضوره السياسي الدائم والمتقدم في الحركة السياسية، فإنّا نجده متقدماً في القدرة على الانتاج الفكري من خلال كتبه التي أخرجها إلى النور في زحمة الانشغالات بالعمل السياسي، وقد تحولت بعض كتبه إلى منهج دراسي في الحوزة العلمية بقم المقدسة([24])، كما تجده أيضاً يخصص وقتاً لإلقاء البحث الخارج في الفقه، أو نجده مفسراً للقرآن الكريم من خلال محاضرات التفسيرالكثيرة التي أعطاها في هذا المجال، او تجده مشرفاً علمياً على بعض رسائل الدكتوراه في الجامعات الايرانية أو الكتب العلمية المهمة أو المجالات الثقافية، كما أنه يخضع وقته الخاص إلى برنامج وتخطيط محكم وواسع من أجل استيعاب الوقت في العمل من ناحية واستيعاب تنوع العمل من ناحية أخرى، أو مدرساً مرحلة الماجستير، أو مؤلفاً في علوم القرآن، وباحثاً في القصص القرآني أو محققاً في قضايا العقيدة الاسلامية، هذا الى جانب أهتمامه الكبير بالاجابة على الرسائل التي ترده بالآلاف من مختلف أنحاء العالم.

   وإلى جانب كل ذلك نراه حاضراً وسط الجماهير في احتفالاتها العامة الدينية، أو حاضراً معزياً هذا بمصيبته، أو مهنئاً ذاك بفرحته، ولا يفوته أن يحضر في أكثر الحسينيات والهيئات الحسينية التي تقيم العزاء لسيد الشهداء الامام الحسين (ع) في موسم محرم الحرام، أو في شهر رمضان المبارك، أو القيام بزيارة وتفقد العراقيين في مدنهم بحيث لم يترك مخيماً أو معسكراً أو مدينة يتواجد فيها العراقيون إلاّ وزارها، كما انه في الوقت نفسه كان له حضور في الجبهات والمنتديات السياسية والفكرية في الساحة العراقية والايرانية.

   انّ هذا الجهد الواسع والحضور المستمر في كل الميادين التي فيها خدمة للاسلام والمسلمين يحتاج بدون شك إلى تخطيط وبرمجة، وهذا هو ما يفعله سماحته وهو يتابع بصورة مستمرة ودقيقة اعمال المؤسسات المرتبطة بمكتبه، ويحث هذه المؤسسات على التخطيط لعملها ويلتزم سماحته بالاطلاع على خططها وبرامجها موجهاً ومرشداً الى الطريق الصحيح في العمل.

العمل المؤسساتي:

   حرص سماحته منذ بداية تصديه للعمل في خارج العراق ضد نظام الطاغية صدام على بناء مفاصل العمل على اساس مؤسساتي، وهذا هو ما يفسر لنا وجود العديد الكبير من المؤسسات التي أسسها أو شارك في تأسيسها، كما يفسر أيضاً وجود العديد من المؤسسات التي يشرف عليها سماحته بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وهي مؤسسات تعد في وظائفها وخدماتها مؤسسات نوعية في المعارضة العراقية في ايران وغيرها.

   هناك اليوم العديد من المؤسسات الانسانية والثقافية، والحوزوية، والاعلامية في ايران وخارجها تمارس عملها لخدمة قضايا الأمة والاسلام في العراق، تاسست بفضل ارشادات ودعم سماحته بصورة مباشرة ومنها مؤسسة الشهيد الصدر (رض)، ولجنة الاغاثة الانسانية التابعة لها، والمركز الوثائقي لحقوق الانسان في العراق، ومؤسسة دار الحكمة للعلوم الاسلامية، ومركز دراسات تاريخ العراق الحديث.

   انّ سماحته لا ينظر إلى المؤسسة من خلال كونها عنوان أو واجهة، بل ينظر إليها على أنها تمثل مفصلاً من مفاصل العمل يجب أن يكون نشاطها يمثل جهداً خيراً يوصل العمل والأطروحة إلى مرحلة التكامل.

   هذا هو ما نقصده بالعمل المؤسساتي، فحتى داخل المؤسسة الواحدة يحرص سماحته على وجود الضوابط والقوانين والآليات المناسبة التي تجعل العمل سائراً وفق معايير صحيحة.

 

 طريقة تحركه الاجتماعي الخاص والعام:

   قليل هم أولئك الذين يستطيعون خلق موازنة دقيقة بين جميع متطلبات العمل السياسي والفكري والجهادي والعمل الاجتماعي العام، والسيد المترجم له هو من أولئك القلائل الذين استطاعوا تحقيق هذه الموازنة.

   فسماحته إلى جانب أنشطته العديدة المارة الذكر في المجال السياسي، والمجال العلمي والفكري نراه يقوم بحضور مجالس المؤمنين في أحزانهم مواسياً لهم في بيوتهم أو في الحسينيات والمساجد، أو يقوم بعقد وحضور مراسيم الزواج الشعبية، أو أجابة الدعوات الخاصة، كما أنه يهتم وبصرامة بالحضور في مجالس المؤمنين في مراسم محرم وصفر وفي شهر رمضان، كما انه ملتزم بتفقد المؤمنين بمقدار ما يسمح له وقته وضمن الاولويات الجهادية والسياسية من أبناء الشعب، يزورهم في اماكن تواجدهم ولا سيما العامة منها بحيث لا تكاد منطقة أو حسينية أو مخيم أو تجمع للعراقيين الا وقد زاره اكثر من مرة وفي بلاد متعددة شاسعة في ايران وفي بعض البلدان التي يتيسر له زيارتها مثل سوريا، والسعودية، والكويت، وبريطانيا، وسويسرا، كل ذلك وفق برنامج محدد مستفيداً من الفرص السانحة.

   كما انّ سماحته رتّب لتواجده في مدينة قم المقدسة نهاية كل أسبوع برنامجاً كان من أهم أهدافه فتح الفرصة أمام اكبر عدد من الجمهور للالتقاء به لقاءً عاماً بعيداً عن التشريفات والحالة الرسمية، حيث يكتض مجلسه الاسبوعي في مدينة قم المقدسة بأبناء العراق من مختلف الطبقات والشرائح الاجتماعية مقدماً بذلك نموذج الانفتاح على الحالة الجماهيرية وهو نموذج قلماً نجد له نظيراً في الزعامات السياسية الدينية، رغم كل الأخطار التي تتهدد حياته الشريفة في مثل هذه اللقاءات العامة.

   وإلى جانب هذا البرنامج الواسع من التحرك الخاص والعام فان سماحته تميز في حركته الاجتماعية العامة والخاصة والسياسية أيضاً بأنه متابع للأمور من طراز خاص، فعنايته الخاصة بالتخطيط وتحديد المنهج في العمل اليومي فرضت أن يكون سماحته حاضر الذهن دائماً يتابع الأمور والمسائل العامة والخاصة ويتخذ أزاءها الموقف المناسب.

   وقد جرّب العاملون بخدمته نماذج كثيرة من هذا اللون من المتابعة المستمرة، فقد تمر أحياناً فترة طويلة نسبياً على قرار ما أو اتفاقية معينة دون تنفيذ من قبل أحد العاملين معه، لكنه يفاجأ بأن سماحته يسأله عن الموضوع بعد مضي كل تلك الفترة ويحثه على التنفيذ فكأن سكوته عن الموضوع كل تلك الفترة ليس نسياناً وانما هو نوع من منح الفرصة للطرف الثاني.

   وإلى جانب عدم غفلته أو نسيانه للأمور التي يتم الاتفاق عليها، فانه عند التنفيذ يتابع بدقة مراحل التنفيذ موجهاً ومشجعاً ومسدداً لخطوات العمل.

   انّ تعدد أنشطة سماحته الكمي والكيفي قد تفرض على أي شخص لوناً من التشويش والخلط بين الأمور والقضايا، وهذا ما نلحظه عند الكثيرين، لكن ما لاحظناه عن قرب عند سماحته هو الدقة في المتابعة، فللمسألة الثقافية متابعتها الخاصة وتفاصيلها الخاصة في ذهن سماحته، وللقضية السياسية أيضاً، وللقضية الاجتماعية متابعتها الخاصة كذلك.

   وكثيراً ما لاحظنا سماحته وهو في أقصى حالات الارهاق والتعب يتابع مواعيد الذهاب الى مجالس للفاتحة على روح أحد المؤمنين، أو مجلساً حسينياً مقاماً في حسينية أو مسجد أو بيت أحد المؤمنين.

   إنّ هذه المتابعة المستمرة والدقيقة هي التي تجعل جهازه الخاص يتحرك بصورة متواصلة تنسجم مع حركة سماحته الواسعة المستمرة.

 مصلحة الاسلام أولاً:

   في كل مقطع ومشروع تحرك فيه سماحة السيد المترجم، كانت مصلحة الاسلام هي العنوان الرئيسي والأول الذي يتحرك من أجله.

وقد يؤدي به ذلك ليس فقط الى التخلي عن مصلحته الشخصية، بل ولو أدى ذلك الى الحاق الضرر به أيضاً مهما كان نوع الضرر مادياً أو معنوياً.

   فانّ حرصه على مصلحة الاسلام وادراكه لضرورة صب الجهود كلها من اجل تحكيمه في الحياة الاجتماعية للأمة هو الذي دفعه ليكون من المؤسسين للحركة الاسلامية ففي العراق في أواخر الخمسينات ثم خروجه من التنظيم الاسلامي مع كل ما كلفه هذا الدخول والخروج من تضحيات.

   ويوم اشتدت الأزمة بين الامام الحكيم (رض) ونظام البعث في العراق في أواخر الستينات حيث لم يبق مع الامام الحكيم احد من كوادر الحركة الاسلامية وقيادتها، وقف الى جانب والده بالرغم من كل ما كان يشهده من أخطار وبكل ما تفرضه أجواء خلو الساحة من فرسانها من رهبة وخوف.

   وهذا هو حاله يوم وقف الى جانب الامام الشهيد الصدر (رض) في محنته وفي اعتقالاته المتكررة، ولكنه كان في كل ذلك مثال المجاهد الصامد الذي تهون عنده الاخطار في سبيل العقيدة والمبدأ.

   لقد كان يتحرك حيثما تحركت المصلحة الاسلامية فيكون دائماً في الموقع الذي تتطلبه تلك المصلحة، وهكذا كان في موضوع هجرته الى خارج العراق وقيادته للعمل المعارض ضد النظام العفلقي الحاكم في بغداد.

   وقد واجه في المهجر الكثير من ضروب الاعتداء المعنوي والمحاربة والتشويش والتشويه، وخلقت حوله اجواء وظروف صعبة للغاية تعطي لمثله المبرر الكافي للانصراف عن التصدي وتحمل مسؤولية العمل والمواجهة ضد نظام صدام، لكنه رغم كل ذلك كان يكرر دائماً ان عدونا الاول هو صدّام ولن ننصرف عن التصدي لمواجهته رغم كل الظروف، وكنت المحنة الاولى الكبيرة التي واجهته هي محنة اعتقال اخوته وأقاربه واعدام ستة عشر منهم على دفعتين، وتوالت بعدها المحن، لكنه بقي صامداً مؤكداً على أهمية التوجه نحو مواجهة نظام صدام، مؤسساً بذلك مدرسة جديدة في الساحة العراقية وهي مدرسة إنتمت إلى سيرة الأئمة والصالحين واعتمدت على الثقة بالله، وتحديد الاولويات وتشخيص الاهداف والعدو.

الدفاع عن الحق:

   وإندكاكه بمصلحة الاسلام والمصالح العامة قد نتلمسها فيما عرف عنه من شدته في الدفاع عن الحق من دونماً ان تأخذه العاطفة أو لوم اللائمين، وهذا الاندكاك في الحق هو الذي جعل منه ينظر إليه على انه عنوان الحركة ومحورها الدائم.

   لقد ربـّى المحيطين به والعاملين تحت مظلته المباشرة على الالتزام بالموضوعية والانتماء للحق.. والقريبون منه يعرفون تماماً ان قربهم من السيد لا يشفع لهم عنده عندما تزل بهم قدم أو يشتط بهم هوى ـ والعياذ بالله ـ بعيداً عن الحق، فهو عندهم التذكرة والموعظة والأسوة الحسنة والقدوة الذي يؤشر بموضوعية وبتجرد، بل وبطاقة هائلة من التحمل على مواطن الخلل في حركتهم.

   وانتماءه للحق والدفاع عنه في مقابل الغافلين او الجاهلين، او المعاندين والمغرضين جر عليه الدواهي من المؤامرات وعظائم الأمور من اساليب التسقيط ومحاولات التشهير والافتراءات والاكاذيب.

   ولكنه ازاء كل ذلك لم يتغير عن منهجه، فالحق هو الحق، والمنهج هو المنهج والمسير نحو التكامل في الحركة الفردية والاجتماعية هو السمة البارزة والمميزة في حركته على طول الخط.

 

الصبر والمثابرة والاستقامة:

   وعرف فيما عرف عنه من قبل القريبين والبعيدين قدرته الكبيرة في الصبر والاستقامة على الدرب، فقد مرت به ظروف صعبة للغاية سواء أيام الجهاد داخل العراق أو عند هجرته، فرغم قساوة الظروف وتوجه الضغوطات عليه من كل الاطراف، الا انه صبر واستقام على الطريق الذي رأى فيه تحقيق مصلحة الاسلام.

   وكانت التحولات السياسية تعصف بصبر الكثيرين وتنـزل به الهزّات فيعتزل البعض وينصرف آخرون عن ساحة المواجهة، لكنه في كل تلك الظروف القاسية لم يكن فقط مثالاً للصبر والاستقامة، بل كان ملجأ يتوجه اليه العاملون فيفيض عليهم من تجربته وروحه ما يدفعهم الى الاستمرار بالعمل في خط المواجهة ضد النظام العفلقي الحاكم في بغداد.

لقد شهدت تجارب السنوات الثمانية عشر الماضية الكثير الكثير من الأمثلة والنماذج على صبره واستقامته..

   فقد مارس الاعداء ضده أقسى حالات الحرب النفسية والمعنوية، فقد أقدم النظام على قتل اخوانه وأولادهم وأقاربه أيضاً من اجل التأثير عليه لينصرف، كما انصرف غيره لمجرد خوفه من تعرض أهله وذويه للخطر، لكنه مع كل ذلك بقي صامداً وأعلن على الملا انه سيبقى على خط المواجهة مهما كلف الثمن.

   وقد كانت صرخته (هيهات منا الذلة) التي رددها بعد استشهاد العشرة من أخوته وأقاربه عام 1985م درساً مهماً تلقاه العراقيون وغيرهم بالأعجاب والتقدير.


 

 

 

الفصل الرابع ـ مواقف وأدوا ر

   ·    موقفه من الولاية والجمهورية الاسلامية

   ·    دور سماحته في تأسيس فيلق بدر

   ·    موقفه من انتفاضة 15 شعبان المجيدة

   ·    دور سماحته في تأسيس وتطوير المقاومة الاسلامية

   ·    دور سماحته في حركة التوابين


 

موقف سماحته من الولاية والجمهورية الاسلامية

   طرح سماحته منذ بداية تصديه للعمل السياسي تقريباً أن تكون المرجعية الدينية هي الاطار العام الصالح للعمل السياسي والاجتماعي وقد عمل بالفعل مع أستاذه الامام الشهيد الصدر (رض) في هذا الاطار سواء في ظل المرجعية الدينية العامة للامام الحكيم (رض) أو في ظل المرجعيات الدينية الأخرى بعد وفاة والده الامام الحكيم.

   وقد أصبح هذا التحرك السياسي في هذا الأطار أكثر وضوحاً بعد أن توصل الامام الشهيد الصدر الى تبنيّ مبدأ الولاية العامة للفقيه، هذا المبدأ الذي جسدته الثورة الاسلامية في ايران من خلال قيام الولي الفقيه باقامة الدولة الاسلامية، وقد تبنى سماحة آية الله السيد الحكيم العمل على بناء تيار سياسي واضح في اطروحته، ومقوماته الاساسية العملية والاسلامية ومنهج أهل البيت (ع)، ورموزه وموارده الثقافية، وجماهيريته بعد أستشهاد الشهيد الصدر (رض)، وذلك من خلال القيام بعمل ثقافي واسع وتعبئة سياسية وجهادية جماهيرية، وايجاد المؤسسات السياسية والجهادية والاسلامية والاعلامية، والخدمية التي تتبنى خط ولاية الفقيه وقيادة العلماء والمرجعية.

   كما تمكن أن يحقق أنجازات ونجاحات كبيرة في هذا المجال، بحيث اصبح هذا التيار الاسلامي أقوى التيارات السياسية الاسلامية في الساحة العراقية بل هو أقوى التيارات السياسية على الاطلاق.

   وقد واجه من أجل ذلك الكثير من الصعوبات والعناء، وقد صاغ ذلك كلّه ـ ولأول مرة ـ ضمن صيغة نظرية اسلامية شاملة للتحرك السياسي الاسلامي مستنبطة من الكتاب الكريم وسيرة المعصومين عليهم السلام والسنة الشريفة، واستفاد في ذلك من افكار وسيرة المراجع العظام الذين عاشرهم وهم الامام الحكيم، والامام الشهيد الصدر، والامام الخميني قدس الله أسرارهم.

   وقد دوّن ذلك في عدة من مؤلفاته المنشورة وغيرها، منها: دور أهل البيت عليهم السلام في بناء الجماعة الصالحة، ونظرية الشهيد الصدر (رض) في التحرك السياسي، والنظرية الاسلامية في التحرك السياسي، والمرجعية الدينية الصالحة، والمرجعية الدينية السياسية، وغيرها.

   وقد استطاع من خلال الاستقامة على الطريق، والصبر على المكاره، والتضحية، العالية والجهود المتواصلة، والوضوح في الطرح، والدقة والشمول في تناول القضايا ان يبني خط المرجعية الدينية، وهو الخط الذي كان له دور كبير في تفعيل حركة الساحة السياسية العراقية الاسلامية في مواجهة نظام الطغيان والاستبداد الطاغوتي في بغداد.

   كما كان لحركته وافكاره آثارها في الساحات الاسلامية الأخرى.

   لقد ساهمت شخصية الامام الخميني (رض) في تقديم النموذج الصالح للولي الفقيه الجامع للشرائط الذي يجمع بين المرجعية الدينية في الفتيا والمرجعية الدينية السياسية الاجتماعية، وما تمكن من انجازه في اقامة الدولة الاسلامية وايجاد النهضة الاسلامية العامة قد ساعد في أنجاح أطروحة خط المرجعية وقيادة العلماء التي يعبر عنها عادة بخط ولاية الفقيه.

   وبعد وفاة الامام الخميني (رض) أستمر سماحته على نفس المنهج النظري والعملي في الايمان بخط الولاية وما يترتب على ذلك من آثار عملية في ساحة العمل السياسي، ومع مراعاة مواقع الخصوصية العراقية وظروف ساحة الصراع السياسي.

   وقدّم عملياً وسياسياً الصيغة الواقعية للتحرك السياسي الاقليمي المنسجم مع مبدأ الولاية العامة من ناحية والقبول داخلياً واقليمياً ودولياً، وان الولي الفقيه يتصدى عادة من الناحية العملية لقضايا المسلمين العامة تاركاً قضايا الأقليم الخصوصية بصورة عامة الى المتصدين في تلك الساحات من واجدي الشرائط، وهذا هو المنهج الذي سار عليه الامام الخميني (رض) وخلفه الصالح آية الله السيد الخامنئي في القضية العراقية، والقضايا الاخرى مع ممارسة دور النصيحة والتسديد والاشراف العام.

   وقد كان لسماحته موقف متميز تجاه الجمهورية الاسلامية فموقفه ينطلق من قاعدة كون هذه الجمهورية تمثل الكيان الاسلامي الصالح الذي يجب الدفاع عنه، وانها السند الاستراتيجي للشعب العراقي المظلوم، وكل الشعوب الاسلامية، وانها الكيان الاسلامي الوحيد الذي فتح الأبواب واسعة أمام حركة الشعب العراقي للخلاص من الطغيان، وتفاعل مع معاناته السياسية والانسانية وقدم له المساعدات وضحى من أجل هذا الشعب.

   واهتمَّ سماحته بصورة خاصة بالتنسيق الجيد بين سياسات الجمهورية الاسلامية في الشؤون الاسلامية العامة والخصوصية العراقية ومصالح الشعب العراقي الخاصة، وتمكن من خلال ذلك أن يحافظ على المستوى الجيد من العلاقة الثابتة مع الجمهورية الاسلامية من ناحية واستقلال القرار، والارادة الاسلامية في الساحة العراقية داعياً المؤمنين إلى التعامل مع الجمهورية الاسلامية على أساس هذه الخصوصيات.

   وقد مارس على الصعيد الداخلي في ايران دوراً مهماً في توثيق علاقة الجمهور الايراني بالقضية الاسلامية في العراق، وذلك من خلال حركة واسعة من القاء المحاضرات والخطابات في صلاة الجماعة والجمعة، والحضور في الاحداث ومختلف المناسبات والمقابلات واللقاءات العامة والخاصة والصحفية.

   كما قام بدور مهم في العمل على حل الكثير من مشكلات العراقيين الموجودين في الجمهورية الاسلامية، وعلى الصعيد الاقليمي مارس دور تقريب وجهات النظر بين الجمهورية الاسلامية وجيرانها من دول الخليج وغيرها، حيث كان يوضح دائماً حقيقة الموقف الاسلامي الاصيل لايران في الدفاع عن مصالح الاسلام، ومصالح شعوب المنطقة مؤكدا على نيتها الصادقة في تحسين العلاقات مع الدول العربية والاسلامية، وشعوبها، والتعاون من أجل المصالح العليا للمسلمين، كما كان يدعو مسؤولي هذه الدول الى تفهم الوضع في ايران بعيداً عن تأثير الضغوط الدولية لايجاد العداوة بين ايران وجيرانها.

   وفي أيام الحرب الظالمة التي شنها النظام الصدامي ضد الجمهورية الاسلامية، كان سماحته يحضر بين آونة وأخرى في ساحات الحرب ويصل إلى الخطوط الامامية كتعبير رمزي لإدانة العدوان الذي مارسه النظام العراقي ضد الاسلام والشعب الايراني، وللإعراب عن الاستعداد للتضحية من اجل المحافظة على الكيان الاسلامي وصد العدوان، ولرفع معنويات المقاتلين الايرانيين والعراقيين في تلك الجبهات.

   ولا يمكن في مثل هذا المختصر بيان تفاصيل كل الأعمال التي قام بها سماحته في الدفاع عن الاسلام، والكيان الاسلامي الاصيل والمحافظة على العلاقة الوطيدة بين الشعبين المسلمين العراقي والايراني وضمان الدعم والاسناد للقضية العراقية ومؤسساتها.


 

دور سماحته في تأسيس فيلق بدر

   أمن سماحته بالكفاح المسلح، وانه الطريق الوحيد الذي يمكن به مواجهة نظام العفالقة في بغداد، بعد أن تجاوز كل الحدود وارتكب كل المحرمات وصعد هجمته الوحشية ضد الوجود الاسلامي في العراق من خلال القرار بتصفية هذا الوجود، وكان تشريع قوانين الاعدام واستشهاد الامام الشهيد السيد محمد باقر الصدر (رض) وصحبه الأبرار، ثم ملاحقة ومطاردة كل الوجودات الاسلامية، من الادلة الواضحة على هذا القرار، ولذلك فانه طرح منذ البداية فكرة تنظيم المقاومة المسلحة ضد النظام وتدريب أبناء الشعب العراقي على الاعمال العسكرية داخل العراق، وايجاد التنظيم العسكري المدرب والمسلح وذلك من خلال الاستفادة من فرصة الحرب العدونية.

   وإنطلاقاً من هذا الايمان ومن الاعتقاد بأنّ أي أمة مظلومة لا يمكن أن تصل إلى حقوقها المشروعة إلاّ من خلال وجود القوة القتالية المنظمة التي تمكنها من الدفاع عن وجودها وذلك في عصر أصبحت فيه القوة والتضحية هي التي ترسم الطريق لتحقيق الأهداف، أعلن منذ بداية الثمانينات التعبئة العسكرية للعراقيين المتواجدين في ايران، وقد أنخرط فيها منذ البداية عدد من العراقيين وهو وان كان محدوداً، ولكنه كان يمثل البذرة الصالحة لوجود هذا التنظيم العسكري الذي تمكن ان يشارك في القتال مع القوات الاسلامية في الدفاع عن الكيان الاسلامي.

   وكانت تجربة فريدة وموفقة لم يسبق  لها مثيل في التأريخ، ثم تطورت الامور أكثر، ومن خلال الثقة بهذه التجربة ونجاحها ولا سيما وانها اقترنت مع تضحيات وتفاني واندفاع وشجاعة المقاتلين العراقيين الذين تمكنوا من استلام بعض الخطوط الدفاعية الامامية في جبهات القتال.

   ثم جاء تأسيس المجلس الأعلى للثورة الاسلامية في العراق عام 1982 ليشكل الغطاء السياسي لمثل هذه التجربة العسكرية ويفتح الباب للمشاركة الأوسع للجماهير العراقية وللمجاهدين العراقيين فيشارك العدد الكبير منهم وبمختلف المستويات في جبهات القتال وأصبح الجهاد والاشتراك في الجبهة معياراً مهماً واساسياً من معايير تقويم الأشخاص.

   لقد إستطاع سماحته ان يخرج التواجد العراقي في جبهات القتال ضد النظام من حالته الرمزية الى واقع حقيقي فترسخت بذلك مبادئ الشهادة وحبها، والاندفاع في القتال من أجل الحق والدين وأصبح شعار المؤمنين هو الدفاع عن الاسلام ونصرة المظلومين، والأخذ بثأر الشهيد الصدر(رض) وتحرر العراق من النظام الطاغوتي الحاكم.

   وقد تطورت هذه المجاميع فيما بعد إلى فوج ثم اصبحت لواء، ثم أصبحت فرقة، ثم أصبحت الفرقة فيلقاً مباركاً يعرفه القاصي والداني.

   وقد كان سماحته الجندي المضحي الذي واكب هذا التطور في كل خطواته ومراحله، وتحمل الآمه ومعاناته وتواجد معه في جبهات القتال وفي الانتصارات وفي المعسكرات، وفي المخيمات والاوساط الجماهيرية ومحافل الشهداء، ومواقع التعبئة، وقدم الغالي والرخيص من الوقت والمال والجهد وتهيئة الامكانات والغطاء السياسي، والمعنوي، والثقافي.

   ومنذ وقف الحرب العراقية ـ الايرانية أصبح سماحته قائداً عاماً للقوات المسلحة العراقية فبذل جل مساعيه من اجل تطوير الفيلق واعداده القتالي وتجهيزه بالاسلحة الضرورية، وقد شهد الفيلق خلال السنوات التي أعقبت انتهاء الحرب طفرات نوعية في الاداء والاعمال والعدة والعدد، بعد أن كان يتوقع له الضمور والانكفاء بسبب انتهاء الحرب وكان ذلك بتوفيق الله تعالى وصمود المجاهدين وجهود سماحته ورعاية الولاية العامة.

   لقد واجهت سماحته العديد من المشكلات والصعوبات، لكنه تعامل مع كل ذلك بروح الرعاية الابوية لكل المقاتلين، حيث يؤكد سماحته على ضرورة الاهتمام بالمحافظة على هذا الوجود المبارك، وبرفع الروح القتالية، ونبذ الاختلافات الجانبية التي تصرفنا عن عدونا الرئيس صدام ونظامه الاجرامي، كما يؤكد على ضرورة الاهتمام بكل الطاقات وعدم التفريط بها، وبقاء هذه القوة الجهادية المنظمة وقفاً للقضية الاسلامية وللعراق ولكل العراقيين، وان اختلاف القوميات والمذاهب والمستويات والظروف، واختلاف الآراء ووجهات النظر يجب ان تكون وسيلة للتعبير عن شمولية هذه القوة وقدرتها، والتي يجب ان تشيد على اساس وحدة الروح الايمانية والعقيدة السياسية الاسلامية الاصيلة والاهداف الصالحة النبيلة التي بذلت من أجلها، والجهود والتضحيات ودماء الشهداء الأبرار.

   وبمثل هذه الروح الايمانية الابوية العالية استطاع سماحته ان يحافظ على وحدة الفيلق، ويحفظه من الهزات الكبيرة التي حاولت ان تعصف به من خلال مؤامرات الأعداء كالنظام وعملائه والمنافقين وزمرتهم ومن حسد الحاسدين وكيد الكائدين، وضعف العزيمة والارادة بسبب طول المدة وشدة المحنة.

 

موقف سماحته من انتفاضة (15) من شعبان

   منذ أن أندلعت انتفاضة الخامس عشر من شعبان وفي ساعاتها الأولى أعلن سماحته حالة الطوارئ في كل التشكيلات القتالية والسياسية، وأتخذ القرار بالوقوف إلى جانب الشعب العراقي في حركته هذه والحضور في مواقع  المواجهة، وقد أصبح الجميع في حركة عمل دائبة يواصلون وهو معهم العمل الجهادي في الليل والنهار عملاً وتواصلاً مع تطورات الانتفاضة.

   فعلى الصعيد العسكري ساهم الفيلق مساهمة فعالة ومهمة في اسناد ودعم الانتفاضة ويمكن ان نقول فيها اجمالاً انه بذل كل الجهود الميسورة لديه في الدفاع عن الشعب العراقي وحركته.

   وعلى الصعيد السياسي تحرك سماحته من خلال اللقاءات مع سفراء الدول الذين تقاطروا على مكتبه، وكذلك مراسلي وكالات الانباء ووسائل الاعلام في توضيح صورة ما يجري في داخل العراق.

   وكان سماحته أول من أصدر بياناً دعا فيه العراقيين في الخارج إلى تشكيل لجان لإغاثة أبناء شعبنا في داخل العراق، وقد تأسست لجان عديدة لهذا الغرض استطاعت ان توصل مساعداتها الى أبناءشعبنا في مختلف أنحاء العراق، وكذلك ابناء شعبنا اللاجئين الى ايران، والكويت والسعودية.

   لقد كان سماحة آية الله السيد الحكيم (دام ظلّه) من القلائل الذين توقعوا قيام النظام العراقي بتفجير أزمة جديدة يحاول من خلالها أن  يغطي على فشله في الحرب العدوانية ضد الجمهورية الاسلامية، وكانت الكويت مرشحة للغزو في نظره حيث اشار الى ذلك في رسالته إلى الأمين العام للامم المتحدة قبل الغزو بأكثر من عام.

   كما كان سماحته من أوائل من أدان وشجب هذا العمل العدواني، وفي الوقت نفسه كان يرى بأنّ التدخل الأجنبي في هذا الصراع سوف يجر المنطقة والعراق الى مخاطر حقيقية.

   وقد دوّن ذلك في أحاديث عديدة، كما انه كان يتوقع على خلاف الكثيرين بان النظام سوف لا يسقط بمجرد شن الهجوم الجوي عليه وان الغرب وامريكا سوف تحافظ على النظام.

   ولكن بالرغم من ذلك كلّه كان يرى في مثل هذا العمل المفروض على المنطقة فرصة لتحرك الشعب العراقي واسناده في مواجهة النظام، وقد اتخذ سماحته وسائر الأخوة المجاهدين عدة اجراءات اساسية وسياسية وعسكرية للوقوف إلى جانب الشعب العراقي في هذه المحنة، لا مجال للحديث عنها.

   وقام بزيارتهم في مناطق تواجدهم والتقى بهم، وتحدث معهم حديث القلب الى القلب مقوياً فيهم العزيمة على المواجهة.

   وفي نفس الوقت قام سماحته بالعمل على عقد مؤتمر واسع للمعارضة العراقية، فعقد في بيروت وشارك فيه مع سائر القوى الاسلامية المساهمة في المجلس الاعلى بوفود وكلمات، وكان المؤتمر يهدف الى توفير الغطاء السياسي المناسب لحركة الشعب العراقي، كما قام في الوقت نفسه بتنسيق العمل مع القوى الكردية في شمال العراق وحثها على المساهمة في الانتفاضة لتحقيق الضغط على المناطق الوسطى والجنوبية وصولاً الى اسقاط النظام.

   كما تحرك سماحته على الصعيد الدولي طالباً من المجتمع الدولي بأن يبذل مساعيه وجهوده من أجل منع النظام الصدامي من ارتكاب المزيد من المجازر ضد أبناء شعبنا، وقد كتب رسائل وبرقيات الى رؤساء الدول والأمين العام للامم المتحدة بهذا الخصوص.

   كما كان سماحته يواصل مراقبته للاوضاع مصدراً تعليماته الى كل الاجهزة العسكرية والسياسية والاعلامية المنضوية تحت قيادته لتتحرك بالصورة التي تتناسب مع الاحداث، وقد أدان سماحته التواطؤ الامريكي مع نظام صدم في الايام الاولى للانتفاضة، حيث قدمت القوات الامريكية المساعدة للنظام وسمحت لطائراته بقصف المنتفضين في مختلف المحافظات العراقية وتزويد تلك الطائرات بالوقود.


 

دور سماحته في تأسيس وتطوير المقاومة الاسلامية

   وعلى الرغم من تمكن النظام من قمع الانتفاضة في اغلب المحافظات، وأخذ اليأس يدب في نفوس كثير من الاوساط السياسية، وفي نفوس الناس بصورة عامة، ولكنه بقي صامداً يؤكد على ضرورة استمرار المقاومة ضد النظام، وان الانتفاضة لم تفشل كما كان يقول عنها أعداء الشعب العراقي وأصحاب النفوس الضعيفة، بل ان الانتفاضة بدأت في الحقيقة، ولابد ان تستمر من خلال مرحلة الحركة الجماهيرية الواسعة وانتقالها الى الحركة القتالية المنظمة، وان النظام المجرم في العراق لا يمكن مواجهته الا بالعمل القتالي المنظم.

   وقد بدأت المقاومة الاسلامية بفضل الصمود والاصرار والتوجهات التي كان يصدرها سماحته تتطور باتجاه التوسع في الامتداد الجغرافي، وكسب المزيد من القواعد الشعبية، وتنفيذ العمليات النوعية التي اصبحت في الكثير من المواقع تهدد النظام واستقراره.

   وقد أثبتت المقاومة قدرتها على الصمود والاستمرار واصبحت هي الحقيقة الميدانية القائمة الآن على الساحة العراقية في مواجهة النظام بالرغم من كل الجهود الخبيثة والاجراءات الارهابية التي بذلها النظام في محاولاته للقضاء عليها وبالرغم من مؤامرات الاستكبار العالمي وبعض دول المنطقة.

   ان اهتمام سماحته بالمقاومة الاسلامية وتطوير عملها ينطلق من حقيقة ايمانه بالدور الحاسم الذي يمكن ان يلعبه الشعب العراقي في عملية التغيير، حيث يعتقد سماحته ان الذي ينجز العملية التغييرية في العراق هو الشعب العراقي ذاته بالاعتماد على الله سبحانه وتعالى، وعلى قدراته وطاقاته وشجاعة أبناءه.


 

تأثيره في حركة التوابين

   منذ ان شن النظام الصدامي الحرب ضد الجمهورية الاسلامية، وتدفق الاعداد الكثيرة من الاسرى العراقيين الى ايران، كان سماحته يبدي اهتماماً كبيراً بهؤلاء العراقيين المقهورين لانهم جزء من شعبنا المضطهد الذي أشترك في الحرب ضد الدولة الاسلامية بسبب التضليل او بسبب القهر والاضطهاد.

   ومن أجل ذلك فانه كان يعتقد ان الارضية مهيأة لاعداد وتأهيل هؤلاء العراقيين بالرغم من ظروف الحرب والاسر ليكونوا جنوداً للاسلام، وقد كان لجهود سماحته الاثر الكبير في تأسيس لجنة رعاية الاسرى، والتخفيف من محنتهم وتطوير أوضاعهم المعاشية والادارية، وتأسيس اللجنة الثقافية التابعة لها.

   وابتدأ سماحته منذ ذلك الحين بارسال العلماء والمثقفين الرساليين ليمارسوا دورهم التبليغي في أوساط الاسرى وتوضيح الحقائق، كما ان سماحته زار جميع معسكرات الاسرى العراقيين مرات عديدة، وكان يتحرك في أوساطهم ويتعايش معهم معرضاً نفسه لكثير من الأخطار التي قد تنجم عن قيام بعض العناصر المجرمة في أوساطهم من رجال المخابرات بممارسة الاعتداء على سماحته أو اغتياله.

   وقد استقرت هذه الحركة عن نشوء حركة ايمان واسعة واصيلة في أوساط الاسرى تطورت بالتدريج من اعلان البراءة من نظام الطاغية صدام الى المطالبة بالمشاركة في جبهات القتال، وباصرار لا نظير له في تأريخ الحروب.

   وقد واجه هذا المطلب الفريد والشريف والغريب صعوبات شديدة، حيث كان من الصعب اقناع المسؤولين في الجمهورية الاسلامية باطلاق سراح الاسرى للمشاركة في مثل هذا العمل الحساس والخطير بناء على طلبهم.

   لكن جهود سماحته الحثيثة اسفرت عن اقناع المسؤولين الايرانيين عن اطلاق العدد الكبير من الاسرى الصالحين وعلى شكل دفعات ووجبات بعد ان تمكنت جهود هؤلاء المؤمنين والتوابين ان تجسد الحقيقة بمختلف الصور والاساليب والفعاليات، وبناء على ذلك فقد شاركوا في جبهات القتال بحماس وايمان وعقيدة راسخة، ونال العشرات منهم شرف الاستشهاد دفاعاً عن الاسلام ومن أجل تحرير العراق من الطغمة الصدامية الحاكمة.

   ان تجربة التوابين المجاهدين، هي تجربة فريدة في تاريخنا المعاصر، انها فريدة في هذا التحول والعودة السريعة الى الذات والاصرار والاصالة التي تمتع بها العراقيون، وفريدة في منح الايرانيين ثقتهم بمصداقية هذا التحول، وفريدة أيضاً في طبيعة الجهود الكبرى التي بذلها سماحته من أجل ان لا يشعر الاسرى العراقيون أنهم غرباء في ايران، بل ان هناك من أبناء جلدتهم من يعتني بهم، ويجمعهم، ووفر لهم المعاملة الحسنة.

   انها قصة تحتاج الى حديث واسع وتتضمن مشاهد ومراحل ونتائج وآثار تعبر عن صفحة مجيدة في تاريخ الشعب العراقي.

   انها حركة كان يقول عنها سماحة السيد الحكيم انها حركة بدأت وسوف لن تتوقف حتى يأذن الله بالنصر على نظام الطغيان والاستبداد.

 

 

 

 

الفصل الخامس ـ بعض آ راءه السياسية

 

 

   ·    الاسلام أطار لوحدة الشعب العراقي

   ·    القيادة

   ·    حقوق الانسان

   ·    الحكم ورأي الشعب

   ·    الكفاح المسلح

   ·    الاقليات القومية والدينية

   ·    النظام الدولي القائم

   ·    القضية الكردية

   ·    المرأة

   ·    مباديء يؤمن بها


 

الاسلام اطار لوحدة الشعب العراقي

   يؤمن بان الاسلام هو الاطار الافضل الذي يمكنه ان يوحد حركة الشعب العراقي، ويضمن الحقوق الكاملة لجميع القوميات والمذاهب والاقليات، وانه يمثل هوية الشعب العراقي المسلم ويحترم الاقليات وقد حافظ على وجودها منذ الصدر الاول للاسلام وحتى اليوم.

   القيادة:

   يعتقد ان القيادة هي اختصاص الانسان الصالح الذي يكون عارفاً بالشريعة الاسلامية على مستوى الاجتهاد، ومتصفاً بالصبر والشجاعة والدراية السياسية والاجتماعية والتصدي للأنظمة الجائرة، وان يتم اختيارها بالانتخاب الطبيعي من الامة في مرحلة ما قبل الحكم وعن طريق الاقتراع في مرحلة ما بعد الحكم.

 حقوق الانسان:

   يعتقد ويؤمن بضرورة صيانة الحقوق الاساسية للانسان، كالحرية الفكرية والسياسية وحرية الرأي، والحرية الشخصية، ضمن الضوابط الاسلامية، وكذلك الدور المتوازن للفرد والدولة في الاقتصاد، وله في هذا المجال بحوث فكرية وبيانات سياسية، وجهها الى الجهات العالمية المهتمة بحقوق الانسان، وقد كان له دور خاص في تأسيس واسناد منظمات حقوق الانسان في العراق، والتحرك في مجال اللجان المختصة التابعة للامم المتحدة.

   الحكم ورأي الشعب:

   يؤمن بأن اختيار شكل الحكم وأساليبه والحاكم - الذي يجب ان يتصف بالمواصفات الخاصة من العلم والتقوى والخبرة السياسية والمواصفات الاخلاقية الحميدة - لابد ان يمر عبر راي اكثرية الشعب العراقي المسلم ومن خلال الانتخاب الحر والمباشر، وقد عبر عن ايمانه هذا بتصرفاته الكثيرة والصريحة في هذا المجال كما كتب بحثاً قيماً في هذا الموضوع.

   الكفاح المسلح:

   يعتبر آية الله السيد الحكيم (دام ظله) ان الأصل في العمل التغييري هو الحوار والعمل الثقافي والسياسي وابلاغ الرسالة بالحكمة والموعظة الحسنة، ومن خلال البلاغ وحرية الرأي والفكر، ولا يصح اللجوء الى العمل المسلح الا في حالات الدفاع عن النفس تجاه ظلم الانظمة الدكتاتورية التي تحاول ان تفرض وجودها وبقاءها بالقوة وبالاعتداء على الحقوق الاساسية للانسان ومصادرة حريات الشعب، وتمارس التصفية الجسدية للمعارضة، ولا يصح ان يطال العمل المسلح الأبرياء في هذه الحالة.

   وان المرحلة الفعلية التي يعيشها الشعب العراقي هي مرحلة المقاومة المسلحة لان النظام قد حارب الاسلام باستخدام القوة وقتل الابرياء والدعاة الى الله وشرد الآلاف من الناس ويقتل على قول كلمة الحق، ولا يسمح بالعمل السياسي والاعلامي الحر ولا يمكن مواجهته الا باسلوب المقاومة المسلحة.

 الأقليات القومية والدينية:

   يؤمن آية الله السيد الحكيم (دام ظله) بضرورة احترام الاقليات القومية والدينية وحقوقها العامة وضمان وحدة العراق وبالطرق الدستورية، ويؤمن بضرورة اعطاءها حقها في ممارسة معتقداتها الدينية، كما يؤمن بوحدة الارض العراقية، ويقف ضد أي نشاط لتجزئة أو تقسيم الارض العراقية، كما انه يدعو الى الوحدة الاسلامية بين المذاهب والطوائف الاسلامية، وهو يقف ضد كل جهد يدعو الى الطائفية السياسية أو الدينية.

   النظام الدولي القائم:

   يعتقد سماحته ان النظام الدولي يجب ان يتجه نحو توحيد الحياة الانسانية وانهاء جميع الفوارق العنصرية أو الطبقية أو ممارسة الاستغلال والهيمنة، واحترام الحقوق الاساسية للانسان والمبادئ والقوانين والمواثيق الدولية، وكذلك احترام الحقوق الدينية للأديان السماوية والبنية الاجتماعية للانسان القائمة على اساس الاسرة والحقوق المتساوية والمتبادلة بين الرجل والمرأة، وان تقوم العلاقات مع الحكومات على اساس المصالح المتبادلة والاحترام المتقابل واحترامها لحقوق الانسان تجاه شعوبها ومقدار تمثيلها لهذه الشعوب، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وضرورة معاقبة المعتدي، ومحاكمة مجرمي الحرب ومجرمي الشعوب، وأهمية حسن الجوار بين الدول والعمل على الغاء الفوارق بين الشمال والجنوب، واحترام ارادة الشعوب، ونصرة المضطهدين والمحرومين، والوقوف الى جانب حركة التحرر العالمي وقضايا المحرومين وقضايا حقوق الانسان.

 قوى المعارضة العراقية:

   يرى سماحته أهمية الانفتاح في العمل والتعاون الميداني مع جميع قوى المعارضة العراقية المخلصة الحقيقية التي تسعى للخلاص من النظام الجاثم على صدر العراق وتحترم الشعب وعقيدته، كما يرى ضرورة توحيد موقفها من القضايا الاساسية من اجل نجاح عملية التغيير.

   القضية الكردية:

   يرى ضرورة حل المشكلة الكردية في العراق حلاً سلمياً على أساس منح الحقوق المشروعة لهم في اطار الأخوة الاسلامية بين العرب والاكراد وبقية القوميات، ووحدة الارض العراقية، والمصالح الوطنية المشتركة، ويمكن أن يتم ذلك في صيغة الحكم الذاتي الحقيقي أو الفيدرالية الادارية وبقرار من الشعب العراقي عندما يملك حرية الاختيار.

   المرأة:

   يؤمن سماحته بان للمرأة دور مهم في الحياة الاجتماعية، فهي إلى جانب كونها تؤدي دورالتربية للاجيال وتنشأتهم النشأة الصالحة، فإنها أيضاً تستطيع ان تقف إلى جانب الرجل في مجمل الحركة الاجتماعية والسياسية وفق الضوابط والأصول التي حددها الإسلام لحركتها على هذا الصعيد.

 


 

مباديء يؤمن بها:

   ·   يؤمن بوجود دور متمز يمكن أن يقوم به علماء الدين في الأمة سواء على مستوى التصدي السياسي أو التوعية والتعبئة السياسية والثقافية.

   ·   يؤمن بالعمل المنظم وأهميته في توظيف طاقات الأمة وتحقيق مصالحها والوصول بها الى حقوقها المشروعة ولا سيما في مجال المقاومة المسلحة، ويرى ضرورة أن يكون العمل المنظم في خدمة قضايا الشعب العامة، وأن يكون التنظيم بعيداً عن التحزب والفئوية، بحيث يكون حمل هم قضية الشعب العراقي هو محور العمل السياسي، ويكون العمل المنظم هو المؤسسة التعبوية للجماهير والنواة الصلبة في حركتها.

   ·   يؤمن بالعمل الجماهيري والقوة الهائلة التي يملكها الشعب في المواجهة وأهمية التحرك من خلال طرح المشاكل الفعلية الهامة التي يعاني منها الشعب والانطلاق منها إلى بقية التفاصيل.

 

 

 

محمد هادي

27 - 6 - 1378

20 جمادى الثاني 1420 هـ

18 - 9 - 1999م



(1) في البيان التأبيني الذي أصدره الامام الخميني (رض) عام 1985 بعد إقدام نظام صدام على قتل الشهداء العشرة من آل الحكيم (رض) وصفه بأنه (الابن الشجاع للإسلام).

 

(2) السيد محسن الطباطبائي الحكيم (1306 هـ – 1390 هـ) ولد في النجف الاشرف في غرة شوال (1306هـ) توفي والده وهو في السنة السادسة من عمره الشريف.. أصبح المرجع الاعلى في العراق بعد وفاة السيد أبو الحسن الاصفهاني عام 1365هـ. وأصبح المرجع الاعلى للشيعة في العالم بعد وفاة السيد البروجردي في ايران في أوائل الستينات الميلادية.. خلف بعد وفاته عشرة من الأبناء كلهم علماء، وهم حسب تسلسل الاعمار أية الله السيد يوسف الحكيم (قده) وحجة الاسلام والمسلمين السيد محمد رضا الحكيم (معتقل من قبل نظام صدام منذ سنة 1991 ولحد الآن لا يعرف مصيره)، حجة الاسلام والمسلمين الشهيد السيد مهدي الحكيم (قده)، حجة الاسلام والمسلمين السيد كاظم الحكيم (قده)، آية الله السيد محمد باقر الحكيم، آية الله الشهيد السيد عبد الصاحب الحكيم (قده)، حجة الاسلام والمسلمين الدكتور الشهيد السيد عبد الهادي الحكيم (قده)، حجة الاسلام والمسلمين الشهيد السيد علاء الدين الحكيم (قده)، حجة الاسلام والمسلمين الشهيد السيد محمد حسين الحكيم (قده)، وحجة الاسلام السيد عبد العزيز الحكيم.

 

(3) طلبت أجهزة النظام من كبار العائلة وعلمائها الحضور والمشاركة في المؤتمر الشعبي الذي عقده النظام في بغداد أوائل الثمانينات في أيام الحرب الظالمة التي شنها صدام ضد ايران، لكنهم رفضوا ذلك وأصروا على الرفض على الرغم من تهديدهم بالإعتقال، فنفذ النظام تهديده وأرتكب جريمته.

 

(4) وهم الشهداء: آية الله السيد عبد الصاحب الحكيم، حجة الاسلام والمسلمين الدكتور السيد عبد الهادي الحكيم، وحجة الاسلام  والمسلمين السيد علاء الدين الحكيم، وحجة الاسلام والمسلمين السيد محمد حسين الحكيم، والأربعة هم من أبناء الامام الحكيم، حجة الاسلام والمسلمين السيد كمال الدين الحكيم، وحجة الاسلام والمسلمين السيد عبد الوهاب الحكيم، وهم أنجال آية الله العظمى السيد يوسف الحكيم، وحجة الاسلام والمسلمين السيد محمد رضا الحكيم، وحجة الاسلام والمسلمين السيد عبد الصاحب الحكيم، وهم أنجال آية الله السيد محمد حسين السيد سعيد الحكيم (قده) والسيد أحمد الحكيم نجل حجة الاسلام والمسلمين السيد محمد رضا نجل الامام الحكيم، آية الله السيد مجيد الحكيم نجل آية الله السيد محمود الحكيم (قده) شقيق الامام الحكيم (قده)، السيد حسن الحكيم والسيد حسين الحكيم وهما ابني الدكتور الشهيد السيد عبد الهادي الحكيم.. الشهيد السيد ضياء الدين والشهيد السيد بهاء الدين نجلي الشهيد السيد كمال الدين الحكيم، السيد محمد علي السيد جواد بن السيد محمود الحكيم (قده) والشهيد السيد محمد نجل آية الله السيد محمد حسين الحكيم (قده)، واستشهد منهم آخرون قبل وبعد ذلك، منهم السيد حسن نجل آية الله السيد محمد علي الحكيم والمهندس السيد عبد الأمير نجل آية الله السيد حسن الحكيم، والسيد مهدي الحكيم نجل آية الله اليسد باقر الحكيم وزوجته وولده والسيد حسين الحكيم نجل آية الله السيد حسن الحكيم والسيد غياث الحكيم.

 

(5) وهم ثمانية عشر شخصاً من العلماء والمؤمنين والمدنيين، منهم السيد محمد رضا نجل الامام الحكيم، الذي اعتقل مع مجموعة من كبار علماء النجف الأشرف بعد الانتفاضة الشعبانية في آذار 1991م.

 

(6) روى أحد العلماء انّ أحد المتصدين في النجف لتوزيع عائدات وقف (أودة) في الهند، طلب من المرحوم السيد يوسف الحكيم وهو في أوان الشباب، أن يبلغ والده بوجود حصة له في الوقف (مخصصات) فإذا كان يرغب بذلك فليأخذها ونقل المرحوم السيد يوسف لوالده ما أخبره به المتصدي، فرفض الامام الحكيم استلام الحصة، ولما التقيا بعد فترة سأل المتصدي السيد يوسف عن الجواب، فقال ان السيد يرفض استلام الحصة فقال المتصدي (يبدو ان وضع الوالد جيد...) فقال كلا... لقد كان عشاءنا ليلة البارحة خبزاً وماء، ولكنه الأباء.

 

(7) جاء في نص الشهادة (بسم الله الرحمن الرحيم: ان قرة العين العلامة السيد باقر السيد محسن الحكيم قد حضر دروس المجتهدين الاعلام في النجف حضور تفهم وتدبر وتعمق حتى وصل إلى درجة الاجتهاد في الفقه وأصوله وعلوم القرآن وباشر التدريس في بعض مدارس النجف الأشرف بجدارة وله بحوث تشهد بذلك، وبناء عليه فقد أجزناه أن يدّرس علوم القرآن والفقه وأصوله في المعاهد العالية.

   14/9/1384هـ مرتضى آل ياسين.

 

(8) لمعرفة تفاصيل التأسيس يراجع كتاب (مذكرات العلامة الشهيد السيد مهدي الحكيم حول التحرك الاسلامي في العراق).

 

(9) وكذلك آخرين أمثال العلامة السيد محمد بحر العلوم، والعلامة الشيخ محمد جعفر شمس الدين، والعلامة الشيخ محمد مهدي الآصفي وغيرهم. ولكن السيد المترجم كان متمحضاً في الخصوصية الحوزوية مضافاً الى أخيه السيد محمد مهدي الحكيم.

 

(10) غادر العلامة السيد مرتضى العسكري العراق عام 1969، بعد المواجهة التي قادها الامام الحكيم (رض) ضد نظام العفالقة في بغداد.

 

(11) اغتيل في السودان من قبل مخابرات النظام العراقي في 17/1/1988.

 

(12) يعيش حالياً مغترباً في العاصمة البريطانية لندن.

 

(13) يعيش حالياً في العاصمة الايرانية طهران.

 

(14) رئيس المجلس الاسلامي الاعلى في لبنان وقد توفي رحمه الله في عام 2000م وشيع تشييعاً فخماً في لبنان ودفن في بيروت.

 

(15) انظر نصها في الملاحق المصورة، كما منحه الامام الخميني (رض) وكالة مطلقة ايضاً استناداً على وكالة الامام الحكيم (رض) له مؤرخة في 16 محرم الحرام 1409هـ، وكان قبلها قد منحه وكالة التصدي للامور الحسبية مؤرخة في ذي الحجة 1405هـ. اما الشهيد الصدر (رض) فقد منحه وكالة مطلقة مهمة حين امر وكلاءه بايصال ما يجتمع لديهم من الحقوق الى السيد المترجم له.

 

(16) كان عسكرياً متقاعداً وصديقاً للبكر، ولكنه كان يشعر بالظلم الذي ترتكبه حكومة البعث ضد الشيعة والشعائر الحسينية، ولذا تم تنحيته وتعيين المجرم (علي وتوت) مكانه لمدة قصيرة ثم تعيين شبيب المالكي.

 

(17) حيث اتصل به المرحوم السيد مصطفى جمال الدين هاتفياً واخبره بان المحافظ يطب منه الاجتماع في بيته أي في بيت السيد جمال الدين الذي لم يكن يعلم بالمؤامرة المدبرة من قبل المحافظ ومدير الامن، فوافق السيد المترجم وذهب الى بيت السيد مصطفى جمال الدين الذي كان يقع في حث من أحياء النجف، وبعد الاجتماع الذي تمت فيه مناقشة احداث االانتفاضة وعند خروج السيد من المنزل طلب منه الصعود في سيارة الأمن وتم نقله فوراً إلى بغداد.

 

(18) اكد النظام الداخلي للمجلس الاعلى على سرية الاعضاء في تلك المرحلة ولذلك فقد احتلت الناطقية اهمية خاصة لانها تمثل واجهة العمل فلم يكن افضل من سماحته في أعطاء تلك الواجهة بعدها المهم.

 

(19) كان الحسن بن طلال ولسنوات طويلة ولياً للعهد في الاردن قبل ان يعزله الملك حسين في عام 1999، ويعين بدلاً عنه ولده عبد الله الثاني ابن الحسين والذي أصبح بعد وفاة الملك حسين ملكاً للأردن.

 

(20) نحتفظ بالارقام والأسماء لأسباب أمنية تعلق بالآخرين.

 

(21) وهم الشهداء الخمسة: الشيخ عارف البصري، السيد عز الدين القبانجي، السيد عماد الدين الطباطبائي، السيد حسين جلوخان، السيد نوري طعمة.

 

(22) يعتبر هذا المعسكر من اكبر معسكرات الأسرى، حيث كان يضم في بعض الاحيان اكثر رمن ثمانية آلاف أسير، وقد أقيمت فيه مراسيم صلاة الشكر ظهراً بحضور خمسة عشر ألف أسير وشهدها المراسلون المحليّون والأجانب وصورت هذه الصلاة تلفزيونياً.

 

(23) ذكر أحد مرافقيه من حرسه الخاص انه لا يجد فرصة للحديث مع سماحته أثناء السفر بالسيارة لأنه دائماً مشغول اما بقراءة الدعاء أو القرآن أو التسبيح أو الكتابة.

 

(24) مثل كتاب القصص القرآني الذي أصبح منهجاً للتدريس في الجامعة الدولية للعلوم الاسلامية.