رجال الأعمال وممارسة العمل السياسي

 

كلمة مقدمة من السيد / عادل حسن العالي

 

بتاريخ:21-6-2004م

اليوم: الإثنين

المكان: مجلس سماحة الشيخ عبد الأمير الجمري

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

رجال الأعمال وممارسة العمل السياسي

 

من الواضح أن موضوع دور رجال الأعمال في ممارسة العمل السياسي يفرض نفسه بقوة هذه الأيام وخصوصاً بعد أن بدأت التجربة البرلمانية إذ واجه هذا القطاع الكثير من الاتهامات في حين لم يجد أي جهة تصغي له. وقد حاول هذا القطاع في الماضي المشاركة في صنع القرارات السياسية ذات العلاقة الاقتصادية ولكن بدون جدوى وقد قامت بعض المؤسسات بالامتناع عن الاستثمار في البلد مما كان له الأثر البالغ في الأوساط السياسية ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو عزوف رجال الأعمال عن استثمار أموالهم في البلد هل هو قرار سياسي أم اقتصادي؟

 

إن العزوف عن الاستثمار لاشك أنه نابع من قناعة بعدم الاستقرار السياسي، لأن المستثمر لا يرغب في الاستثمار والمخاطرة في بلد لا يوجد فيه استقرار سياسي وأعتقد أن أحد أهم دوافع المشروع الإصلاحي هو خلق الاستقرار السياسي لجذب الاستثمار. نحن نرى الآن نصب أعيننا التأثيرات الاقتصادية السلبية من جراء عدم الاستقرار السياسي في الدول المجاورة.

هناك أسباب وضغوط عديدة مباشرة وغير مباشرة أجبرت القطاع الخاص على التفكير في ممارسة العمل السياسي.. منها قناعة القطاع بأن الاقتصاد جزء من السياسة، بل هو أصبح السلاح الفاعل في تأثيره على السياسة، وحتى القوانين والتشريعات التي تصدرها الكثير من الدول.

لا نذهب أو ننظر بعيداً، نأتي إلى مثال بسيط وملموس.

 

لو شركة كبرى أجنبية جاءت للاستثمار في البحرين، وأصرت على تشغيل بحرينيين بنسبة 10% فقط، وإلا فإنها سوف تستثمر في بلد آخر.

 

** فكيف ترون أيها الأخوة الرد .. أو ردة الفعل .. ؟

..................................................

ومثال آخر, لو جاءت شركة بحرينية عمرها عشرات السنين وطلبت معاملتها بمثل ما عوملت به الشركة الأجنبية، فما هو الرد .. ؟

.................................................

في كلا الإجابتين .. أسأل ..

                                هل الموقف أو القرار في كلتا الحالتين هو موقف أو قرار سياسي أم لا.

...........................................

ما أردت أن أصل إليه .. هو التأكيد بأن الاقتصاد هو جزء لا يتجزأ من السياسة.

 

** هناك عوامل واعتبارات تفرض اهتمام وممارسة رجال الأعمال للسياسة.

 

             إنّ قطاع رجال الأعمال لم يكسب ثقة الحكومة، فالحكومة لا زالت تمتلك حصة الأسد في النشاط الاقتصادي من خلال ملكيتها أو حصصها في الكثير من البنوك والشركات والصناعات والعقارات، وهي التي تختار ممثليها في مجالس إدارات هذه الشركات، وهي أسماء تتكرّر في الغالب في العديد من الشركات .. ولها تأثير مباشر على سياسات التوظيف والتدريب، ولم ألمس طرح أي جمعية أو مؤسسة من مؤسسات المجتمع المدني لهذا الموضوع لا يدخل ضمن اهتمامات هذه الجمعيات ؟ بل الأدهى والأمر أن الحكومة تدخل كمنافس للقطاع الخاص في الكثير من المشاريع، بدلاً من أن تشجع هذا القطاع وتدفع به إلى الأمام.

             الوسط الشعبي، أو الشارع لم يستوعب ميكانيكية عمل القطاع الخاص ودوره الإيجابي في المجتمع، ( مشكلة الرمل + قضية مجمع السيف + مخالفات السياقة الثقيلة + مخالفات السلامة ... الخ ) ومساهماته في التوظيف وو.

             الشعور العام في أوساط أصحاب الأعمال بأن القضايا المتعلقة بالشأن الاقتصادي والتي تهم شئون ومصالح القطاع الخاص  لم تحظى بالاهتمام والعمق المطلوبين في المجلس النيابي.

 

             إن معظم الأخوة أعضاء المجلس النيابي الحاليين المحسوبين على القطاع الخاص، لم يدخلوا المجلس كونهم رجال أعمال للتعبير عن مرئيات ومواقف هذا القطاع في المجلس، بقدر ما كان هذا الدخول مرتكزاً على اعتبارات الإنتماء لهذه الجمعية أو تلك من الجمعيات الدينية أو السياسية، ولعل هذا ما يفسّر لنا تعامل هذه الفئة من أعضاء المجلس النيابي مع بعض القضايا الإقتصادية المهمة والتي لها تبعات كان ينبغي التعامل معها بوعي مثل كثرة العطل الرسمية وموضوع الحد الأدنى للأجور.

 

هذا الموضوع تحديداًَ ربما لدواعي قد يكون من ضمنها الإستعداد للإستحقاق للإنتخابات النيابية المقبلة، أو كسب صوت الشارع قام بعض النواب بطرحه دون دراسة وافية، أو حتى استيعاب كامل لإيجابياته وسلبياته، ونذكر بأنّ هناك مؤتمراً موسعاً قد عقد قبل أكثر من عام حضره وزراء واقتصاديين ورجال أعمال وممثلين عن جميع قطاعات المجتمع البحريني ومؤسساته المدنية، هذا المؤتمر لم يجرأ أحد فيه أن يتبنّى توصية بوضع حد أدنى للأجور، وكل ما استطاع هذا المؤتمر تبنيه هو إعداد دراسة للموضوع، والشروط المرجعية لهذه الدراسة كلّف بوضعها عدد كبير من الشخصيات الممثلة لمختلف القطاعات،أما أن يأتي بعض النواب ويتبنّون رفع الأجور ضمن مشروع حد أدنى للأجور دون دراسة الوضع الإقتصادي، والأوضاع الراهنة لقطاعات أصحاب الأعمال لكسب تأييد الشارع أو لغير ذلك من المبررات فهذا يعكس عدم الوعي بالتعامل مع هذا الموضوع الذي لا نعلم ما إذا كان مقصوداً به المواطن فقط، أو مشمولاً بالعامل الأجنبي، فإذا كان مقصوراً على المواطن فإنّ هذا سوف يُشكل مخالفة لقوانين وأنظمة دولية، هذا إن لم يذهب البعض إلى اتهامات البحرين بخرق مبادئ حقوق الإنسان. وإذا كان التوجّه يشمل الطرفين العامل البحريني والأجنبي معاً، فإنّ السؤال، هل يدرك أصحاب هذا الإقتراح كم هو حجم تحويلات الأموال للعمال الأجانب. إنّها تقدر بأكثر من 300 مليون دينار، والإقتراح سيضاعفها، ومن المؤسسات من يوظف من 1000 إلى 3000 عامل فالأعباء المالية الإضافية عليها ستتجاوز ملايين الدنانير، فهل يترك مثل هذا القرار لفئة قد لا تدرك أبعاده التي قد تؤدي إلى هجرة  هذه المؤسسات؟!

في الختام أقول.. بأنّ رجال الأعمال في هذه الفترة وفي ضوء المعطيات والاعتبارات التي أشرت إليها، يبحثون عن جهة فاهمة ومتفهمة للدور الاقتصادي وارتباطه بالنشاط السياسي، وتأثير هذا الدور وهذا النشاط الايجابي على المجتمع، لكي يتحالفون معها، لخلق الأجواء المناسبة للاستثمار ووضع الضوابط والحدود الواضحة للعمل الاقتصادي الذي يراعي أسس العقيدة السمحاء والعرف والتقاليد.

وأريد في الختام أن أحذّر من أنّ كثير من توسعات المؤسسات الوطنية مع الأسف تنشأ في دول مجاورة وذلك بسبب الضغوط والممارسات الخاطئة على القطاع الخاص.

ولأننا في عصر المعلومات والاتصالات والمواصلات والأسواق المفتوحة، فإنّ ذلك قد أدى إلى سهولة انتقال المنشآت الصناعية من بلد إلى آخر. وعليه فإنّ حكومات الدول الصناعية أصبح تركيزها الحفاظ على بقاء المنشآت المحلية قبل التفكير في استقطاب الاستثمار الأجنبي، وعلى سبيل المثال : فإنّ قانون العمل في القطاع الأهلي ينص على التأهيل والتدريب للعمالة البحرينية، وهي النظرة السليمة طولية المدى، وليس التوظيف العشوائي الغير مدروس، ولكن للأسف النظرة العامة تطالب بمثل هذا التوظيف بدلاً من التركيز على التأهيل خاصة في مرحلة تنافس حادة تكون فيها المهارات والتأهيل هو أساس متطلبات عمل القطاع الخاص وبقاءه.

 

كما أدعو الوسط الشعبي بما في ذلك النقابات العمالية الانتباه للقرارات التي تبنى على اعتبارات سياسية في محاولة مواجهة مشكلة البطالة، وهي قرارات مسكِّنة تكس فشل الحكومة في تطبيق قرارات اقتصادية سليمة لمواجهة ومعالجة هذه المشكلة.

لذا أدعو اتحاد النقابات، والنقابات إلى وضع وتبني الخطط والدراسات العمالية بالتعاون مع القطاع الخاص من منطلق الشراكة بينها والمصلحة الوطنية التي لا شك في أنّ كل طرف ينظر لها بعين الاعتبار، كما أدعو هذا العدد الكبير من الجمعيات للإتجاه إلى التخصص في أهدافهم ولاسيما في مجال المال والأعمال فللقرارات الاقتصادية الخاطئة إحباطات في المجتمع أشد سلباً من السياسات البحتة الخاطئة فكم من دول لا تملك من الموارد الطبيعية شيئاً تعيش أرقى المستويات بحكم قراراتها الاقتصادية السليمة، وكم من دول تكاد تكتظ من الموارد الطبيعية ويعيش أهلها حياة الفقر واليأس.