كلمة سماحة الشيخ عبد الأمير الجمري في موسم عاشوراء الثاني - كرزكان

31-3-2002م

 

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمدٍ وآله الطاهرين، وأصحابه المنتجبين، والتابعين بإحسان إلى يوم الدين. وبعدُ:فثورة الإمام الحسين(ع)، أحيت الإسلام، وأحيت مفهوم انتصار الحق على الباطل حتى لو كان الباطل مسيطراً بالقوَّة والحديد والنار.......

الإمام الحسين(ع) هو من أوضح بأنَّ الدين قد يتحوَّل إلى وسيلة للعيش الذليل بدلاً من العيش الكريم الذي طالب به القرآن الكريم، فهو(ع) الذي قال:{ الناسُ عبيد هذه الدنيا والدين لعقٌ على ألسنتهم يحوطونه ما درَّت معايشهم فإذا مُحِّصوا بالبلاء قلَّ الديانون.....}. وهو(ع) يعلن ثورته على من أراد استغلال الدين من أجل الدنيا، وهو(ع) أنقد الدين من قبضة الباطل وأهله. وهو(ع) ثار ضدَّ من يُكرِّر بأنَّ من لديه القوَّة المادية فإنَّ الحق معه. لقد ذهب يزيد ملعوناً مذموماً مدحوراً وبقي الحسين(ع) وذكر الحسين(ع) يلاحق يزيد وأعوان يزيد.

لقد استطاع أبو الشهداء(ع) الوقوف أمام الباطل، ووقف معه ثُـلَّة من المؤمنين الصادقين الذين فدوه بالغالي والنفيس، وهم الذين فضَّلوا الموت معه على الحياة مع الظالمين، وهم الذين سمعوا كلامه وهو يُردِّد:{ ألا ترون إلى الحقِّ لا يُعملُ به وإلى الباطل لا يُتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء ربِّه مُحقَّاً، وإنّي لا أرى الموت إلا سعادةً والحياة مع الظالمين إلا بَرْماً}. إنَّ دعوى أنَّ الحق مع القوَّة استمراراً وانتصاراً دعوى باطلة، وهذا تفكير أهل الباطل والجبهات المناوئة للحق كيزيد ومن لفَّ لفَّه، أجل- ها نحن نرى اليوم من يُكرِّر كلام يزيد، ويعتقد أنَّ القوَّة هي مصدر الحق، وهو غير صحيح. ها هي الدولة الإرهابية اللقيطة إسرائيل الغاصبة تمارس ما كان يمارسه يزيد من ظلمٍ وقسوة، ويقف مع هذه الدولة الغاصبة الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن إسرائيل وأمريكا لا يستطيعان دحر الحق، فقط لأنّ لديهم القوَّة المادية، فالحق يعلو ولا يُعلى عليه، والحق منتصر،{فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأرْضِ} (الرعد: 17).

لقد أثبت أهل فلسطين عملياً بأنَّ الحق ينتصر على الباطل حتى لو لم يمتلك الحق الأسلحة الفتاكة. وها نحن نرى القوات المحتلَّة تقتل شعبنا في فلسطين وتذبح الأطفال والكبار، وتُدنِّس المقدَّسات ووو ولكن دماء المظلومين في فلسطين هي التي ستنتصر كما انتصر الدم الحسيني على يزيد بن معاوية، ونسف كلِّ طروحاته، وأبطل جميع مكائده. ولننتقل إلى بيان:

الموقف من القضية الفلسطينية:

طبعاً الكل يعلم أنَّ القمَّة العربية انعقدت في بيروت وكانت النتيجة أنَّها صادقت على المبادرة السعودية التي تنصّ على التطبيع الكامل مع العدو الصهيوني في مقابل الإنسحاب عن الأراضي التي احتلَّتها إسرائيل عام 1967م، أما قضية اللاجئين فقد وضعوا بنداً ينصّ على التخيير بين العودة والتعويض. ودون الدخول في التفاصيل نقف عند النقاط المهمَّة الآتية:

  1. قناعتنا أنَّ العدو الصهيوني لا يفهم لغة المبادرات كما فعل مع كلّ المبادرات أو التنازلات في كامب ديفيد،  وأوسلو، ومدريد.. ولذلك كان ردّه الأوَّلي على المبادرة السعودية الرفض، ثم الهجوم واجتياح رام الله وجنين، لماذا ؟ لأنَّه يريد أن يفاوض: أولاً: من موقع القوي الذي يملي شروطه في المفاوضات. ثانياً: هو الذي يُحدِّد ساعة المفاوضات، وحجم المفاوضات، وكيف تتم المفاوضات.  القناعة الأولى التي أقولها: إنَّ هذا العدو كيان لقيط يقوم على الإجرام والقتل ولا يفهم لغة السلام والمبادرات.
  2. إنَّ العرب حين قدًَّموا المبادرة كان قصدهم أن يُظهِروا أنَّهم أصحاب سلام، وأنَّ إسرائيل هي التي لا تريد ذلك، ولكن غاب عنهم عدَّة أمور: الأوَّل من هذه الأمور: أنَّ السلام لا يعني الإستسلام أو التنازل عن الحقوق، الآن لدينا على الأقل قرارات الأمم المتحدة وإن كانت بلا تطبيق، لكنَّها تمثِّل الشرعية الدولية، فإذا جئنا بقرارات أو مبادرات جديدة فإنَّها ستُفرِّغ تلك التي صدرت من الأمم المتحدة، والعالم سيقول لقد تفاهمتم على قرارات بينكم. الثاني: صحيح أنَّ الإنتفاضة بحاجة لغطاء سياسي يحميها ولكن هذا الغطاء ينبغي أن يكون قوياً منطقياً عقلائياً لا يُقدِّم التنازل، والمشكلة أنَّ العرب قرَّروا المبادرة ولكنَّهم لما يُقرِّروا ماذا سيفعلون لو أنَّ العدو رفض ذلك، وبالتالي يظهر العرب على أنَّهم لا يملكون إلا هذا الخيار.
  3. القناعة المتوفِّرة عندنا هي أنَّه ينبغي أن يكون الخيار الأوَّل هو دعم الإنتفاضة، فلا يمكن أن تفاوض وأنت ضعيف. للأسف أنَّ الجميع يتحرَّك ويفكِّر فقط في المبادرات ولا يُفكِّر في الخيارات، هناك خيارات كثيرة عند الشعوب والأنظمة، أجل-هناك خيارات سياسية، واقتصادية. وأُو أكِّد بأنَّنا لا نتحدَّث بانفعال، ولا بارتجال، ولكن برؤية وتفكير نقول: لدينا خيارات منها:

وهنا أقول: على الشعوب العربية والإسلامية أن تقاطع البضائع الأمريكية كما أفتى فقهاء الأمَّة، وعلى الشعوب العربية والإسلامية يتحتَّم دعم الإنتفاضة، ودعم الإنتفاضة يكون دعماً مالياً وإعلامياً وسياسياً.

أنا لا أتصوَّر أنَّ الإنتفاضة تحتاج إلى الجيوش العربية الآن، لكنَّها تحتاج لقرارات القادة السياسية والإقتصادية والإعلامية، القرارات التي لا تعرف الخجل ولا التباطؤ ولا الضعف أبداً. إننا نريد من الحكومات والشعوب وقفة جادَّة، ولنقف الآن وقفة إكبار وإجلال للمجاهدين والصامدين ، ولنُحيّي الأبطال ولنقرأ الفاتحة لشهداء الأمَّة، تسبقها الصلوات على محمد وآل محمد.