الزمان : ليلة 13 رجب 1422هـ ( 30 / 9 / 2001م )
المكان : الحسينية الإثني عشرية ( بني جمرة )
أبارك لكم هذه الليلة العظيمة ، وأعيش معكم الفرحة والمسرة بهذا الحدث الذي لابد أن ينشرح له صدر كل مؤمن ومؤمنة , أنا احمد الله عز وجل الذي وفقني للمثول بين أيديكم ، رغم أني في هذه الأيام افتقد الصحة ولكن لابد من المشاركة قدر الإمكان .قال سيدنا أمير المؤمنين صلوات الله عليه مخاطبا لكميل بن زياد الذي كان أحد ضحايا الطاغية الحجاج بن يوسف الثقفي , قال "يا كميل إنّ هذه القلوب أوعية وخيرها أوعاها ". في هذه الكلمة الذهبية يشيد الإمام صلوات الله عليه كما هو واضح بوعي الأمّة، ويطلب من هذه الأمّة أن تكون واعية ، تتعامل مع الأحداث ومع القضايا والشئون العامة بوعي ورشد , ولاشك أن الإشادة بالوعي يستلزم أن ينعى على الأمّة ِغياب الوعي .نحن الآن نحتفل بهذه الذكرى فيجب أن نأخذ من الذكرى ما يفيدنا ونستلهم منها ما يقوّمنا . يقال : بِِِِِِِِأن الشيعة أكثر الناس ارتباطاً بالتاريخ يحتفلون بعاشوراء ، يحتفلون بمواليد أئمّتهم، يحتفلون بمناسبات شهاداتهم ووفيَّاتهم. ونحن نسأل: هل هذا الاحتفال أو هذا الإرتباط بالتاريخ الذي يُقال بأن الشيعة أكثر ارتباطاً به هل هذا الإرتباط ارتباط تقليدي؟ أم ارتباط صحيح؟ إذا كان هذا الإرتباط على مستوى سرد حكاية ونقل وذكر أحداث وقعت ولاشيء وراء ذلك فهذا إرتباط تقليدي . وإذا كان هذا الإرتباط على مستوى ذكر الحدث والاستلهام من الحدث واقتباس العبر والدروس والمعطيات من الحدث فهذا الإرتباط إرتباط صحيح ومقدَّس . .نحن الآن نعيش ذكرى وليد الكعبة أبي الحسن صلوات الله عليه , فإذاً لِنعشْ بعض الأبعاد وبعض ما أحاط به وما ابتُليَ به هذا الإمام (ع) . الإمام علي صلوات الله عليه ابتُليَ بجماعات ثلاث ، وقفت في وجهه هذه الجماعات وهي:
هذا الشعار {قميص عثمان} لعب بالكثير من العقول , شعار انجذب إليه الكثيرون لأن عثمان أمير المؤمنين معروفٌ بأنه أمير المؤمنين ، بأنه الخليفة الثالث ، ويمتلك ذلك الرصيد , والشعار يرفعه طلحة وله وجوده والزبير وله وجوده وذات الرصيد الكبير من القدسية ولها وجودها الكبير في الحياة الإسلامية والذهنية الإسلامية ، وهنا لعب الشعار لعبته ،لأن وعي الأمة ما كان حاضراً بالدرجة المطلوبة , هذه وقفة أو هذا مثال . مثال آخر أو وقفة أخرى: ابتُليَ (ع) بشعار آخر وهو شعار:{ رفع المصاحف والدَّعوة إلى تحكيم القرآن} ،وقد رفعه {القاسطون} ، وهذا الشعار كان أخّاذاً وكان برّاقاً وكان جذّاباً ، استطاع أن يستبدَّ بالعقول ويتغلغل حتى إلى الصفوف الطيبة المجاهدة والمخُلصة ِلأمير المؤمنين (ع) ، هذا الشعار الذي تمثل في
{رفع المصاحف والدعوة إلى تحكيم القرآن} ياله من شعار , شعار يتغلغل في قلوب الناس ، في أفئدة الناس ، وهنا ماذا قال الناس؟ قال الناس: يا أمير المؤمنين هذا كتاب الله يُرفع ، وهؤلاء قوم يدعون إلى تحكيم كتاب الله، كيف نُقاتل قوماً يُطالبون بتحكيم القرآن!! أرأيت هذا الشعار وكيف؟ فعل وكيف بهدل؟ وكيف أدهش؟ وكيف استعبد الناس؟ وكيف أخذ بقلوبهم؟!وما كان ليمكن لهذا الشعار أن ينفُذ هذا النفوذ ويفعل هذا الفعل لو كان الوعي
-وعي الأمة- بالمستوى المطلوب ، ولكن دائماً وأبداً الشعارات تلعب لعبتها في ظل غياب وعي الأمة . وحدث ما حدث , اضطُرَّ أمير المؤمنين (ع) إلى قبول التحكيم وكان كارهاًً له، وكانت النتيجة السوداء التي حققها الحكمان: أنَّ عمر بن العاص المجرم الخائن للإسلام الخائن للامة وأبا موسى الأشعري الذي لا يمتلك الوعي ولا يمتلك الرشد، المستغفل الغافل الناقص العقل ,هذا الذي اضطر أمير المؤمنين (ع) إلى أن يقبله حكماً، في حين أراد أن يكون الحَكَمُ غيرَه ولكن أصرّوا عليه ، وماذا كانت النتيجة؟ كانت النتيجة أن يُخلع عليٌ (ع) ويُثبَّت معاوية , كانت هذه لعبة الشعارات في ظل غياب الرشد وغياب وعي الأمة .
{لا حكم إلا لله}:وجاء الشعار الثالث :الذي ابتُليَ به أمير المؤمنين(ع) , الشعار الثالث ماذا كان؟ كان شعاراً كبيراً ، شعاراً برّاقاً ،شعاراً أخّاذاً ،لا يسع أيَّ مسلم أن يقول له لا , أرفض هذا الشعار!، أو يقول عنه:هذا كاذب، هذا باطل، هو شعار عظيم جداً، ألا وهو شعار {لا حكم إلا لله} ، أي مسلم بوسعه أن يقول لا , الحكم للمخلوق، الحكم للبشر، من ذا يستطيع هذا , الخوارج الذين مرقوا من الدين قالوا (( لا حكم إلا لله ))، رفعوا هذا الشعار ،وكانت النتيجة أن يضطر أمير المؤمنين (ع) أن يمتشق الحسام ويُحكِّمَ السيف لما رفضوا الحجة، ورفضوا البرهان، وبعد أن حاجّهم وأقام الدليل، وقدَّم الأرقام على بطلان موقفهم، وعلى فساد دعوتهم، اضطُرَّ (ع)أن يبيدهم عن الخضراء ،ولم ينجُ منهم إلا تسعة، أبادهم كاملاً ،ماعدا تسعة نفر نجوا منهم , ما كان هذا الشعار ِلينجح، وما كانت هذه الدِماء لِتُراق ،وما كانت هذه النُّفُوس لِتُزهق، سواءَ شِعار "قميص عثمان"، أو شعار "رفع المصاحف"، أو شعار "لا حكم إلا لله"، ما كانت لِتنجح لو كان وعي الأمّة بالمستوى المطلوب،ولكن نجحت الشعارات في ظل غياب هذا الوعي, لذلك يقول أمير المؤمنين(ع):{يا كميل إن هذه القلوب أوعية وخيرها أوعاها }، ماذا يريد الإمام(ع) منَّا بهذا التعليم؟ يريد منا أن نكون دائماً حاضرين ، أن نكون دائماً منتبهين ملتفتين واعين، لا يُلعب بعقولنا، لا يُؤتى إلينا بدعايات مبطّنه وأقوال فارغة ونتبع ونؤمن ونتفاعل ,لا بد أن نكون أكبر من ذلك ، لابد أن نكون واعين. الآن ماذا يدور حولنا؟ الآن أمريكا ترفع شعاراً كبيراً أخَّاذاً جذَّاباً ،أمريكا ترفع شعار {عدالة بلا حدود} ! هذا الشعار ترفعه أمريكا من ذا يكره العدالة ؟ من ذا لا يريد العدالة؟ ولكن عند من العدالة؟ علينا أن ننتبَّه عند من؟ من يرفعها؟ من يطبِّقُها؟ يطبِّقها العدل لا أمريكا، التي هي أم الجور وأبو الجور وأم الظلم ومنطلق الإجرام ,ترفع شعار{عدالة بلا حدود}! وتنادي أمريكا بأنها ستواجه أو ستقتص من الإرهاب !!!.
آمنّا , من ذا يحب الإرهاب ليس فينا هنا ولا غير هنا، وليس هناك مسلم ولا غير مسلم يحب الإرهاب إطلاقاً ,الكل ينبذ الإرهاب ،الكل يكره الإرهاب, الإرهاب مدمِّر، الإرهاب فناء، الإرهاب انسحاق , ولكن من الذي يشخِّص الإرهاب، من الذي يشخِّص الإرهابيين، من يعلمنا من هم الإرهابيون؟ هل يعلمنا بالإرهابيين أو يحدِّد الإرهابيين؟ المخابرات الأمريكية , البيت الأسود الذي يسمَّى كذبا الأبيض , من يحدِّد الإرهاب والإرهابيين، وإذا كانت أمريكا تريد مواجهة الإرهاب حقاً فإن رأس الإرهاب إسرائيل , عليها أن تقتطع إسرائيل من الوجود وينتهي كلُّ شيء , ليس هناك إرهاب يتمثَّل في فئة، ولا جماعة، ولا دولة، غير إسرائيل , فإسرائيل هي الإرهاب، فإذا كانت أمريكا محقَّة، وصادقةً،فعليها أن تُنهي وجودَ إسرائيل , أمّا أن تنادي بمواجهة الإرهاب وهي عين الإرهاب فهذا يجب أن يُرفض , ثم من الحاكم ،من الذي يحكم على الإرهابيين، إذا شُخِّص الإرهابيون؟ أمريكا ! يؤتى للحكم بإنسان غير إرهابي حتى يحكم. لا يُفهم من كلامي هذا أننا مع الإرهاب أبداً، أو نؤيد الإرهاب، إننا نرفض الإرهاب من ألفِهِ إلى يائِه، وما حدث في أمريكا نحن نرفضه ونعتبره إجراماً, التفجيرات، الإعتداء على الآمنين، الإعتداء على الأبرياء ،هذا شيء نرفضه، ولكن يجب أن يُشخِّص الإرهابي. ثم كيف يكون العقاب؟ نحن نطالب بالدليل أولاً قبل العقاب، أين الدليل , ادعت أمريكا قبل يومين أو ثلاثة أيام بأنها ستقدِّم الأدلة على تورُّط "بن لادن" في هذه التفجيرات .
آمنّا , فلتُقدِّمها أمريكا، فلتُقدِّم الأدلة وليكن الحكم والتحكيم والمحاسبة عن طريق الأمم المتحدة لا عن طريق أمريكا. عموماً هذه مشاكل تحيط بالأمة ويجب على الأمة أن تَعِيها، وأن يكون موقف الأمة بما يناسب، وبما يجب، لا أن تقرَّ أي شيء بل أيَّ شيء تتمكن الأمة من فعله نصرةً للإسلام والمسلمين ودفعاً للإجرام والمجرمين والكذب والكذّابين فإنها مطلوبة به ولا يجوز لها إطلاقاً أن تتسامح أبسط تسامح فيه.
والحمد لله رب العالمين .أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.