كلمة سماحة الشيخ عبد الأمير الجمري في الإحتفال المشترك بمناسبة عيد الغدير لقرى- الديه-جدحفص-السنابس-كرباباد-ليلة الإثنين 18ذي الحجة 1422هـ / 3-3-2002م وذلك في مأتم كرباباد تحت عنوان:
{ نهج البلاغة منهاج عمل}
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمدٍ وآله المنتجبين والتابعين بإحسان إلى يوم الدين.
أيها الأحبَّة: لا أدري بأي قياسٍ أقيسُ غبطتي وفرحتي بلقائكم والمثول أمامكم متحدثاً بهذه المناسبة الكبرى مناسبة الغدير الأغر. ولا أدري بأي لسانٍ أشكركم على تفعيل ما وُفِّقتُ للدعوة إليه من المركزية في الإحتفالات لتجميع الطاقات، وتحقيق الحضور المطلوب والفاعل، ونحن في الحقيقة ليس لنا بدونكم أيُّ أثر، وما أنا والأخوة الفاعلون في الساحة جزاهم الله خيراً إلا صدىً وظلاًّ لكم.
الحديث عن مناسبة الغدير-أيها الأحبَّة: إخوةً وأخواتٍ، وأبناءً وبنات- هو حديث ذو شجون،وفيه من الألم بقدر ما فيه من الفرح، لكنِّي اليوم أريد أن أُركِّز حديثي عن قضية أعتبرُها الآن مهمَّة ومُلحَّة، ونحن وجيل الشباب في أمس الحاجة لها في هذه الوقت.
هذه القضية هي :{موقع نهج البلاغة في حياتنا}.
أُذكِّرُكم- أيها الأحبَّة- أنِّي تحدثتُ عن هذا الموضوع في العام الماضي وأشرتُ إليه في حديثي يوم الجمعة الفائت،ولكني أعيد التركيز عليه لإحساسي بأهميته. فلماذا هذا التباعد عن نهج البلاغة؟ هذا سؤال أطرحه. والجواب: هناك أسباب سأتطرَّق إلى ذكر اثنين منها باختصار شديد هما:
أولاً:الفهم الخاطئ لنهج البلاغة:
فالكثير يفهم أنَّ هذا السِفر هو عبارة عن كتاب بلاغة تفنَّنَ فيه الإمام علي(ع) باستخدام كل أنواع البلاغة، من استعارة وكناية وتشبيه، وما شاكل ذلك، في خطبه وأقواله وعهوده ورسائله. هذا الفهم الخاطئ أبعد أولئك الذين لا رغبة ولا فهم لهم في البلاغة عن هذا السِفر العظيم.
والحقيقة أنَّ البلاغة لم تكن هي هدف الإمام(ع) وإنَ استخدمها أحسن استخدام لإيصال الفكرة، وتوصيل العِبرة، فنهج البلاغة هو نهج عمل، ونهج جهاد، ونهج سياسة، ونهج إصلاح، ونهج تربية قبل أن يكون نهج البلاغة.
ثانياً: غياب المؤسسة الثقافية التي تعتني به.
لاحظوا-أيها الأحبَّة- النجاح الكبير الذي حقَّقته لجنة الذكر الحكيم قياساً بعمر وجودها، فكل شيء إذا لم يُعهد به لمتخصّصٍ يضيع ويُنسى. فلو كانت لجنة أو مؤسسة تتبنَّى الدراسات وتعقد الندوات والمؤتمرات حول نهج البلاغة لما كانت الحالة هذه الحالة التي نعيشها الآن، ولما حصل البعد عن نهج البلاغة قراءةً ، ومعايشةً، وتفعيلاً.
أهمية نهج البلاغة في حياتنا:
وهنا سؤال يُطرح: لماذا التركيز على نهج البلاغة؟
والجواب: للمحاور التي ركَّزَ عليها نهج البلاغة، ولأذكر أهم المحاور الرئيسية التي ركَّزَ عليها الإمام(ع) فأقول:
المحور الأول:
ركَّزَ الإمام(ع) على العلاقة بين العبد وخالقه، فتحدَّثَ عن ضرورة تقوى الله عز وجل، ومخافة الخالق، ومحاسبة النفس، والبُعد عن الدنيا، دنيا المال، دنيا النساء، دنيا السلطة، دنيا الشهوات، دنيا الَّلذات، وشدَّدَ على ضرورة الإستعداد ليوم الحساب، وهنا جاءت أحاديثه عن صفات المتَّقين، وذم الدنيا، وفناء الدنيا وسرعة تقلّبها.
المحور الثاني:
وهنا ركَّزَ الإمام(ع) على العمل الصالح، فلا إيمان بلا عمل، وطرح أهمية الإصلاح، والجهاد من أجل الإستقامة، والعدالة الإجتماعية، والدفاع عن المحرومين، والوقوف بجانب المستضعفين والفقراء، ومحاسبة المسئولين، لأن قناعة الإمام(ع) بأنَّه لا يوجد فصل بين الدين والدنيا الصالحة.
المحور الثالث:
طَرَحَ الإمام(ع) الكثير من الخطب مُشدِّداً على أهمية المحافظة على المصلحة الإسلامية العليا وجَعْلِها فوق كلِّ مصلحة. والحقيقة أن قوَّة {نهج البلاغة} تكمن في أنَّ خُطَبَ الإمام(ع) وتعاليمه فَعَلَها قبل أن يقولها، وطبَّقها قبل أن ينصح الآخرين بها . فانظر إلى المعارك التي خاضها في سبيل إعلاء كلمة الله قبل أن ينصح الآخرين، فهناك في سجلِّه(ع) معركة بدر وأُحُد، والخندق ....... وآخرها شهادته في المسجد في شهر الله، في ليلة القدر.
وانظر كيف سكت عن حقِّه في الخلافة، ورفض عُرُوض بعض الذين حاولوا إثارة الفتنة وشق صف الأمَّة مثل أبي سفيان، وجاء قوله(ع) هنا:{ شُقُّوا أمواج الفتن بسفن النجاة} و{ لأُسلِّمنَّ ما سلِمت أمور المسلمين}.
وانظر كيف رفض أن يُعطي أخاه عقيلاً بعض المال زائداً على عطائه حين جاءه يطلب ذلك. وانظر محاسبته لنفسه مُفضِّلاً أن يُجرّ في الأغلال مُصفَّداً على أن يظلم أحداً من العباد شيئاً من حطام الدنيا.
وانظر كيف يعلن رفضه للأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها أي للدنيا كلِّها إذا كان مقابل ذلك أن يعصي الله في نملة يسلُبها جُلب شعيرة أي: قُشر شعيرة. إلى غير ذلك من الأمثلة الرائعة.
وفي الحقيقة إنَّ أهمية وعظمة {نهج البلاغة} تنبع من أنَّه حصيلة سنوات تجربة الإمام(ع) وخبرته في الحياة.
فمن أراد أن يسير على خطِّ الإمام(ع) فعليه أن يقرأ نهج البلاغة، فهذا السِفر المقدَّس يستطيع أن ينقلك إلى عهد علي(ع)كأنَّكَ تشاهد فيلماً يُسلسل لكَ الأحداث بكلِّ وضوح. فهل هناك بعد كتاب الله تعالى أعظم وأروع وأنفع من نهج البلاغة؟
القدس قضيتنا المركزية:
ونحن بصدد الحديث عن نهج البلاغة نلاحظ أنَّه جاء في وصية الإمام لولديه الحسنين(ع) قوله:{ وكونا للظالم خصماً وللمظلوم عوناً}.
وسؤالنا الآن: كيف نعين الفلسطينيين ونقف ضد الصهاينة المجرمين؟ من المؤسف جدَّاً أن البعض خصَّ القضية بالفلسطينيين وهرب، لأنَّه ليس فلسطينياً.وبعضٌ تاجر باسم القضية الفلسطينية، وبعضٌ انهزمَ نفسياً واستسلم باسم مبادرات السلام. وما زلنا نتأخَّر والعدو يتقدَّم!! وما زلنا نفاوض والعدو يتقدَّم!! وما زلنا نرفع الشعارات والعدو يتقدَّم!!!.
هناك شيء في المعادلة خطأ، وهناك رمز مفقود. فمن يقاتل لأجل المال يُهزم، ومن يُقاتل لأجل الحكم يتعب، ومن يُقاتل وهو غير مخلص وغير مستقر يضر ولا ينفع.
أما من يفيد، وينتصر، فهو من يُقاتل لأجل الحقوق بدافع العقيدة الصُّلبة.
خطأ سنة 1967م أن الفلسطينيين نزحوا عن أرضهم، وديارهم، وبيوتهم، لذلك تقدَّم العدو واحتلّ المزيد. أما اليوم فالأبطال في فلسطين قرَّروا المقاومة والموت دون الحقوق، وهاهم يُسطِّرون الملاحم، ويصنعون النصر. بالأمس بطل فلسطيني قتل عشرة انتقاماً لاحتلال إسرائيل للمخيَّمات. وهكذا فعل الأبطال أيضاً في جنوب لبنان، وما أعظم ما فعلوا، تقوَّوا بالعقيدة، وصمدوا في بيوتهم، وقاوموا فانتصروا.
قد لا يحتاج المجاهدون الفلسطينيون لجيوش الدّول العربية،لكنَّهم وبلا شك يحتاجون إلى قرارات سياسية شجاعة من القادة العرب. وقد لا نستطيع أن نقاتل إلى جانب المجاهدين الفلسطينيين، ولكن دعمنا المادّي، ورفضنا للتطبيع، وصوتنا الإعلامي...... هذه هي من أهم ما يحتاجه المجاهدون في هذه الفترة.
إننا لا ندعو لأي خطاب سياسي خالٍ من التعقُّل.ولا ندعو لأي عمل غير مدروس، ولكن أليس من حقِّنا أن نتمسَّك بحقوقنا ؟ وندافع عن كرامتنا؟.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. والى أرواح شهدائنا الأبرار وجميع أموات الأمة الإسلامية رحم الله من قرأ الفاتحة تسبقها الصلوات على محمد وال محمد.