حديث الجمعة 9/3/2001م لسماحة الشيخ عبد الأمير الجمري في جامع الإمام الصادق(ع) - المنامة

 

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطاهرين وأصحابه المنتجبين والتابعين بإحسان إلى يوم الدين، أيها الأبناء والبنات أيها الأخوة والأخوات: قال تعالى (( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب)). تحدثنا في الأسبوع الماضي عن العناصر المهمة التي ينبغي أن تؤخذ بعين الاعتبار عند دراسة أولويات العمل الإصلاحي، وكان بودي هذا الأسبوع أن أتحدث عن الأولوية الأولي وهي البرنامج الإصلاحي وأهميته لأي جماعة تأخذ على عاتقها العمل الإصلاحي. ولكن وبسبب قدوم العالم الجليل الأخ المجاهد سماحة الشيخ عيسى أحمد قاسم حفظه الله فقد ارتأيت أن أتحدث في موضوع له علاقة بهذه المناسبة العزيزة علينا. وفي الحقيقة، وفي الأساس كان هدفي أن أسلم المسجد لسماحته ونأتم جميعاً به إلا أنه حفظه الله أصر عليّ أن أواصل في هذه المهمة لهذا الأسبوع والأسبوع القادم على الأقل. أيها الأخوة والأخوات أيها الأبناء والبنات: نعيش اليوم في ضوء هذه الآية المباركة فنستفيد منها دروساً عملية تعود علينا بالنفع والبركة. لا شك أن هذه الآية والآيات الأخرى التي تحدث في هذا السياق هدفها إبراز وإظهار مكانة العلم في قبال الجهل، ومكانة العالم في قبال الجاهل. فالعلم رأس الخير كله والجهل رأس الشر كله، ولقد جعل الله سبحانه وتعالى العلم أعلى وأرفع ، وبدأ قرآنه به حين قال جل وعلا: (( إقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، إقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم، علّم الإنسان ما لم يعلم)). فهذه دعوة أزلية باقية على مدى الدهور والعصور للعلم والاهتمام به لأنه الطريق الأول لمعرفة الله تعالى، وهو الطريق أيضاً لإسعاد البشرية وهدايتهم، ولذلك جاءت الأحاديث لتتحدث عن الدور المشترك بين الأنبياء والعلماء، فجعلت العلماء ورثة الأنبياء، وكأنبياء بني اسرائيل وأركان الدين بهم يُهتدى وبهم إذا كانوا علماء سوء والعياذ بالله يضلُ الناس الطريق والعياذ بالله. وعلى هذا الأساس فإن هذه المكانة الخطيرة والصعبة لا يُوفق إليها إلا القليل القليل ممن عمل جاهداً في تحصيل العلم ومن جهة أخرى عمل جاهدا في تطبيقه ودعوة الناس للخير بعيداً عن الرياء والأغراض والمصالح الشخصية. وقد جاء في الحديث ((العلماء ثلاثة: رجلٌ عاش به الناس وعاش بعلمه، ورجلٌ عاش به الناس وأهلك نفسه، ورجلٌ عاش بعلمه ولم يعش به أحدٌ غيره)). نعم فمنهم من يعمل في الرخاء طلباً للعافية وتحصيل المركز الاجتماعي لا يقدم للناس حاجة إلا إذا كان له منها نصيب ويختفي ويغيب عن الأنظار إذا اشتدت الأمور وصار عليه أن يكون له موقفٌ أمام الأحداث. ومنهم من لا يعمل إلا في المواسم والمناسبات ربما طلباً للتقديس والتعظيم والوجاهة. ومنهم من يعمل ولا شك ليل نهار في الشدة والرخاء في الداخل والخارج رضي الناس عنهم أم غضبوا التفوا حوله أم لم يلتفوا نذر نفسه لله تعالى فأجره على الله لا على غيره. ومن هنا فالعلم مقرونٌ بالعمل، فمن علِم عمِل ومن عمِل علِم. لا يصح الفصل أبداً، لا يمكن أن نقول ذلك عالم كبير ومجتهد عظيم وفي ساحة العمل ليس له صوت ولا حركة، وذلك عالمٌ من ورق مثل الكتاب، مصباحٌ لكنه لا يضيء للناس الطريق فتنتهي صفة العلم منه ويبقى فقط العنوان. وعامل بلا علم سكوته أفضل من كلامه وغيابه أفضل من حضوره. ومن هنا يأتي دور الأمة في تمييز العلماء، التمييز بين العالم العامل والعامل الغائب، فالأمة هي المسئولة في صناعة وتقديم العلماء الأفاضل. فإذا كانت الأمة جاهلة ساذجة فلاشك سيكون علماؤها علماء سوءٍ أو علماء مصالح، اختارتهم على أساس العناوين والمسمّيات. أما إذا كانت الأمة واعية فلا شك وعيها يعكس دور علمائها الذين يقودونها، اختارتهم على أساس الكفاءة والتقوى والإخلاص. علماء عاملون مخلصون نذروا أنفسهم لخدمة هذا الدين وأهله. أيها الأبناء والبنات أيها الأخوة والأخوات: ونحن اليوم نستقبل عالماً من هذا الطراز، عالمٌ عمل بجدٍ وإخلاص ليل نهار في الشدة والرخاء ورأيناه في العشرين سنة الماضية عاملاً حاضراً في قلوب محبيه وإن غاب في طلب العلم. وهذا الحضور والاستقبال الجماهيري إنما يعكس مكانة هذا الشيخ في قلوب الأمة، وهذا الاستقبال كان استقبالاً عفوياً عكس هذا الحب وهذه المكانة ولم يكن أبداً للاستعراض أو الاستفزاز لأحد، فالشيخ قدومه للإسهام والمشاركة مشاركةً فاعلة في هذه العملية الإصلاحية خدمةً للوطن والمواطنين. نعم ربما حصلت بعض الارباكات في الشوارع نتيجة الازدحام الكبير وتدافع الناس إلا أن هذا جاء نتيجة طبيعية للازدحام ويبقى الهدف من هذا الاستقبال استقبال رمزٍ سيساهم بلا شك بصورة إيجابية في العمل الإصلاحي ورص الصفوف تحت سقف العمل الإسلامي والوطني هدفا لتقوية الوحدة الوطنية بعيدا عن الخلافات الجانبية التي ربما تسيء وتضعف النسيج الوطني والإسلامي. ولا يفوتني أيها الأحبة أن أرحب وأشيد بسماحة الشيخ عبد النبي علي العالم الورع المجاهد وأسال الله له النجاح والتوفيق والتسديد. أيها الأخوة والأخوات والأبناء والبنات: لا يسعني في ختام هذه الكلمة إلا أن أرحب بوفد منظمة العفو الدولية الذي وصل اليوم إلى البحرين بادئاً زيارةً تستغرق أربعة أيام للتحقيق في قضايا حقوق الإنسان والتأكد من عدم رجوع الماضي وأأمل لهم الموفقية في مهمتهم هذه، كما أأمل ممن يتصلون به من المواطنين أن يحذر من تقديم معلومات غير صحيحة، سواءً تعلقت هذه المعلومات بالشعب أو الحكومة. وإني لأشكر القيادة السياسية التي سمحت لوفد منظمة العفو الدولية بدخول البلاد للقيام بمهمته التي تتلخص في الاتصال بالمنظمات الأهلية (منظمات المجتمع المدني)، ومثل هذا الأمر يجعلنا مطمئنين إلى أن الحكومة الموقرة سوف تأخذ بتوصيات هذا الوفد، ويجعلنا واثقين أن الحكومة الموقرة سوف تسمح للجنة حقوق الإنسان في البرلمان البريطاني للقيام بمهمة مماثلة للمهمة التي جاء من أجل القيام بها وفد منظمة العفو الدولية. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.