الأبعاد المعنوية للحج بمجلس الشيخ الجمري

المبارك: الحج أكثر العبادات رمزية... ورحلة مليئة بالدلالات الروحية

بني جمرة - حيدر محمد

 

24-1-2004م

أكد الشيخ حميد المبارك في محاضرته بمجلس الشيخ الجمري عن الأبعاد المعنوية للحج أن "فريضة الحج هي أكثر العبادات رمزية، على عكس الصلاة التي إيحاءاتها العامة مباشرة مثل حركتي الركوع والسجود اللتين توحيان بالخضوع المطلق لله سبحانه وتعالى، ولكن الأمر يبدو مختلفا بالنسبة إلى فريضة الحج التي ليست لها الإيحاءات ذاتها". ورأى المبارك أن "من أخطر ما يمكن أن يبتلى به تلقيناً للعبادة هو الاستغراق في شكلياتها على حساب الغاية التي شرعت لأجلها، وهذا الأمر لا يعني الاستهانة بالشكليات، فأداء العبادة وشروطها الفقهية أمور مهمة؛ لأن الشكل يمثل حماية إلى الجوهر، ولابد من المحافظة عليه، ولكن من غير الصحيح أن نستغرق في الشكل على حساب الجوهر".

ويتابع المبارك قائلاً "ومن هنا يتضح أن معرفة فريضة الحج وأداءها كعبادة لها غاياتها، التي تتوقف على قدرة الحاج على فك رموزها، ومعرفة ما وراءها" ويستشهد المبارك بمقولة مأثورة عن الإمام الغزالي للتدليل على هذه الرؤية، إذ تؤكد هذه المقولة "أن العبادة الفقهية كحال شكلية - هي عبادة ميتة"، ويضيف المبارك "نحن بحاجة إلى إعادة النظر عندما نجعل الدلالات الروحية في مرتبة ثانية بالنسبة إلى الدلالات الفقهية، ورمزية الحج وكونه ذا بطون يعني إمكان تفسيره على أكثر من تفسير".

الطواف تجسيد للتوحيد

وفي هذا السياق يطرح المبارك مثالا على هذا الاتجاه "فالحاج عندما يدخل البيت الحرام ويدخل إلى الكعبة المشرفة، فعليه أن يتذكر في المقام الأول أنه في البيت العتيق، الذي عتق من سلطة البشر ومالكيتهم، وهذا يجسد التوحيد، أما الصلاة عند مقام إبراهيم "ع" فهي تجسيد لمقام الولاية، التي هي الرابط بين العبد وربه، وأن هذا الرابط لا غنى عنه".

وبعبارة أخرى فان مقام إبراهيم "ع" هو رمز الوحي، قد يتوهم البعض أننا يمكن أن نتعبد بعقولنا، ويمكن أن نتعرف على الله من خلال العقل والتفكير واستنطاق الفطرة، لكن الفطرة إنما توجه الإنسان إلى اصل الدين وليس إلى خصائصه، وقد اعتقد الفلاسفة أن العقل يتوقف عند الكثير من المتاهات القيمية، ويطلقون عليها "موارد التعارض الأخلاقي".

ويضيف المبارك "إذا مسألة الوحي والركن الثاني في الدين، بعد التوحيد والذي يجسده الطواف حول البيت العتيق، ثم ينبغي للحاج أن يتأمل في الفرق الدلالي والإيحائي بين الطواف والسعي، وأنا أميل إلى تفسير الطواف بالعبادة الدينية، انه رمز لعبادة الله سبحانه وتعالى، وإما السعي فهو رمز للكسب الدنيوي، وهذا يشير إلى أن الدين يجمع بين كلا الأمرين، فعندما يسعى الإنسان بين الصفا والمروى فإنه يتذكر هاجر وكيف أنها سعت، ولم يدخل اليأس إلى قلبها، ولم تكتف بالدعاء، بل أخذت بالأسباب وسعت من جبل إلى جبل".

كما نلاحظ هنا أن الطواف حركة دائرية ومحورية، بينما السعي حركة أفقية، وذلك لأن الحركة الدائرية خصوصيتها انه لا نهاية لها، فالتمحور حول الله أمر لا نهاية له، فينبغي للإنسان التمحور حول الله إلى ما لا نهاية والاستمرار من دون انقطاع، بخلاف السعي فإنه السعي للكسب الدنيوي تتخلله حالات من الراحة والانقطاع، فلذلك نجد أن الطواف لا تجوز الراحة أثناءه، فبالإضافة لكونه حركة دائرية ومحورية لا بداية أو نهاية لها، كذلك أن العالم الفقهي هو انعكاس للعالم الروحي، ونتاج لعالم الباطن، فالطواف لا تجوز فيه الراحة إلا اضطرارا، بنقيض السعي المباحة فيه الراحة، كما أن الطواف تشترط فيه الطهارة لأنه عبادة، بينما السعي لا تشترط فيه الطهارة لأنه إيحاء إلى عمل دنيوي، وليس عبادة بالمعنى الأخص.

مراحل تكامل الإنسان

ويعدد المبارك مراحل تكامل الإنسان عندما ينتقل الحاج إلى عرفة ثم المشعر ثم منى، وجميع هذه الأعمال الثلاث مترتبة، ويمكن تفسيرها على هذا النحو "المعرفة، الشعور والنتيجة، وهذه مراحل تكامل الإنسان التي تبدأ بالمعرفة والشعور الذي لا ينبني على معرفة، هو شعور مدمر ومضطرب ومشوش في الغالب".

وبالتالي فإن إشكالات مجتمعنا - بحسب المبارك - تتلخص في الخلل في بنية الوعي"البنية الفكرية" ليس في خصوصيات الأشخاص، وليست في انعدام الحمية الدينية، ولكن هذا الخلل يكمن في البنية الأساسية وهي المعرفة.

كما نلاحظ أن عرفة تجمع ويقال "عرفات"، ولكن المشعر لا يجمع، فيقال "المشاعر" لمجموع الأماكن، وثانيا أن "عرفات" لا توصف بالتقديس، فلا يقال عرفة الحرام، بينما المشعر يوصف بالتقديس فيقال "المشعر الحرام"، وجمع عرفات يمكن أن نستخلص منه أمرين: الأمر الأول أن المعرفة التي تحصل في عرفات ليست هي المعرفة الناتجة عن طريق التأمل، فهناك عدة طرق للمعرفة، فمن طرقها ما يدعو إليه الربانيون مثل الانعزال والخلوة وتزكية النفس، كما من طرق المعرفة الاختلاط بالناس، واخذ التجارب والاستماع إليهم، وكلا الطريقين جديران بالاهتمام، والاقتصار بأحدهما على حساب الآخر يؤدي إلى خلل؛ لان احد الطريقين يؤدي إلى معرفة لا يؤديها الطريق الآخر، ولا يستغني الإنسان عن كلا الطريقين.أما النقطة الأخرى وهي أن جمع "عرفات" هو إيحاء لتعدد المعرفة، فالاختلاف في الرؤى والأفكار هو أساس تكامل المعرفة، ومحاولة السير بالمجتمع إلى فكر أحادي محاولة ليست مثمرة وليست ذات نتيجة، وبخلاف طبيعة التكوين، والتضاد هو أساس التطور.

تعدد المعرفة ووحدة الشعور

وخلاصة القول "إن عرفات عبارة عن تعدد المعرفة، لكن هذه المعرفة المتعددة لا تعني تعدد الشعور، فالمشعر واحد، وبعبارة أخرى إن الحال القيمية واحدة، وفي نظري - كما أشار إليه بقوة الفيلسوف الكبير ملا صدرا - أن الشكلية فقهية مادامت صادرة عن رأي فقهي"، والمعرفة لا تقسم على أساس التقديس والتنديس فهي حال حيادية تماما، لكن الشعور هو الذي يوصف بالتقديس والتدنيس، كما علينا أن نلتفت إلى أن الشعور هو المحرك في الأمم والأفراد.

وفي حال اكتمال المعرفة والشعور تكون النتيجة هي الوصول ويعني قدرة الإنسان على دفع الشرور والمتجسد في"الرمي"، ثم القدرة على "الفداء" وإزالة الأدران وهي نتاج طبيعي لاكتمال الفطرة والشعور، ونلاحظ أنه يبدأ يوم العيد برمي العقبة "الجمرة الكبرى" وهذه نقطة مهمة؛ لأن الآلية الناجحة لدفع الشرور هي الابتداء من الأساس، فعندما يجتث الإنسان الشر من نفسه فعليه أن يبحث عن أصل الشر "أم الخبائث" ويضربه ثم تسهل عليه بقية الخصوصيات.

والمحطة الأخيرة هي رجوع الحاج إلى مكة بعد أن أكمل أعمال السعي والطواف ويطوف، فهذه فرصة للحاج ليقارن بين طوافه ما قبل الحج، وطوافه ما بعد الحج، وهل حصل على حال من التغير والتحول، والخلاصة "أن الحج عبادة مليئة بالرموز، وعبادة ذات بطون، والحاج الذي استفاد من حجه، هو الذي يجعل فكره منصبا في فك تلك الرموز، و في تفسير تلك الشعائر والعبادات مع الحفاظ المعتدل على الأحكام الفقهية دون الوسوسة والاستغراق في الشكليات على حساب مضامين الحج".

 

هذا المقال من صحيفة الوسط

http://www.alwasatnews.com

 

تقرير ميداني

الشيخ حميد المبارك بمجلس الشيخ الجمري

الحج عبادة رمزية.. ومن الأكمل أن يستوعب الحاج الأغراض الروحية لها

 

كتب - وسام السبع:

استعرض الشيخ حميد المبارك عددا من المفاهيم الروحية المتصلة بفريضة الحج، ووصف فريضة الحج بأنها من اكبر العبادات رمزية في الإسلام ودعى الشيخ المبارك إلى عدم الاستغراق في العناية بالشكليات في العبادات على حساب الغرض الذي شرعت من اجله، وقال بأن للعبادات في الإسلام أغراض وأهداف من أكمل للمسلم أن يقف عليها ويستوعبها، مع الإيمان والتسليم بأهمية مراعاة المعايير الشرعية وأحكام الفقه، فمن الواجب مثلا أن يحيط الحاج بالأحكام الفقهية للحج، ولكن من الأكمل أن يستوحي الدروس والعبر والأغراض الروحية للحج. جاء ذلك ضمن محاضرة للشيخ المبارك تحت عنوان الأبعاد المعنوية للحج بمجلس الشيخ الجمري ببني جمرة.

الحج بين أداء

"الواجب" و "الأكمل"

وتحدث الشيخ حميد عن الحج وقال انه من أكثر العبادات رمزية، فنلاحظ أن الصلاة مثلا لها مراتب وبطون ولكن إيحائيتها العامة مباشرة فالمصلي يمارس حركات خضوعية لها دلالات مباشرة بخلاف الحج الذي له دلالات عامة ورمزية في الغالب، فدلالة الطواف والسعي والوقوف بعرفة ليست كالدلالة الواضحة التي للصلاة، ومن هنا تنبع أهمية أن يستوعب الحاج المرامي والأغراض الروحية العميقة للحج، ويجب على الحاج أن لا يستغرق في الشكليات على حساب جوهر العبادة، فإذا اقتصر المرء على أداء شكليات العبادة فقد أدى الواجب الفقهي، ولكن لم يستحصل على الغرض الحقيقي من هذه العبادة.

ويضيف المبارك: الإمام الغزالي في القرن الخامس وضع كتابا اسماه إحياء علوم الدين، وقد أوضح فيه الأخلاق العامة وأسرار العبادات ومعنى ذلك أن علوم الدين متصلة اتصالا وثيقا بعلم الأخلاق، ومن الخطأ تصور الدين معنيا فقط بالأمور الشكلية في تنظيم أحكام العبادات، فالإمام الغزالي يقول أن العبادة الشكلية عبادة ميتة من دون الوقوف على أسرارها وأغراضها.

تفكيك رموز

الحج وأبعاده الروحية

ويضيف الشيخ المبارك ومن خلال جولة سريعة يمكن أن نقف على تفكيك بعض رموز الحج، ورمزية الحج تعني بالطبيعة إمكانية اختلاف تفسيره، فمثلا عندما يقف الحاج لينظر إلى الكعبة المشرفة عليه أن يتذكر أن هذا البيت هو بيت عتيق أي عتق من سلطة البشر ومالكيتهم وهو ما يجسد مفهوم التوحيد.

وعند الصلاة في مقام إبراهيم بعد الطواف على الحاج أن يتذكر مقام الولاية وان الولاية هي الرابطة بين الخلق والخالق، والولاية هنا لا تعني الإمامة بالخصوص وإنما تعني الإنسان الموحى إليه.

وفي مقام استعراض فلسفة الطواف والسعي يقول المبارك الطواف رمز لعبادة الله، ويكون في حركة دائرية أي انه ليس له بداية ولا نهاية وفي ذلك فلسفة لعبادة الله التي يجب أن تكون مستمرة، وفي الطواف تكون الموالاة والاستمرارية والطهارة واجبة بخلاف السعي الذي هو يرمز إلى الكسب الدنيوي لذا نلاحظ أن له بداية وله نهاية ولا تجب فيه الطهارة ولا الموالاة فيجوز للساعي أن يستريح متى ما شعر بالتعب وهي كلها من صفات الكسب الدنيوي.

ويضيف المبارك: وبالانتقال إلى عرفة ثم المشعر ثم منى يمكن تفسير كل ذلك بالمعادلة التالية: أولا المعرفة ثم الشعور ثم النتيجة ويقول: إننا نلاحظ أن عرفة تجمع فيقال عرفات لكن المشعر لا يجمع، ثم أن عرفات لا توصف بالتقديس فلا يقال عرفات الحرام وفي ذلك إشارتان: الأولى أن المعرفة التي تحصل في عرفات ليست معرفة تنتج بالتأمل والانفراد، إنما هي معرفة جمعية تحصل بالاختلاط والمشاركة الإنسانية مع الآخر، كذلك فإن جمع عرفات يشير إلى ضرورة تعدد المعرفة، فالاختلاف في الرؤى والأفكار هو أساس تكامل المعرفة البشرية وأساس تقدم الأفكار وتطورها.

أما في المشعر الحرام، وهو ما نقرؤه في الشعور فهي واحدة ومقدسة، كما أن المشعر الحرام مفرد ويوصف بالتقديس وكأنما هناك دعوة إلى أن يكون المسلمين جميعا مختلفين في المعرفة لكنهم متفقون في الشعور والحالة القيمية، وفي حين أن المعرفة ليست مقدسة بينما الشعور يمكن أن يوصف بالتقديس والتدنيس.

أما النتيجة - يضيف المبارك - فهي الوصول، والوصول يعني القدرة على الرمي وإزالة الأدران والتي تتمثل في الحلق والتقصير والفداء، ثم يرجع الحاج إلى مكة أخيرا لكي يطوف حول الكعبة وهي فرصة للحاج لكي يقارن نفسه بين طواف ما قبل الحج وطواف ما بعده.

آخر تحديث للمقال في: 23-1-2004

 

 مصدر المقال: صحيفة الأيام - www.alayam.com