محاضرة لسماحة الشيخ عبد الأمير منصور الجمري-ليلة الرابع والعشرين  من شهر رمضان-9-12-2001م ليلة الإثنين-تحت عنوان(اختلاف الرأي ووحدة المصلحة)-منزل الحاج مجيد الزيرة -في القفول-المنامة.

 

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين وأصحابه المنتجبين، والتابعين بإحسان إلى يوم الدين. أيها الأحبَّة:سلام من الله عليكم ورحمة وبركات.وبعد: فيسرُّني أن أتحدَّث إليكم،وفي رحاب هذا الشهر العظيم، وفي هذا المكان المقدَّس، عن موضوع مقترح تحت عنوان:

{ اختلاف الرأي ووحدة المصلحة} وهذا العنوان يعني أننا ومن أجل المصلحة ،مصلحة الأمَّة ،مصلحة الوطن، لا بد أن نستمع ونلتفت للرأي الآخر ،ولا نكون منغلقين،بل نكون منفتحين، ونمارس الحوار الصحيح من أجل الوصول إلى المصلحة. وماذا يعني الرأي الآخر الذي يجب أن نكون في حوارنا معه منفتحين؟ ومن أين ينشأ الإختلاف؟وهل كل اختلاف مرفوض؟ هذه الأسئلة وغيرها سنتناولها ضمن النقاط الآتية. الرأي الآخر: أما الرأي الآخر فيعني الرأي المخالف لرأيك كلاًّ أو بعضاً في علاج المشكلة ومواجهة الموقف. وضرورة كوننا معه منفتحين واضحة من خلال إدراكنا أن من الأمور التي بإمكانها تعطيل برامج الجماعات السياسية هي عدم القدرة في التعاطي مع الآراء المختلفة داخل حركة المجتمع. إن الإختلاف في الرأي-أيها الأحبَّة- بدأ وهو موجود وسيستمر، ولا سبيل لإنهائه إلا باللجوء للأساليب الدكتاتورية، وتسليط فرد أو جهة معينة على سائر الأفراد والجهات،ويصاحب مثل هذا التسليط والتسلّط القمع. إذن: حينما يكون الحديث عن اختلاف الرأي يجب أن نُركِّز دائماً على كيفية التعايش مع هذا الإختلاف لا إنهائه، لأنه لا سبيل لإنهائه إلا بالقمع. نعم حينما نُجمِّد العقل، ونُوقف الحوار فإننا بذلك نُطلق العنان للعنف والتطرُّف. أسباب الإختلاف:  وجواباً على سؤال: ما هي أسباب الإختلاف في الرأي؟ نقول: أسباب الإختلاف هي:1-الذاتية في التفكير: قد يكون منشؤ الإختلاف مع  الأطراف  الأخرى هو منشؤٌ ذاتيٌ لعُقدٍ نفسيةٍ في ذات الشخص ، فهو لا يعترف إلا برأيه،ولا يرى صوابيَّةً إلا لرأيه، أما الآخرون فآراؤهم خاطئة، وتفكيرهم ناقص منحرف ضال، هذا النوع من الناس لا يتحرَّك في النهاية إلا لأجل تأمين مصلحته الشخصية، سواءً كانت هذه المصلحة معنوية ، كأن يريد الشهرة أو المكانة ،أو كانت المصلحة ماديَّة تعود عليه في نهاية المطاف بالمنفعة المادية. وهذا النوع طرحه القرآن الكريم من خلال شخصية  فرعون الذي كان يقول لقومه-كما حكى القرآن عنه-{مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ}  (غافر:29).وكان يقول– كما حكى القرآن عنه-{أَنَا رَبُّكُمُ الأعْلَى} (النازعـات24)....صحيح قد لا نسمع هذه الكلمات من أحد في وقتنا الحاضر، ولكن على صعيد الممارسة هي موجودة،فهناك من يعتقد أن الرأي الصائب هو رأيه فقط.

2-الحزبية والفئوية: وقد يكون منشؤ الإختلاف هي الرؤية الحزبية والتفكير الفئوي. فهذا النوع من الناس لا يسمع إلا ما يطرحه الحزب أو الجماعة الفلانيَّة، ولا يرى ولا يعتقد إلا من خلال أجندة الحزب ، أو عباءة العشيرة، أو الطائفة،وبالتالي فهو يقف ضد كل مشروع لم ينطلق من عشيرته أو طائفته،وهذا النوع أيضاً يرفض أي رأي وإن كان صواباً،لأنه لم يطرحه الحزب أو الجماعة التي ينتمي إليها . طبعاً هذا التفكير منشؤه حزبي فئوي،وأيضاً يسعى فقط للمصلحة الحزبية الفئوية فقط.3-الجهل والتقليد: كذلك قد يكون منشؤ الإختلاف هو الجهل ،وأقصد به الجهل المركَّب حيث أنه يجهل أنه جاهل، فيتمسَّك برأيه ،ويتعصَّب لموقفه،ويعتقد جازماً أن موقفه ورأيه هو الصائب. أو يكون منشؤ الإختلاف هو التقليد الأعمى للغير،فيتمسَّك ويُقلَّد قول الآخرين دون فحص ودون دراسة أو تدقيق، كما قالت الأمم الكافرة:{إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} (الزخرف: 23). هذا النوع قد يتحرَّك وهو يعتقد أنه يُحقِّق المصلحة الإسلامية العليا، وفي الحقيقة أنه لا يُحقِّق إلا المصلحة التي رسمتها له الجماعة التي يُقلِّدها أو يتَّبعها، وفي الغالب فإن التقليد الأعمى لا يُحقِّق إلا مصالح الغير. 4-المصلحة العليا: وقد ينشؤ الإختلاف ليس لأجل المصلحة الذاتية، ولا المصلحة الحزبية أو الفئوية، وإنما ينشؤ لأجل تحقيق المصلحة العليا العامة،سواءً كانت هذه المصلحة هي المصلحة الوطنية أو المصلحة الإسلامية. وهنا ينشؤ الإختلاف من خلال اختلاف الإجتهادات ، فالكل يريد أن يُحقِّق المصلحة العامة فيفكِّر ويجتهد ويعمل ويسعى لأجل تلك المصلحة،ولكن يحصل الإختلاف في الكيفية التي يراها كل واحد منهم. كالذي يملك مالاً ويريد أن يُحقِّق أرباحاً منه، فبعض أولاده قد يدرس الموضوع فيرى أن بناء شقق سكنيَّة يُحقِّق أرباحاً كثيرة،بينما يرى البعض الآخر أن إنشاء مجمَّع تجاري سيُحقِّّق أرباحاً أكثر، فهؤلاء الأولاد لا شكَّ يريدون الخير لأبيهم ،ولكن كلٌّ حسب رؤيته، نعم قد يتعصَّب البعض لرأيه ويُصرّ على رأيه، وقد تتطوَّر الأمور وتتعقَّد وتنفجر. آليات الإختلاف المطلوب: آليات الإختلاف هي: 1)الإختلاف العلمي:  فالإختلاف المسموح به هنا هو الإختلاف العلمي الذي يواجه الحجَّة بالحجَّة، والدليل بالدليل،ويعتمد الأساليب المنطقيَّة، والتفكير العقلائي.أما الإختلاف القائم على الظن أو الإشاعات أو المعلومات الغير دقيقة ولا مؤكَّدة فهذا اختلاف غير مطلوب ، وضرره مؤكَّد. فعلينا جميعاً أن نعتمد في مواقفنا وآرائنا على المعلومات الدقيقة، ونتسلَّح بالأدلة القاطعة في نقاشنا وحواراتنا.  2)الإلتزام بأدب الحوار: هذا الإختلاف ينبغي أن يكون محكوماً بآداب الحوار والمجادلة، بعيداً عن الصراخ واللغو،وعلى عدم إثارة الإشاعات ضد الخصم ،وإنما يجب أن يُحترم ويُحفظ سره.  3)روح التسامح: وهو أن يتبنَّى الطرفان روح التسامح والقبول بالرأي الآخر ،بعيداً التطرُّف والتعصُّب . ومَثَلُنا في ذلك الرسول الأعظم  القدوة والأسوة(ص) الذي خاطب الكفار- رغم إنه على الحق ولا يشك في نفسه ورسالته، خاطبهم كما حكى الله سبحانه عنه بقوله-{وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} (سـبأ: 24). فليس هناك قضية مقدَّسة لا تسمح بالمناقشة ،وأقصد المناقشة العلمية وليس الغوغائية التي لا تحترم ولا تلتزم بآداب الحوار. 4)آلية الفرز أو التحكيم:  وفي النهاية فإذا كانت هناك جماعتان واختلفتا فلا بد أن تكون لديهما آلية تتفقان عليها للخروج بالفكرة والرأي، وقد تكون آلية التصويت من الآليات التي تُؤمِّن الخروج بحلٍّ مَرضي لجميع الأطراف.  الخلاصة: موقفنا كإسلاميَّين من الرأي الآخر ونحن نتعايش مع طروح مختلفة سياسياً ،واجتماعياً ،وثقافياً ، أن نتعامل  مع هذه الطروح المختلفة، بالحوار والانفتاح والإصغاء للرأي الآخر.فإنه ليس من المنطقي أن نحدِّد موقفنا من أي طرح إلا بعد أن نستمع إلى صاحبه ،ونتأمَّل قوله ورأيه، وبعد أن نناقشه بشكل موضوعي ، علمي،منطقي، وعلى هذا الأساس يكون تحديد الموقف. بعبارةٍ أخرى: إننا كمسلمين نُؤمن بحريَّة الرأي الآخر في إطار الشريعة الإسلامية، ونتقبَّل النقد والنقاش، ونتعمد فتح باب الاجتهاد، ونرى أن من الحق والصواب يوصلنا إليه الحوار العلمي، والنقاش الموضوعي. ونحن كسياسيين نتقبَّل التيارات الأخرى، ونحاورها من أجل المصلحة الوطنية، مع الحفاظ على هويَّتنا الإسلامية، والإلتزام بضوابطنا السياسية والثقافية.

ولو كان كل فرد في هذا العالم يعتقد أنه يمتلك الحقيقة المطلقة لكانت النتيجة الحتميَّة هي الإنفراد ، والتناحر ،وهذا ليس وراءه إلا الدمار.........أجل هذا هو توجُّهنا ،ولكن هذا لا يعني أننا ننسلخ من هويَّتنا ،فلنا مؤسساتنا، وضوابطنا التي تحفظ هويَّتنا.

وأعود فأؤكِّد : إنَّ التحرّك من منطلق أن للحقيقة وجهاً واحداً ، وأن هناك جهة واحدة تمتلك الرأي الصحيح بنسبة 100% وكل ما سواها خاطئ بنسبة 100% يؤدي إلى دمار الشعب ،سواءً كان تبنِّي هذا التوجه من قبل جهة من جهات الشعب، أو من قبل السلطة الحاكمة أو أية سلطة.

وخلاصة الكلام: إن التوجّه الحضاري البنَّاء ،والذي يؤدِّي إلى التفاهم والحفاظ على الأمة من الدَّمار هو اعتقاد كل فئة بالقول الشهير أو الحكمة المشهورة وهي :{ رأيي صحيح يحتمل الخطأ ، ورأي غيري خاطئ يحتمل الصحَّة} وما أحسن ما يقول أحد الشعراء:

إنَّ الحقيقة بنت البحث والجدل          من كان معترضاً في القول فليقل

وهناك كلمة لبعض الفقهاء تكلَّم فيها عما عدى المتواترات والبديهيات والضرورات،أي:عن الأمور القابلة للاختلاف:

نحن أبناء الدليلْ    أينما مال نميلْ

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.