بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

قراءة في مشروع قانون مكافحة الإرهاب

 

بمجلس الشيخ الجمري

المحامي/ عبدالله الشملاوي

 البحرين في 2005.4.18

 قراءة في مشروع قانون مكافحة الإرهاب

بمجلس الشيخ الجمري

 

 

وسنتناوله في بنود ثلاثة :-

أولا: مبدأ المشروعية الجنائية.

ثانيا: الرقابة الدستورية على ملائمة وبواعث التشريع     الجنائي.

ثالثا: مفهوم الإرهاب في الفقه القانوني المقارن.

رابعا: التعليق على بعض نصوص مشروع قانون مكافحة الإرهاب.

خامسا: الخلاصة.


 

قراءة في مشروع قانون مكافحة الإرهاب

أولا: مبدأ المشروعية الجنائية:-

- إنّ حماية الحرية الفردية مطلب لتحقيق سيادة القانون؛ وهو ما يعرف بمبدأ المشروعية الذي تقوم عليه دولة القانون، بل أن الدولة لا تقوم إلا لتأكيد وجود الحقوق والحريات في مواجهة السلطة العامة. وتجاوب الإنسان مع مجتمعه لا يتحقق إن لم يكن إنساناً حرّاً يثق في نفسه وفي كيانه، متمتعاً بالكرامة؛ مما ينبغي معه ألا يفضي تدخّل الدولة بمؤسساتها الدستورية المختلفة لحماية الصالح الاجتماعي ماسّاً بحرية الفرد؛ ذلك أنّ حماية الحرية الفردية وتنظيم الدولة للصالح الاجتماعي يجب أن يعملا معاً؛ مما يتطلب إقامة التوازن بين الحرية والسلطة، ومن هنا نشأ مبدأ المشروعية الجنائية، أو ما يعرفه الميثاق العالمي لحقوق الإنسان، وكـافة دسـاتير العـالم: بقاعدة: لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص. ويستند هذا إلى حصر مصادر التجريم والعقاب وثباتها بنصوص قانونية محددة يلتزم القاضي بتطبيقها.

وقد عرفت البشرية هذا المبدأ، لكنها ظلت في الغالب معرفة لفظية، إذ كثيراً ما ينحرف التشريع عن الغاية التي شرع المبدأ من أجلها، ألا وهي كفالة الممارسة الطبيعية للحقوق والحريات الفردية، فتصادر هذه الحقوق لصالح أنظمة شمولية تستخدم القانون لتحقيق غاياتها في الاستحواذ والتسلط، مع أن أصل المبدأ هو استناد إلى ضرورة توافق النصوص المثبتة للجرائم والعقوبات المقررة لها مع حماية الحقوق والحريات الفردية على نحو يكفل الممارسات الطبيعية لحقوق الأفراد وحرياتهم.

* وإنّ من نتائج مبدأ المشروعية، أن يلتزم المشرع بالوضوح والبيان عند صياغته للنصوص القانونية من حيث تحديده لقواعد التجريم، كبيانه لأركان الجريمة وطبيعة النشاط الذي تتشكل منه الجريمة، وكذلك من جهة تحديد الجزاء المقرّر للجريمة من حيث نوعه؛ لأنّ عدم التزام المشرع لهذا القيد يفتح الباب واسعاً للاجتهاد والخروج عن معنى النص وفحواه؛ مما يفضي للخروج عن مبدأ الشرعية واعتداء على الحرية الفردية وتغدوا أهمية هذا القيد عندما يتصدى المشرع لتعديل النصوص بالتجريم والعقاب؛ إذ يصبح الالتزام بالوضوح والبيان أكثر أهمية حتى يكون المخاطبون بتلك النصوص على علم حقيقي بمحتواها ومفادها؛ بوصف أنّ هذا هو هدف الشرعية في قانون العقوبات، وهو ما عبّرت عنه المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في حكم لها سنة 90، بأنّه لا يجوز أن يكون نفاذ النص مرتبطاً بمعايير شخصية أو أن تخالفها الأهواء بل أن تصاغ بشكل يحول دون تباين الآراء حول مقاصدها. وتقول المحكمة الدستورية المصرية في حكم لها في القضية رقم 22/8 دستوري بتاريخ 22/1/92: إنّ الأفعال التي يؤثّمها قانون العقوبات يجب أن تكون محددة بصورة قاطعة وأن تكون جلية واضحة، فإذا شاب النص الجنائي غموض أو إبهام وجب على من يفسِّره أن يتقيّد بدلالة الألفاظ من خلال العلة التي تعرض لها المشرع في الجريمة والعقاب، وإذا كان اللفظ هو نقطة البداية، فإن قصد المشرع هو نقطة الوصول، واضعاً نصب عينيه مبدأ أنّ الشك يفسر دائماً لصالح المتهم بوصفه الطرف الضعيف.

   ومن المبادئ المقررة في الفقه الجنائي المقارن أنه لا يلاحق شخص جنائياً إلا إذا دخل في مرحلة فهو تنفيذ الجريمة،  فقرار شخص بأن يسرق أو يزوّر أمر خارج التجريم، ومن ثم خارج العقاب حتى لو أعد لما فكر فيه عدته، وهو ما يعرف قانوناً بالأعمال التحضيرية، فلو اشترى أحدٌ مسدساً وتدرّب على إطلاق النار، وتربّص لعدوه، ثم انصرف، فلا تثريب عليه، وهو ما يعرف قانوناً بالعدول الطوعي. وقد عبّر عن ذلك أمير المؤمنين (ع) بقوله لا قصاص إلا بعد الجناية.

أما في مادة الإجرام السياسي أو ما يعرف بجرائم الخطر فإنّ المشرِّع ذهب مذهباً آخر، فعاقب على التحضير، على أساس أنّه ليس من الحكمة أن ينتظر الحاكم حتى يباشر من أعد للجريمة تنفيذ جريمته؛ لأنه قد يسارع في التنفيذ ويضرب وينجح في هدفه، خصوصاً وأنّ الانقلابات والثورات تبدأ بفعل يعد إجراماً في ظل القانون ثم إذا نجحت حصلت على غطاء المشروعية بسبب النجاح، والاستحواذ الواقعي بالسلطة وصارت مخالفتها جريمة؛ ذلك أنّ للسياسة منطقاً لا يخضع للمنطق.

ولقد أصبح الإجرام السياسي يرتدي طابعاً أخطر كثيراً مما مضى من الوقت، وبعض جرائمه تعرض سلامة الأمة كلها لخطر محدق، وهذا الجانب من الإجرام يجب أن يعاقب بحزم، على أن تتم هذه المعاقبة وفق القانون. ثم أن وجود حكم مستقر وعدالة اجتماعية يجد فيها الإنسان ما يؤمن له عيشا كريما من ضروريات الحياة وقسطا متزايدا من كمالياتها، يساعده على رفع مستوى معيشة أسرته، كفيلا بخنق بذور الإجرام السياسي من المهد، أو المساعدة على الإقلال من ارتكابه إلى أبعد حد.

ويهدف القانون الجنائي إلى إرساء السلام وحماية النظام، ووسيلته إلى ذلك هي العقوبات الرادعة. والغاية القصوى من التجريم والمعاقبة هي حماية الإنسان كفرد والناس كأفراد يكونون المجتمع، من خلال الموازنة بين المصالح المتعارضة. ولقد عمدت دول أوروبا الشرقية إلى تعديل قوانينها العقابية لتتواءم مع تحولها من النظام الشمولي إلي الديموقراطية واحترام حقوق الإنسان. ولكن قد تستجد ظروف استثنائية فيلزم أن يتدخل المشرع لضبط السلوك الاجتماعي بتشريع استثنائي، وحتى يتحقق له ذلك لابد من أن ترتكز الظروف الاستثنائية لأساس فلسفي ودستوري يجيز التصرف بطريقة تجافي القواعد الواجب إتباعها في الظروف الاعتيادية.

ثانيا: الرقابة الدستورية على ملاءمة وبواعث التشريع الجنائي:-

لقد عني المجلس الدستوري في فرنسا مند عام 1970 بإقامة مبادئ سلطات الأزمة بما يتفق مع الدستور وأكد أن واجب الدولة هو كفالة لاحترام مؤسسات الدولة واستمرار حياة الأمة وضمان حقوق وحريات المواطن، وأن المهام الدستورية تقع بوجه خاص على السلطة التشريعية، وعلى رأس الدولة وعلى الحكومة، كل في حدود اختصاصه. وفى سبيل ذلك يكون للمشرع، في حالة الضرورة، أن يجرى توازنا ضروريا يبن احترام وحماية النظام العام الذي لا يمكن بدونه كفالة الحريات وبين ممارسة الحريات، بشكل لا حيف فيه. وقد طرح الأستاذ الفقيه الدكتور عبد الرزاق السنهوري نظرية في نطاق الرقابة على دستورية القوانين؛ إذ يرى وجوب النظر فيما إذا كان التشريع يخالف روح الدستور، أي يعتوره عيب الانحراف في استعمال السلطة التشريعية. وقد أثارت هذه النظرية لغطاً كثيراً في الفقه الدستوري بين مؤيد ومعارض، ونحيل بشأنها إلى الدراسات المتعمقة بهذا الشأن لمن أراد التفصيل، ولكن يمكن التعرض لبعض ملامح هذه النظرية الرائدة ولبعض صورها التي تتعلق بموضوعنا.

  فقد أسس العلامة السنهوري نظريته على القياس، حيث قاس فكرة الانحراف التشريعي على فكرة الانحراف الإداري، ورتب عليه سلطة القضاء الدستوري في إلغاء القانون الذي يخرج عن روح الدستور. ومعياره في ذلك المصلحة العامة التي يجب أن يتوخاها المشرع دائماً في تشريعاته، وكذلك الغاية المخصصة المرسومة لتشريع معين، وضرب لذلك فروضاً منها:

o     كفالة الحريات والحقوق العامة في حدودها الطبيعية: خصوصاً بالنسبة للحريات المطلقة كحرية الاعتقاد وعدم جواز إبعاد المواطنين، أو تسليم اللاجئين السياسيين.

o     احترام الحقوق المكتسبة وعدم المساس بها في غير ضرورة أو من غير تعويض.

o     مخالفة التشريع لمبادئ الدستور العليا والروح التي تهيمن على نصوصه، وهو ما يمكن أن يستخلص من مجموع نصوص الدستور والفلسفة التي أقيم عليها، كالمساس باستقلال القضاء أو بحق التقاضي.

وهنا يثور تساؤل مفاده هل يجوز للقضاء الدستوري رقابة مدى ضرورة التشريع، أو ملاءمته، أو بواعثه ؟

ونجد الإجابة في أنه استقر القضاء الدستوري المصري على أنه لا يجوز نظر مدى ضرورة التشريع؛ لأن في ذلك تعد على اختصاص صاحب السلطة الأصيل في التشريع، وهي السلطة التشريعية المنتخبة، ويخضع لتقديراتها وحدها دون رقابة من القضاء الدستوري في ذلك، وكذلك الحال مع ملاءمة التشريع؛ إلا أن ذلك لا يعني إطلاق يد السلطة التشريعية في التشريع دون التقيد بالحدود والضوابط التي نص عليها الدستور، كأن يتخذ المشرع العادي من التشريع وسيلة إلى حظر الحق أو إهداره، أو التعدي على جوهره أو النيل منه، وهو ما يمكن تطبيقه على التشدد والصرامة الواردة في ثنايا مشروع قانون الإرهاب محل حديثنا فإن أقل ما يعتوره هو عيب عدم الملائمة والتطويح بالحقوق من خلال الصياغة الفضفاضة لنصوصه، وهو عيب في ذاته ينافي حسن الصناعة التشريعية حتى أنه يمكن القول بأن من أعد المسودة ليس صائغاً بل ربما كان حداداً، ولقد نظرت المحكمة الدستورية العليا المصرية نظرت في مدى تجاوز التشريع للحدود المنطقية في الجزاءات ومدى ملاءمتها مع الفعل المؤثم، مراقبة بذلك عمل السلطة التشريعية.

ثالثا: الإرهاب في الفقه القانوني المقارن:-

ولقد كان الفكر القانوني متسامحا مع المجرم السياسي على أساس أن جريمته وليدة دافع شريف؛ ولهذا لم تكن تطبق عقوبة الإعدام إلا على المجرم العادي، فلا إعدام لمجرم سياسي، بل كان يعتقل في قلعة، أي لا تطبق عليه حتى عقوبة الأشغال الشاقة، كما تقرر ذلك في ايطاليا عام 1850. وعلق الفقه على عقوبة الاعتقال في القلعة بأنه تدبير للأمن أكثر منه إقامة للعدل؛ لان واضع ذلك القانون أراد أن يتخلص من خصومة السياسيين الذين يحدثون الاضطرابات، وليحمل الناس على نسيانهم، أبعدهم عن الساحة العامة، وليعذبهم نفسيا؛ لأن الحنين إلى الوطن أشق على النفس من العمل الشاق.

ثم جاءت الفاشية على يد موسليني ووضعت سنة 1921 قانونا ذي مذهب سياسي هو الفاشية وطوحت بالميزات التي كانت تعطي للمجرم السياسي؛ على أساس أن للدولة حياة مستقلة أسمى من حياة الأفراد، وأنه لا وجود للفرد إلا داخل الدولة وأنه مرتبط بمصالحها وضروراتها؛ ولذلك لا بد من تضييق رقعة الحرية كلما تلبست أشكالا أكثر تعقيدا. وقد قرر موسوليني حرمان المجرم السياسي من الملجأ، وابتدع جرائم كالازدراء بالأمة الإيطالية وعلمها أو أي شعار لها ورفض تقادم الجرم السياسي، وقرر معاقبة من لا يخبر السلطة بجرم موجه ضد شخصية الدول، باعتبار افتراض تضامن كل فرد مع الدولة، ولتضامنه ذاك يجب أن يكون رقيبا على الناس. وقد تسلل بعض هذا التشدد الفاشي إلى فرنسا الديموقراطية، فجاءت جرائم بتعريفات فضفاضه، كالاعتداء على السلامة والوحدة الوطنية، والمساس بمصلحة البلاد

وكل ما من شأنه الأضرار بالشعب، وتسلل ذلك النفس الفاشي إلى التشريعات العربية حين أخذت مصر قانونها أيام حكومة صدقي من فرنسا وايطاليا، ومن ثم سرت تلك العدوى إلى باقي القانونين العربية وتشددت في قوانينها العقابية كما يظهر ذلك في القانون المصري، والبحريني. ويجد المضطلع على مسودة قانون الإرهاب درجة التشدد التي تصل أحيانا إلى حد التشنج والانفعال الذي يظهر في سائر نصوص المشروع من حيث التعميم أو الإسراف في العقاب، أو في القيود على حرية التقدير من لدن القاضي، وهو ما سنتعرض له ببعض التفصيل في البند رابعا أدناه.

ويبحث هذا الفكر القانوني الإرهاب ضمن الإجرام السياسي باعتباره جرما يقصد به إثارة الذعر والإخافة للوصول إلى هدف أو غرض سياسي، فهو نشاط يقصد مباشرة إلى بث الذعر والإخافة، ويهدف إلى تغيير أوضاع الحكم رأسا على عقب، ويعرف الفقيه الفرنسي إلوازي الإرهاب السياسي بأنه قلب الأوضاع القانونية والاقتصادية التي تقوم عليها أسس الدولة.

وأول محاكم طبقت العقوبات على الإرهاب كانت محكمة روبسبير في فرنسا سنة 1793 وصدرت أحكام بالإعدام في 49 يوما على 1380 شخص ونفذت فورا .

* وقد صدر بيان الإرهاب الفوضوي في لندن عام 1890 وسمي بالإنذار وقال أصحاب البيان بأن الوسيلة التي يجب أن تستخدم لتحقيق أهدافهم تعتمد على السرقة والقتل والحريق لإرهاب المجتمع وتمزيق أوصال السلطة، وكان رد الفعل الحكومي على حركة الفوضويين شديدا فنادوا بدوهم بأن الموت بالموت وأصيبت الحكومة بالرهبة، بعد نسف قطار القيصر في روسيا أكثر من مرة وتدمير جانب من قصره.

وجاءت أعمال مؤتمر جنيف ثم كوبنهاجن عام 1935، وكانت مشحونة بالحقد إثر اغتيال الأسكندر الأول ملك يوغسلافيا والمسيو بارتور وزير خارجية فرنسا بأيدي الإرهابيين الصرب، فاعتبرت إرهابا الأفعال التي من شأنها أن تحدث خطرا عاما أو حالة إرهاب إذا كان من شأنها أن تحدث اضطرابا في العلاقات الدولية، وبصورة خاصة أن تعرض السلم للخطر، وبتحليل جرم الإرهاب نجده كما يلي:-

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

الإرهاب                 السيطرة                 نتيجة الفاعل

 

 

الخطر العام والخوف العظيم من شر واقع أو قادم

والإرهاب لا يقع لغاية الإرهاب بل للسيطرة

القصد الجرمي وهي الغاية من الإرهاب

وقد أخذ كل من المشرع الجنائي السوري واللبناني في موضوع الإرهاب بقرار مؤتمر جنييف لعام 1892 - وعرف قانونا العقوبات السوري واللبناني في المادة 304 الأعمال الإرهابية بأنها: ( جميع الأفعال التي ترمي إلى إيجاد حالة ذعر، وترتكب بوسائل كالأدوات المتفجرة، والمواد الملتهبة، والمنتجات السامة أو المحترقة، والعوامل الوبائية أو الجرثومية التي من شأنها أن تحدث خطرا عاما). وعاقب على المؤامرة التي يقصد منها ارتكاب عمل أو أعمال إرهاب بالأشغال الشاقة المؤقتة، كما وعاقبا على ارتكاب كل عمل إرهابي بالأشغال خمس سنوات على الأقل، وإذا أفضى العمل الإرهابي إلى تخريب، ولو كان جزئيا، في بناية عامة أو مؤسسة صناعية أو سفينة أو منشآت أخرى أو التعطيل في سبل المخابرات والمواصلات والنقل، فإن الفاعل يعاقب بالأشغال المؤبدة، أما إذا أفضى الفعل إلى موت إنسان، أو هدم البناء بعضه أو كله، وفيه شخص أو عدة أشخاص فإن العقوبة هي الإعدام.

وشدد القانون على أن الجمعيات التي تنشأ لتغيير كيان الدولة الاقتصادي أو الاجتماعي أو أوضاع المجتمع الأساسي بإحدى الوسائل الإرهابية، فعاقبها بالحل، كما عاقب المنتمين إليها بالأشغال الشاقة المؤقتة، ونظر نظرة مقت إلى المؤسسين والمديرين لتلك الجمعيات، فجعل الحد الأدنى لعقوباتهم الأشغال الشاقة المؤقتة، ولكنه شجع على التوبة، فأعفى العضو الذي يخبر السلطات قبل البدء بأي فعل مهيأ للتنفيذ، وإذ تم الإخبار بعد التنفيذ استفاد المخبر من العذر المخفف، على أن لا يستفيد المحرض بأي حال. وقد تضمن قانون العقوبات البحريني الصادر بمرسوم أميري برقم 15 لسنة 76 نصوصا متعلقة بأمن الدولة الخارجي والداخلي في المواد من 112 حتى 185، وحدد الجرائم الماسة بأمن الدولة الخارجي والداخلي وكيفية التعاطي مع مرتكبيها وكان ذلك القانون من السعة والشمولية في العبارات بحيث جعله خطرا محدقا بالسلوك الإنساني متى شاءت السلطة التنفيذية ذلك، كما وأن ذلك القانون ليس محل رضا من الباحثين، فهو وليد تراث فاشي، كما سبق وتعرضت له مرات عدة في أماكن متفرقة منها هذا المكان المبارك، وكان موضوع مجادلة بين أعضاء مجلس النواب المصري ورئيس الحكومة أبان عرض مشروع القانون عليهم. ووصفوه بأنه أمر لا يبعث على الفخار.

وسنتعرض بشيء من التعليق، على بعض النصوص الواردة بمشروع قانون الإرهاب المحال للبرلمان البحريني من الحكومة بصفة مستعجلة، على النحو التالي:-

خامسا: العليق على مشروع قانون مكافحة الإرهاب:-

تضمن مشروع قانون مكافحة الإرهاب ديباجة وخمسا وثلاثين مادة وأرسلته الحكومة لمجلس النواب لينظر على سبيل الاستعجال، وسنمر على بعض نصوصه بشيء من التعليق السريع كما يلي:-

نحن حمد بن عيسى آل خليفة ملك مملكة البحرين. بعد الإطلاع على الدستور، وعلى قانون العقوبات الصادر بالمرسوم بقانون رقم "15" لسنة 1976 وتعديلاته، وعلى المرسوم بقانون رقم "16" لسنة 1976 في شأن المفرقعات والأسلحة والذخائر المعدل بالمرسوم بقانون رقم "6" لسنة 1996 وعلى المرسوم بقانون رقم "21" لسنة 1996 بشأن البيئة، المعدل بالمرسوم بقانون رقم "8" لسنة 1997 وعلى المرسوم بقانون رقم "15" لسنة 1998 بالتصديق على الاتفاق العربي لمكافحة الإرهاب، وعلى المرسوم بقانون رقم "4" لسنة 2001 بشأن حظر ومكافحة غسل الأموال، وعلى المرسوم بقانون رقم "26" لسنة 2002 بالموافقة على الانضمام إلى معاهدة منظمة المؤتمر الإسلامي لمكافحة الإرهاب الدولي، وعلى قانون السلطة القضائية الصادر بالمرسوم بقانون رقم "42" لسنة 2002 وعلى قانون الإجراءات الجنائية الصادر بالمرسوم بقانون رقم "46" لسنة 2002 وعلى القانون رقم "9" لسنة 2004 بالموافقة على انضمام مملكة البحرين للاتفاق الدولي لقمع الهجمات الإرهابية بالقنابل، أقر مجلس الشورى ومجلس النواب الآتي نصه، وقد صدقنا عليه وأصدرناه:

التعليق الأول: تكفي المنظومة القانونية المتقدم عرضها في ديباجة المشروع لنظم أي نشاط إجرامي، دونما حاجة لإصدار هذا القانون؛ سيما بعد تصديق البحرين على المعاهدات الإقليمية والدولية لمكافحة الإرهاب، وصيرورة تلك المعاهدات جزءا من النسيج القانوني لمملكة البحرين؛ ومن ثم يغدوا إصدار هذا القانون بصورته المعروضة على مجلس النواب، أمراً لا ضرورة له، بل أن من الضروري عدم صدوره لما فيه من تشدد غير محمود في العقوبات من وغياب الصناعة التشريعية عنه. وكان يمكن التماس العذر لصناع القرار في بعض الدول المجاورة التي وقعت فيها أحداث إرهابيه بشكل يومي، أما في البحرين، وهي بمنجاة، والحمد لله، من الإرهاب، فلا نجاوز الحق إن قلنا إن هذا القانون يخلق إرهابا للناس،  من جهة سعة عباراته وغموض مصطلحاته كحديثه عن المساس بالوحدة الوطنية أو إحداث كارثة أو إثارة أفكار متطرفة أو إثارة الفتنة استنادا إلى دلائل. وهي عبارة أكثر غموضا من العبارات الأخرى، ومضاعفة العقوبات، من المؤقت إلى المؤبد، وتكرار ورود عقوبة الإعدام في أكثر من موضع بين ثنايا، نصوصه، رغم أن عقوبة الإعدام من المسائل التي اصطرعت فيها الفلسفات والعواطف والمعتقدات؛ إذ كانت هذه العقوبة كالسيف المسلط في يد الدولة ترهب به معارضيها وأعداء أنظمتها القانونية. ولقد مارست البشرية الإعدام منذ الأزل لتسكين روع ذوي المقتول، ولكن لا يذهبن بنا الخيال بعيدا، فإن هذه العقوبة لم تطبق بحق القتلة إلا بعد مرحلة طويلة من التطور الحضاري.

فطبقها الفراعنة على من لم يفضح مؤامرة علم بها ضد الفرعون، ثم ألغاها الفرعون ساباكوت سنة 703 قبل الميلاد واستبدلها بالأشغال الشاقة، وألغيت في فرنسا عام 1791، لأنها قتل منظم؛ فالمجرم الذي يرتكب جريمة لا يعلم أحد تحت أي دوافع اندفاعية أو مرضية ارتكبها، في حين أن المجتمع يقرر إعدام القاتل بدم وأعصاب باردين، دون أن تمحى الجريمة؛ وبالتالي فلا يجوز لمجتمع متمدن أن ينزل إلى مستوى القتلة، خصوصا وأنه لم يثبت أن بقاء عقوبة الإعدام يؤدي لقلة عدد الجرائم، بل أن النمسا زادت فيها الجريمة لما أعادت تلك العقوبة عام 1934؛ لأنها كما يعبر النائب العام الأمريكي رمزي كلارك في مرافعته أمام مجلس الشيوخ يوم 2/7/68 بأن عقوبة الإعدام توقع على مفهوم التكفير وحده ولا تسمح بتأهيل المجرم؛ وبالتالي فهي لا تصلح لمجتمع متمدن، ثم أن القاضي مهما احتاط أو مهما كانت له من قدرات، في قياس درجة الخطأ فلن يصل لعين اليقين؛ لأن الخطأ يبقى مستقرا في النفس ولا يدركه إلا الله سبحانه وتعالى.

 ولو كان الإعدام عقوبة زاجرة ورادعة لأتت ثمارها، وهي تطبق منذ أيام البشرية الأولى، ويعبها كذلك أنها غالبا، إن لم تكن دائما، موجهة للفقراء، فإن وقع في قبضة العدالة أحد ذوي النفوذ أو المال، تحالفت الإمكانات المادية و الاجتماعية والإعلامية لمعاونته بمشاهير المحامين الذين يعجز الضعفاء عن تكاليفهم.

ولقد كانت مدام رولان الفرنسية قالت وهي تصعد إلى المقصلة في عهد الثورة الفرنسية (( يريد الشعب الخبز فيقدمون له المقصلة! )).

وقد عبر سمو أمير الكويت عن مشاعره حيال عقوبة الإعدام بقوله: إنني المسئول الأول والأخير عن توقيع عقوبة الإعدام، وأنا لست حاكما فقط وإنما أنا بشر له ضمير يحاسبه ويؤنبه، إذا أخطأت، ولا أريد أن أعيش تحت تأنيب الضمير، لأنني أصدرت حكما بالإعدام غير مقتنع به جريدة الوطن الكويتية عدد، 21/9/81.

التعليق الثاني: عاقبت المادة 5 من مشروع قانون مكافحة الإرهاب بالسجن المؤبد كل من أحدث عمدا كارثة بأية وسيلة من وسائل النقل. ومن العسير على الباحث أن يضع حدا لكلمة كارثة أو أن يبين مصاديقها، وبالتالي سيكون بالامكان إدخال كل من يراد به شراً بأن ينسب إليه بأنه أحدث كارثة، ولاشك أن هذا الأمر كارثة في ذاته.

التعليق الثالث: تميزت نصوص مشروع هذا القانون بأنها قيدت حركة القاضي حين ألزمته بالحكم بالسجن أو الحبس والغرامة، وليس كما هو المعتاد في التشريعات الجنائية المقارنة " والتي تصدر في ظروف اعتيادية " حيث تخير القاضي بين إحدى العقوبتين كما تعطيه سلطة الحكم بهما مجتمعتين إذا رأى ثمة مقتضى للتشدد، ولقد درج القضاء المقارن على التخفف في الحكم بالبراءة كلما ضيق المشرع على القضاء حركته على أساس قاعدة أن يفلت من العقاب ألف مجرم خير من أن يعاقب برئ.

التعليق الرابع: جرمت الفقرة الثانية من المادة 12 من المشروع محل البحث كل من حاز أو أحرز بالذات أو بالواسطة مطبوعا يتضمن الترويج أو التحبيذ إذا كان معدا للتوزيع أو لإطلاع الغير عليه، وكذلك كل من حاز أو أحرز أية وسيلة من وسائل الطبع أو التسجيل أو العلانية أيا كان نوعها، استعملت أو أعدت للاستعمال ولو بصفة وقتية لطبع أو تسجيل أو إذاعة ذلك الترويج أو التحبيذ. وتكفي هذه المادة لاعتقال آلاف الناس " لو شاءت السلطة ذلك" بأن يوزع أحد ما منشوراً فيه تعرض للدولة، ثم تكبس الشرطة المكان فتجد عند أغلب المصلين نسخة عن المنشور، فيساقون إلى المعتقل جميعا، فتقع الكارثة الاجتماعية ويعيش الناس في رهبة، بدلا من الأمن.

التعليق الخامس : أسندت المادة 30 من المشروع محل البحث لمأمور الضبط القضائي إذا توافرت دلائل كافية على اتهام شخص بارتكاب إحدى الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون أو في حالة التلبس بها، أن يقبض على المتهم لمدة لا تجاوز أربعة عشر يوما، وعند الاقتضاء له أن يطلب من النيابة العامة أن تأذن له بمد مدة القبض، وللنيابة العامة في هذه الحالة ولأمر تستلزمه ضرورة التحقيق وصيانة أمن المجتمع أن تأذن باستمرار القبض على المتهم لمدة لا تجاوز أربعة عشر يوما أخرى.

ويجب على مأمور الضبط القضائي أن يسمع أقوال المتهم المقبوض عليه ويرسله إلى النيابة العامة بعد انتهاء المدة المشار إليها في الفقرة السابقة.

ويجب على النيابة العامة أن تستجوبه في ظرف ثلاثة أيام من عرضه عليها، ثم تأمر بحبسه احتياطيا أو إطلاق سراحه.

ومعلوم أن مأمور الضبط القضائي هو جهاز الأمن الوطني ( أمن الدولة)، كما يظهر ذلك من القرار الوزاري رقم 2 لسنة 2003 الصادر عن وزير العدل بناءا على قانون الإجراءات الجنائية رقم 46 لسنة 2002، حيث يقرر (يخول أعضاء وأفراد جهاز الأمن الوطني والمنتدبون للعمل به ن صفة مأمورة الضبط القضائي بالنسبة لجميع الجرائم المنصوص عليها في قانون العقوبات الصادر بالمرسوم بقانون رقم ( 15) لسنة 1976 والقوانين المعدلة والجرائم المنصوص عليها في المرسوم بقانون رقم ( 16) لسنة 1976 بشأن المفرقعات والأسلحة والذخائر، وكذا جميع الجرائم المنصوص عليها في القوانين الجنائية الخاصة، وذلك في جميع أنحاء المملكة).

ولقد خول النص موضوع التعليق سلطة الضبط القضائي ( الأمن الوطني ) القبض ولمدة لا تجاوز 14 يوما قابلة للمد عند الاقتصاء الذي تقدره الضابطة القضائية، بإذن من النيابة على من توافرت بحقه دلائل تكفي لاتهامه بارتكاب إحدى الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون، أو في أي قانون جنائي آخر ساري المفعول في البحرين. ومعلوم أن كلمة دلائل من السعة بحيث تطلق يد الضبط القضائي في اعتقال من تشاء، وهي العبارة التي كانت سائدة في نصوص المرسوم بقانون بشأن تدابير أمن الدولة الذي أطاح بالتجربة النيابية في مطلع السبعينات وأدخل البحرين في نفق مظلم زهاء ربع قرن، ونرى ذات العبارة تتكرر في مشروع القانون هذا. ولا يفوتنا أن ننوه إلى أن النيابة العامة وهي تستجوب المقبوض عليه من قبل الضبط القضائي لها أن تأمر بحسبه احتياطيا دون حد وفق للمادة 149 من قانون الإجراءات الجنائية باعتبارها من الجرائم الماسة بأمن الدولة.

التعليق السادس: أسند المشروع للنائب العام في المادة 34 وعند الضرورة إذا قامت دلائل على جدية الاتهام في أي من الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون، أن يأمر بمنع المتهم من السفر أثناء التحقيق، أو أن يأمر مؤقتا بمنعه من التصرف في أمواله أو إدارتها أو غير ذلك من الإجراءات التحفظية. ويجوز أن يشمل أمر المنع من التصرف أو الإدارة، أموال زوج المتهم وأولاده القصر، إذا ثبت أن هذه الأموال قد آلت إليهم من المتهم. ويجب أن يشتمل أمر المنع من الإدارة على تعيين من يدير الأموال المتحفظ عليها، وعلى النائب العام في جميع الأحوال أن يعرض أمر المنع على المحكمة الكبرى الجنائية خلال سبعة أيام على الأكثر من تاريخ صدوره، بطلب الحكم بالمنع من التصرف والإدارة وإلا اعتبر الأمر كأن لم يكن.

ويبدوا من هذا النص أن للنيابة العامة أن تصدر بناء على الدلائل ما يشبه حكم بالموت المدني على من قامت بشأنه هذه الدلائل، ولا تقف سلطة النيابة عند شخص المتهم بل تسري إلى أمواله وأموال أزواجه وأموال أولاده، خلافا لقوله تعالى: ولا يضار والد بولده، خصوصا مع عدم تحديد كيفية الثبوت بالنسبة لأموال الزوج، الأولاد وهل هي بحكم قضائي أم بدلائل.

سادسا: الخــلاصة :

إذا أتى تشريع يدين على الدلائل والشبهات، متشدد إلى حد التشنج، فضفاض الصياغة إلى حد الغموض موغلا في مضاعفة الحدود القصوى للعقوبات السالبة للحرية وفي تقرير حكم الإعدام في أكثر نصوصه؛ فان ذلك يجعله متخلفا عن ركب الحضارة والتمدين القانوني، خصوصا وأن عقوبة الإعدام قد ألغاها الفراعنة سنة 703 ق.م، فإذا أضفنا لها 2005 سنوات، فنكون متأخرين عن مسيرة النظم القانونية العريقة بألفين وسبعمائة وثمان سنوات فقط، وذلك أمر لا يدعوا للفخار ويجعل الإنسان منتظراً صدور هذا القانون وهو يتذكر قول الشاعر: في فمي ماء وهل ينطق من ففيه ماء.

 

                                    المحامي/ عبدالله عباس الشملاوي