بسم الله الرحمن الرحيم: الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين وأصحابه المنتجبين والتابعين بإحسان إلى يوم الدين وبعد فقد قال الله تعالى، بسم الله الرحمن الرحيم: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُم"(لأنفال: 24).
في هذه الآية المباركة دعوة صريحة قوية اللهجة ملزمة إلى أن ننصت ونتسمَّع ونصغي لصوت الداعي ونفقه ما يقول ونسمع ما يقول ونستجيب فوراً "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُم" وفي هذه الآية المباركة أيضا بيان وتوضيحٌ لهوية هذه الدعوة وهوية الداعي ، هوية الدعوة أنها دعوةٌ إلى الحياة، أنها مسألةٌ يحيا بها الإنسان يكسب بها الحياة. أما الداعي فهو الله عز وجل والمبلغ عن الله عز وجل، مبلغ هذه الدعوة هو رسوله (ص)، وفي الآية المباركة إشارة إلى أن هذه الحياة قسمان: قسمٌ مادي، وقسمٌ معنوي، لاشك أن القسم المادي معروفٌ يتمثل في هذه الحياة المادية التي تعني الأكل والشرب والنوم والتنقل ،هذه الحياة الفانية الزائلة. والحياة الحقيقية المصاحبة لهذه الحياة والتي تأتي مع هذه الحياة مقارنة لها هي حياة المُثُل، حياة القيم حياة الإنسانية حياة الموقف الصحيح، هذه الحياة تدعوا إليها الآية"إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُم" وهنا إشارة واضحة إلى أن الحياة بدون قيم وبدون مثل وبدون موقف ليست بحياة، يعني لا تليق بالإنسان، فالإنسان حياته تختلف،تلك حياة الحيوانات ،حياة الأكل والشرب والسفاد أو النكاح والنوم،تلك حياة البهائم، وإذا بقي الإنسان بلا مثل وإذا عاش بلا قيم وبلا توجه، وإذا عاش بلا موقف فحياته هي حياة البهائم، وما أحسن ما ينسب إلى أمير المؤمنين (ع) مخاطباً ولده السبط الأول الإمام الحسن (ع) بهذين البيتين:
وبعد أن نصغي لهذا الصوت ونتصنت له، ونعي ما يقول هذا الداعي، يقفز أمامنا أو في رؤوسنا سؤالٌ : ويتلخَّص هذا السؤال في: نحن نريد أن نرتبط بالحق، بموقع الداعي، بوجهة نظر الداعي، نريد أن نتلمَّس النور، نريد أن نرتبط بهذا الحق، ماذا نفعل؟ دلنا أيها الصوت، دلنا أيها الداعي، إلى أين نتجه، عبر من نرتبط بهذه الأطروحة، ونرتبط بهذا الحق؟ من هو الواسطة؟ ويأتينا الجواب على لسان صاحب الرسالة (ص) دالاً لنا، مرشداً لنا، معلماً لنا، بقوله {علي مع الحق، والحق مع علي، يدور معه حيثما دار} يا سائلون عن الحق، أيها المتفهمون، أيها الطالبون للنور، أيها المتلمسون للدرب الصحيح، ندلكم على الحق وعلى الشخص الذي لا يوجد إلا عنده، ولا يوجد إلا هناك، هو علي بن أبي طالب عليه السلام، علي مع الحق، وهناك حديث آخر، فقد خاطب رسول الله (ص) عماراً بن ياسر رضوان الله عليه، قائلاً: "يا عمار إن سلك الناس وادياً، وسلك علي وادياً، فخذ بوادي علي ودع الناس، فإن علياً (ع) لا يصدُّك عن هدى، ولا يدلُّك على ردى"، وأنا إنما أثرت هذه المقدمة البسيطة المتواضعة-أيها الأحبة- نظراً لما نستقبل من حدث كبير، حدث لا مثيل له في حياة الإسلام وهو مولد أمير المؤمنين (ع)، قائد الغر المحجَّلين، وسيد الوصيين، وإمام المتقين، ورئيس الموحدين سلام الله عليه، فنحن الآن نستقبل هذا الحدث الضخم العظيم، وهذه الولادة الفريدة، والتي لم يكن لها نظير، والتي حازت على منقبة لم تكن حتى للأنبياء، ألا وهي الولادة داخل الكعبة وعلى الرخامة الحمراء، أو البلاطة الحمراء، وهذه البلاطة لا يزال أثرها موجوداً، وموقعها محدداً كما أخبرني من تمكن من الوجهاء والشرفاء من الدخول للكعبة بوسيلة مّا، أخبرني بأنه وجدها هناك نفس البلاطة التي ولد عليها أمير المؤمنين (س)، نسأل الله الوصول إلى هناك، والتشرف إلى دخول الكعبة وزيارة وحج بيت الله الحرام والتشرف بدخول الكعبة، ورؤية ذلك المكان العظيم المقدس، يقول شاعر معاصر مخاطباً لأبي الحسن (ع):
بولادة في البيت قد فقت الأُلى سبقوا ومن يأتي من الأحياء
لم يولد في البيت الحرام أحد قبله ولا بعده أبدا، وإن كان بعض المهرِّجين،أو الحاقدين، والمتعصبين قد حاول أن يوجد شخصيةً وهمية، يدَّعي أنها أيضا ولدت في البيت الحرام ولكن التاريخ يضحك على هذه المقالة، وعلى هذا الادعاء، لم يولد في البيت إلا علي عليه السلام، هذه المنقبة لعبت دوراً هائلاً على مستوى الحديث، على مستوى التاريخ، على مستوى الأدب، يقول بعض الشعراء مخاطبا لعلي عليه السلام:
لما دعاك الله قدما لأن تولد في البيت فلبيته
أرجو أن نوفق للاستلهام من هذا الحدث الكبير الضخم وهذه الذكرى التي لا ذكرى بعد ولادة صاحب الرسالة (ص)، تماثلها أبداً، الحدث الأول في الحياة، ولادة صاحب الرسالة، والحدث الأعظم ولادة نبينا محمد (ص) والحدث الثاني ولادة أمير المؤمنين. وحكيم الإنسانية الأول هو رسول الله، وحكيم الإنسانية الثاني، يعني الحكيم بعد الحكيم الأول هو علي (ع)، أرجو أن نكون ملتزمين في حفلاتنا في ندواتنا، حضاريين، بعيدين عن التهور وبعيدين عن التهريج وبعيدين عن ملئ الفراغ وإضاعة الوقت على الناس بدون محصَّل، وبدون فائدة.ينبغي لكل متكلم، ولكل شاعر أن يفكر ماذا سيقول، يحسب حسابه. مثلاً: يقول متكلم وفي الحضور لو قدَّرنا بمستوى مائة فرد، إذا لم يعط المناسبة حقَّها وإذا لم يستخلص الدروس والعبر حول ما يحيط بنا من قوى ومن أحداث ومن تغيرات إقليمية ودولية ومحلية، إذا كان كلامه بعيدا عن هذا الواقع وعن هذه المنطقة فإنه قد أضاع على الناس وقتاً ثميناً، إذا قلنا الحضور مائة إنسان، مائة، نفرض مائة، نفرض أن حديثه استغرق نصف ساعة يعني سيكون قد أضاع على الأمة خمسين ساعة، من عمرها فكيف إذا كان الحضور بمستوى المئات،أو الآلاف، وإذا كان وقت الحديث وقتاً طويلاً.فبُعْداً عن الكلام اللامسئول وبعداً عن الكلام اللاموزون، وبعدا عن الادعاء، وبعداً عن التحيز. علينا أن ندعو إلى ما يريده صاحب الذكرى، صاحب الذكرى يدعونا إلى أن ننفلت ونتمرد على كل القيم الجاهلية، صاحب الذكرى يدعونا إلى أن نتحد ونتعاون ونتآزر، إن الله مع الجماعة، كالشاة المنفردة يفترسها الذئب، علينا أن نُحَصِّل القوة، وقد دُللنا على مواقعها، وعلينا أن نُغلق أي باب يثير الضعف في نفوسنا وفي موقعنا.علينا أن نتلمس الوسائل التي تغذِّينا بالقوة، فلابد أن نتفاعل إن شاء الله مع هذه الذكرى العظيمة تفاعلاً صحيحاً ونخرج منها بحصائل طيِّبة
والحمد لله رب العالمين، وصلى اللهم على محمد وآله الطاهرين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وإلى شهدائنا الأبرار وجميع المؤمنين والمؤمنات رحم الله من قرأ الفاتحة تسبقها الصلوات.