أربعة من علماء الدين يوجهون كلمات للشعب البحريني بمناسبة قرب الانتخابات البلدية في 9 مايو 2002
إنَّ ما تشهده البلاد هذه الأيام من استعدادات لخوض تجربة الإنتخابات البلدية هي نقلة في الإتجاه الصحيح نحو تحديث مؤسسات الدولة، وإشراك المواطن في عملية صنع القرار في مجال الخدمات العامَّة الموكلة للبلدية. نعم سيتوجَّه الناخبون إلى صناديق الإقتراع في 9 مايو 2002م لانتخاب المرشَّح الذي سيُمثِّل كل منطقة في المجلس البلدي. وكم كنَّا نتمنَّى لو أنَّ القانون المعدَّل للبلديات كان قد أعطى صلاحيات حقيقية للبلدية بدلاً من رفع التوصيات فقط، حيث لا زالت سلطة القرار بيد مجلس الوزراء. وقد أوضحنا في حديث سابق أنَّه ومع تحفُّظنا على القانون البلدي الذي صَدَرَ عن لجنةٍ حكومية وليس عن برلمان منتخب، والذي احتوى على بنود تنتقص من صلاحيات المجلس البلدي، ورغم تحفُّظنا على توزيعالمناطق الإنتخابية التي اعتمدت على أسس غير عادلة، وهو لا ينسجم مع البرنامج الإصلاحي الذي يقوده ملك البلاد، ولا مع الدستور، إلا إنَّنا ندعم هذا التوجُّه، ونطالب بتطويره في المستقبل ليكون منسجماً مع المستوى الحضاري لشعب البحرين، وإنَّنا نعتبر المشاركة في الترشيح والإنتخابات عملاً وطنياً مشرِّفاً، ونرى أنَّه سيساعد على إعداد الطاقات الوطنية لتنمية الخدمات في كلِّ منطقةٍ بلدية. وأودّ هنا أن أقول: إنَّ تجربة البحرين تأتي في طليعة البلدان الخليجية عندما بدأت تجربتها البلدية في مطلع القرن العشرين، ولكنَّنا تخلَّفنا عن الركب بسبب أحكام الطوارئ، وبسبب تراكم الأخطاء، وسوء العلاقة بين الحاكم والمحكوم.
أما اليوم فإنَّنا نعيش-بحمد الله- تجربةً جديدةً، وإنَّ علينا-رغم قصورها- إنجاح هذا الجزء اليسير الذي توفَّر لنا بعد مسيرة عمل ومعاناة استمرَّت عقوداً طويلةً.
ويَهمُّني التنويه هنا بأنَّ العمل البلدي يتطلَّب مواطنين مخلصين للقيام بأدوار هامَّة لحماية البيئة، ومراقبة الأسواق، ورعاية العمران والمنتزهات مع المحافظة على القيم الدينية والخُلُقية، وتوفير الخدمات اليومية التي يتطلَّبها المواطن بما يُسهِّل عليه العيش في منطقةٍ جميلةٍ مشمولةٍ بالذوق الإنساني الذي يعطي الصورة الراقية لمجتمعنا من ناحية الشكل والمحتوى.
كما يهمُّني التنويه بتوصية أبناء هذا الشعب الكريم بضرورة المساهمة الإيجابية الفاعلة في الإنتخابات، وإثبات الطبيعة المنفتحة والمتحضِّرة لشعب البحرين، آملاً أن تكون الحَمَلات الإنتخابية خاليةً من المظاهر الغير أخلاقية في التنافس بين المرشَّحين، وراجياً- بكلِّ تأكيد- أن يراعي المرشَّحون وكذلك عموم الناس المحافظة على حماية بيئتنا من خلال الإبتعاد عن تشويه جدران البيوت بالكتابات والملصقات، واستخدام الأماكن المسموح بها لهذا الغرض لنعكس بذلك الوعي البيئي المطلوب.
كما أدعو بتأكيد المواطن الذي يتقدَّم لخدمة منطقته بأن يُقدِّم مصلحة الناخبين على المصلحة الخاصَّة، ويُفكِّر في الأمَّة قبل التفكير المتقوقَّع في الذَّات، فلقد آن الأوان أن يُثبت المواطنون قدراتهم بدرجاتٍ عاليةٍ من الأداء المخلص البعيد عن التّمَصْلُح.
هذا وأقول بكلِّ جدّية واهتمام: لا بد من انتخاب المرشَّح القادر على العطاء، الذي يقبل بالمحاسبة من ناخبيه، فإنَّ قبوله بالمحاسبة كاشف عن أهليته للقيام بمحاسبة المسئولين، وكاشف عن أهليته لحمل الأمانة بصدقٍ وإخلاص. كما وأدعو الجميع إلى مراقبة الله تعالى في عملية التصويت، وذلك بأن يكون الترشيح للمرشَّح المخلص والكفء والقادر على خدمة المجتمع، وليس لأنَّ هذا المرشَّح جار، أو صديق، أو قريب في النسب حتى لو كانت القناعة قائمة بعدم أهليته لمثل هذا التمثيل للمجتمع.
كما أنَّني أنأى بأبناء الشعب المحترمين في أن تكون هذه الإنتخابات سبباً في إحداث رقة بين المرشَّحين وبين الناس، بل على الجميع احترام نتيجة الإنتخابات، والتعامل بإيجابيةٍ مع المرشَّحين الفائزين وصولاً إلى الهدف المرجو من إحداث التكامل في مسيرة هذا الشعب العزيز.
أسأل الله تبارك وتعالى أن يأخذ بأيدينا جميعاً لما فيه الخير والصلاح، وأن يرشدنا إلى سواء السبيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
16صفر1423هـ - 29ابريل2002م
==============================================
ولنأت للحديث عن الانتخابات البلدية وما يتصل بدور الناخب في هذا المجال:-
10.إذا فزت أيّها المرشّح في الانتخاب فاحمل همّ ما أقدمت عليه من تحمّل الأمانة، حذاري أن تفرح فغداً عند الله سبحانه يثقل السؤال، وتصعب الإجابة على مظلمة اشتركت فيها أو قصّرت في ردّها؛ مظلمة تضرّ بدنيا النّاس أو بما هو أعظم؛ وذلك دينهم الكريم. واحذر عزيزي كلّ الحذر أن يكون فوزُ الانتخاب، بداية طريقك إلى النار.
ففوزك يعني أنّ النّاس قلّدوك الأمانة وهي أمانة دنيا ودين، وهم غداً يطالبونك بين يدي العدل الحكيم، عن الكبير والصغير مما حمّلوك أمانته. بالفوز في الانتخاب يفرح الجاهل، يهلع العاقل، وفرح الأول بدنياه، ويهلع الثاني على عاقبته. اللهمّ صلّ على عبدك المصطفى محمّد وآله الشرفاء واغفر لنا وتب علينا ولا تتوفنا إلاّ على دينك وحبّك وحبّ أوليائك والعمل بأحكام كتابك وشريعة نبيّك نبي الرحمة واغفر لوالدينا وأرحامنا وأهلينا وإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين أحياء وأمواتا ومن كان له حقّ خاص علينا منهم يا كريم يا رحيم. اللهم انصر الإسلام والمسلمين وأنزل الهزيمة النكراء والفشل الذريع بالكفر والنفاق وجيوشهما وأعوانهما يا شديد الأخذ يا أقوى من كلّ قوي ويا أعزّ من كلّ عزيز.
=============================
قال سماحه آية الله الشيخ حسين النجاتي في خطبة يوم الجمعة 1/محرم / 1423هـ -15-3-2002م.
إنَّه - وكما تعلمون – جرت مداولات كثيرة حول الانتخابات البلدية في الجرائد والصحف والأندية والمجالس والندوات، لكن من النقاط المهمة التي وجدت الكثير من المواطنين يؤكدون عليها هي أن تقسيم الدوائر الانتخابية بالشكل الحاصل فعلاً لا ينسجم مع أصول التقسيم العادل – للدوائر – المتعارف عليها في القوانين المتحضرة والدول العريقة في ممارسة العملية الانتخابية وقضية التمثيل البلدي، بل وجدتهم يؤكدون أن هذا التقسيم مبني على أساس طائفي مع أن الميثاق الوطني قد نفى صريحاً مشروعية جميع الممارسات الطائفية، فقد جاء فيه:
( المواطنون متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات، لا تمييز بينهم بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة، وذلك ما أكده الأمير القائد في أول خطاب وجهه إلى شعبه غداة توليه الحكم في البلاد). انتهى ما أردت نقله من الميثاق.
هذا ما جاء صريحا في الميثاق، والذي أريد أن أقوله هنا هو: أن مسئولي الانتخابات ذا كان لهم تفسير آخر لهذا التقسيم فالمصلحة تقتضي أن يوضحوا خلفيات هذا التقسيم وأسس انطلاقه للشعب الوفي حتى تزول الشكوك عن النفوس، وإذا كان ذلك ناشئاً عن خطأ فلابد من إصلاحه حتى لا تضيع حقوق الشعب وتصان العدالة ويحفظ الإنصاف.
وقد ذكر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) في المرسوم الحكومي الذي كتبه لمالك الأشتر النخعي ( عليه الرحمة ) حينما ولاه مصر، ذكر فيه مخاطبا إياه: (وإن ظنت الرعية بك حيفاً فأصحر لهم بعذرك، وأعدل عنك ظنونهم بإصحارك، فإن في ذلك رياضة منك لنفسك ورفقاً برعيتك وإعذاراً تبلغ به حاجتك) نهج البلاغة، ج /53 ص/442.
وقال سماحه آية الله الشيخ حسين النجاتي في خطبة يوم الجمعة 8 / محرم / 1423هـ - 22-3-2002م إننا – كما تعلمون – نقترب يوماً بعد يوم من الانتخابات البلدية، وفي هذا الخصوص أريد أن أذكرّ بأمور:
الأمر الأول: أن قانون انتخاب البلديات مع أنه لا يعطي منتخبي الشعب حق اتخاذ القرار بشكل مستقل، وإنما تكون قراراتهم بمستوى التوصيات فقط، ومع أنه هناك تحفظات على بعض البنود الواردة في هذا القانون، لكننا نرى أن مصلحة الوطن والشعب والمحافظة على الوحدة الوطنية واستمرارية الإصلاحات السياسية والحياة الحرة الكريمة وصيانة حق حرية التعبير، كل ذلك يقتضي مشاركة الجميع في الانتخابات، ومن هنا ندعوا إلى مشاركة الجميع مشاركة واعية هادفة.
الأمر الثاني: أدعو وبإصرار الاخوة المؤمنين اللذين تتوفر فيهم الصلاحيات والشروط اللازمة لأن يرشحوا أنفسهم لهذه الإنتخابات، فهذا الترشيح من الواجبات الكفائية الشرعية التي يجب على جميع من تتوفر فيه الشرائط القيام بها، فإذا قام به القدر الكافي سقط الوجوب عن الباقي، وإن لم يقم به القدر الكافي من المؤهلين كان الجميع مذنباً وعاصياً، وليعلم من يريد ترشيح نفسه أن هدفه من الترشيح وإستلام هذا المنصب يجب أن لا يكون كسب المصالح المادية لنفسه وذويه، وإنما خدمة الوطن والمواطنين والمؤمنين بكل ما أوتي من حول وقوة.
وقد قال علي عليه السلام في كتابه إلى أشعب بن قيس عامله على أذربيجان مخاطباً ياه: (وإن عملك ليس لك بطعمة ولكنه في عنقك أمانة).
إذن هذه أمانة كبيرة، وهي أمانة الأمة، فيجب أن نتلقاها أمانة وليس طعمة.
ثم أن من يرشح نفسه للإنتخابات يجب أن يكون متوفراً على مجموعة من الشرائط، ومن أهمها:
الشرط الأول: أن يكون واجداً للكفاءة اللازمة من ناحية الخبرة والكفاءة العلمية والعملية للقيام بهذه المسئولية.
الشرط الثاني: أن يكون مخلصاً للإسلام والقرآن ومصالح المسلمين وأن يكون مخلصاً لوطنه وشعبه، حريصاً على ما فيه خير وسعادة وكرامة المؤمنين والمواطنين، ويعتبر مصلحة الإسلام والوطن فوق كل شيء وأغلى من كل شيء.
الشرط الثالث: أن يكون مستقيماً على جادة الشرع الإلهي، يخاف الله تعالى في كل أموره ولا تأخذه في الله لومة لائم، وأن يكون شجاعاً في إظهار الحق مع رعاية المصلحة والحكمة، وأن يكون من أهل التقوى وعباد الله الصالحين.
الشرط الرابع: أن يكون واجداً للإذن الشرعي من الفقيه العادل الجامع للشرائط، وذلك لما قد يبتلي به من قضية الممتلكات الخاصة وغير ذلك ممّا يتوقف على الإذن الشرعي.
ونصيحتي إلى إخواني اللذين يريدون الترشيح أن لا يستعجلوا في حُسن الظن بأنفسهم وبأنهم يجدون الشرائط اللازمة، بل يترووا في الأمر ويستشيروا أصحاب الرأي والصلاح ثم يتخذوا القرار.
الأمر الثالث: أدعو المؤمنين إلى تشجيع من تتوفر فيه الصلاحية لترشيح نفسه، فهذا من الواجبات ووظائف المؤمنين الشرعية، أن يشجّعوا المؤهلين للترشيح، وإلاّ كانت النتيجة تصدّي غير المؤهلين لهذا المنصب الخطير، ويكون جزءاً من وزر ذلك حينئذ على عهدة من قصّروا في القيام بالواجب الذي ذكرته، وهو تشجيع المؤهلين.
الأمر الرابع: نحن بحاجة إلى لجنة صالحة من المؤمنين في كل منطقة تقوم بدور توعية الناس في كل ما يرتبط بشؤون وأمور هذه الإنتخابات، فإذا ما شكلت هذه اللجان في المناطق- ومنها في منطقتنا- فلا بّد من التعاون معها وتقديم العون والتسهيلات اللازمة لها لتقوم بمهمتها ودورها التوعوي الواجب، ولتكن من مهمات هذه اللجنة اكتشاف الطاقات الصالحة للترشيح، وتنشيطها وتشجيعها وتعريفها إلى الناس.
كل ذلك في جوًّ هادئ بعيد عن العنف والحزازات والحساسيات، ومع رعاية أكبر قدر من التنسيق والتعاون مع جميع الفعاليات والشخصيات الصالحة والمخلصة.
الأمر الخامس: أدعو جميع المؤمنين وجميع الفعاليات وجميع المخلصين إلى تقليص عدد المرشحين الصالحين بقدر الإمكان، حتى لا تزداد حيرة الشارع والشعب في اختيار المرشح المناسب ولا تتفرق الكلمة.
وتعدد الخيارات والمرشحين وإن كان جيداً ولصالح الناخبين والإسلام والوطن في كثير من الأحيان، لكنه يكون سماً قاتلاً في أحيان كثيرة أخرى، فكونوا من أهل البصيرة وميزوا المصلحة من المفسدة، ولو بمشورة أهل الصلاح والمشورة.
قال سماحه آية الله الشيخ حسين النجاتي في خطبة يوم الجمعة 13 / صفر /1423هـ – 26-4-2002م لقد سبق أنني تحدثت عن قضية الانتخابات البلدية في صلاة الجمعة، وما أريد إضافته الآن، أنني أرى من الواجب تقديم بعض النصائح المهمة، حيث أن الانتخابات أصبحت على الأبواب :
أوّلاً: الحملة الانتخابية ابتدأت – كما تعلمون – والمرشحون بدأوا بتعريف أنفسهم إلى المجتمع وبيان سيرتهم الذاتية...، من الضروري أن يدرك هؤلاء الإخوة أن لا يجانبوا الحقيقة في شرح سيرتهم الذاتية، وأن لا يصوروا برامجهم الإنتخابية بما لا يسمح به الواقع المعاش، وأن لا يطمعوا الناس في أمور غير قابلة للتحقيق، أو يصعب تحقيقها، أو تكون خارجة عن دائرة صلاحية البلديات والنائب البلدي.
فمن الضروري عدم إغرار الناس وعدم مخادعتهم من خلال الوعد بالخدمات الخيالية غير الواقعية.
كما أنه من الضروري والواجب للمرشحين أن لا يسعوا في تشويه صورة بقية المرشحين ومنافسيهم، وأن لا يوجّهوا مؤيديهم نحو تمزيق شخصية المنافسين.
كما أنه يلزم أن يمنعوا مؤيديهم من تمزيق ملصقات الآخرين وإعلاناتهم أو أن يتعرضوا لها بأي شكل من الأشكال.
ويجب أن يعلم الجميع أنه لا يجوز لصق الإعلانات والصور على ممتلكات الآخرين دون الإستئذان منهم، وإذا ترتب على ذلك ضرر مالي ثبت الضمان ووجب التعويض للمتضرر.
نحن نأمل ونتوقع أن تكون المنافسة شريفة وحضارية، خالية عن الحقد وحب البروز، وأن تبقى المحبة والصفاء والمودة والعلاقة الطيبة الأخوية بين جميع الأطراف إلى ما بعد الإنتخابات، مع قطع النظر عن الفائز والناجح.
ثانياً: إذا كان في الإخوة المرشحين من يعتقد بوجود الشخص الصالح والمؤهّل في بقية المرشحين فإنني أدعوه وبإصرار الى الإنسحاب وتدعيم ذلك الشخص المؤهّل، وعلى الأقل الإنسحاب، وذلك كي لا تتفرق الأصوات، ولا تزداد حيرة الناس في أمرهم، وأن يصعد الصالح المؤهّل ويفوز بآراء قوية.
كما أنه حتى إذا كان المرشح يعتقد بأنه الأكفأ يجب عليه الإنسجاب، إذا كانت إحتمالات فوزه في الإنتخابات ضئيلة ضعيفة، وذلك لنفس الأسباب المتقدمة، ومن أجل عدم تفرق الأصوات وضياعها، وعدم مضاعفة حيرة الناس بتعدد الخيارات المطروحة أمامهم، وأن يصعد المؤهّل ويفوز بآراء قوية وانتم تعرفون ان الظرف الذي نعيشه اليوم حساس جداً، ويتطلب قدراً كبيراً من الوعي والإحساس بالمسؤولية والالتزام بها.
والأنانية لا تخدم الشخص ولا المجتمع ولا الوطن ولا الإسلام، بل إن الأناني محاسب على أنانيته يوم القيامة.
ثالثاً: الأخوة الناخبون والأخوات الناخبات يجب أن يلتفتوا إلى أن الصوت الذي يعطونه لشخص يحاسبون عليه يوم القيامة، إنهم يُسألون يوم القيامة: لم أعطيت صوتك لفلان ؟ لأنه من أصدقائك، لأنه من عائلتك، لأنه من جيرانك، لأنه عمل لك وليمة، لأنه أبدى لك إحتراماً خاصاً، لأنه خاطبك بكلمات جملية، لأنه وعدك بأنه سيخدمك غداً في البلدية بكذا وبكذا، أو وعدك بصفقات غداً من البلدية تقسم فيها الأرباح؟ أو لأنه أعطاك مالاً هدية أو قرضاً، أو لأنه توسط لك في القضية الفلانية، أو وعدك بأنه سيتوسط لك؟ أو لأنه وعدك سفرةً على حسابه، أو حفلة على شرفك؟ إذا كان السبب شيئاً من هذه الأمور وأمثالها فأنت مذنب ومحاسب على عملك يوم القيامة ومعاقب عليه، بل أنت ظالم لأن صوتك قد يكون سبباً في نجاح هذا المرشح مع عدم أهليته وكفائتة بحسب اعتقادك.
بل حتى إذا كان مؤهلاً باعتقادك سوف تكون محاسباً معاقياً على تصويتك له، فيما إذا كان التصويت له مشروطاً بأن يفي لك ببعض الإلتزامات المحرمة، كصفقات غير مستحقة وما أشبه ذلك.
بل أنك تكون مسؤلاً أمام الله تعالى لكل التصرفات السلبية التي قد يقوم بها هذا المرشح من موقع مسؤليته في المستقبل، مع عدم كفائتة بحسب إعتقادك.
أنت مسؤل بقدر تأثير صوتك في نجاحه، بل أنت مسؤل وإن لم تكن له تصرفات سلبية، فيما إذا منع تصويتك لهذا من وصول المرشح الكفوء أو الأكثر كفاءة إلى المسئولية. بل أنك مسؤل أمام الله تعالى إذا دعمته بصوتك وإن لم ينجح ولم يفز، إذا كان تصويتك له مانعاً من وصول المرشح الكفوء أو الأكثر كفاءة إلى المسؤلية.
نعم، قد يعتقد الإنسان أن فلان من المرشحين صالح وكفء، لكنه يخطئ الحقيقة والواقع، ويتبين له لاحقاً انه لم يكن مؤهلاً، ففي هذه الحالة يكون معذوراً أمام الله تعالى، إذا كان قد يفحص وسأل عنه بالقدر الكافي، لكنه أخطا الواقع.
فأنتم أيها المؤمنون والمؤمنات، بما أنكم معنيون ومهتمون بعدم التخلف عن الموقف الشرعي وعدم مخالفة التكليف الإلهي يجب أن تدرسوا الشخص الذي تريدون التصويت له، ويجب أن تتأملوا في الأمر، وتحاسبوا أنفسكم وتسائلوها، قبل أن تضعوا رأيكم في الصندوق، ويجب أن يكون عندكم جواب واضح لله تعالى عندما تسألون عن عملكم هذا في القبر وفي يوم القيامة، فما هو جوابكم إذا سُئلتم، لم أعطيت رأيك لفلان؟ يجب أن يكون عندك جواب حاضر جاهز، ترضى به وبصدقه وبواقعيته في داخل قرارة نفسك، وبينك وبين الله تعالى.
وبقيت نقاط أخرى تتعلق بالعلمية الإنتخابية، سوف نتعرض لها في الخطب الآتية إن شاء الله تعالى.
==================================
أيها المؤمنون أنتم قادمون على انتخابات البلديات، ورغم تحفظاتنا الكبيرة على هذه الانتخابات، كما أعلنها بيان العلماء، إلا أننا نؤكد هنا على مسؤولية الإنسان حينما يقول نعم، وحينما يقول لا. إنها مسؤولية الحساب بين يدي الله تعالى (( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ )) مسئولية لا ينجيه من تبعاتها إلا صدقه مع الله تعالى ((يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من آتى الله بقلب سليم)).
لا تنجيه عشيرته ولا قرباته ولا صدقاته، {{يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ يومئذ شأن يغنيه}} من السهل أن تقول نعم لهذا أو لذاك في انتخابات البلديات أو في انتخابات البرلمان أو في أي موقع آخر، إلا أنك ستبقى مرهوناً بهذه الكلمة أمام الله يوم الحساب فقد يكون منتخبك –إن فاز- صوتاً يؤسس لحق أو يؤسس لباطل، يبارك مشروعاً فيه خير وصلاح أو يبارك مشروعاً فيه شر وفساد، ينقذ منطقة من ملهى ومرقص أو يساهم في إيجاد ملهى أو مرقص.
إنه في كل ما يصدر عنه يمثلك أنت، أنت الذي أعطيته صوتك ورأيك وكلمتك.
المسؤولية كبيرة وكبيرة والحساب عسير عسير. قد يقول قائل أتكون هذه الانتخابات بهذا المستوى من القيمة والخطورة …؟
الجواب.. لا، القيمة ليس في هذه الانتخابات، القيمة في كلمة الإنسان المؤمن، هذه لكلمة التي أراد الله تعالى أن تكون أمينةً دائماً وأن تكون نظيفةً دائماً وأن تكون صادقةً دائماً، سواءً أكان الموضوع يحمل قيمة كبيرة أو قيمة صغيرة.
وفي سياق الحديث عن الانتخابات أودّ أن أوجه انتباه المؤمنين إلى أن هذه الانتخابات قد تخلق بعض الأجواء المتوترة بين المتنافسين أو بين أنصارهم نتيجة عدم الوعي الانتخابي أو عدم القدرة على استيعاب مسألة التنافس النظيف، وربما يتحرك بعض العابثين في مثل هذه الأجواء لإثارة الفتن والخلافات بدوافع سيئة، فيجب الحذر كل الحذر من الانجرار بوعي أو بدون وعي إلى أجواء التوتر والصراع، فيجب أن تحكم الناس ناخبين ومنتخبين أخلاقيات الدين، بما تفرضه هذه الأخلاقيات من نظافة ونزاهة وحب، واحترام الرأي الآخر …
وأستغفر الله لي ولكم، والحمد لله رب العالمين.