حديث الجمعة 8/6/2001م لسماحة الشيخ عبد الأمير الجمري في جامع الإمام الصادق(ع) - المنامة

 

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطاهرين وأصحابه المنتجبين والتابعين بإحسان إلى يوم الدين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد، أيها الأحبة، أيها الأخوة والأخوات، والأبناء والبنات:

يشرفني ونحن نعيش وإياكم أسبوع المولد النبوي أن نتحدث عن سيد الأنبياء (ص) وربطه بواقعنا المعاش، فالحديث عنه شيق يستهوي النفوس ويملك الأفئدة، لأنه الحديث عن العظمة في أسمى درجاتها، والبطولة في أوسع مفاهيمها، والجمال في أرقى صوره، والخلق في ذروته، ولأنه حديث يأخذنا إلى ذلك العصر فينقلنا من مكة إلى المدينة مروراً بشعب أبي طالب والعذابات التي لاقاها (ص) في سبيل الله حتى تكسير الأصنام وتطهير الكعبة قبلةً للمسلمين، فتقدم لنا بعد ذلك أعظم الدروس والعبر، و أشمل مناهج الخير التي تؤمن الطهر والسعادة للإنسان في الحياتين الدنيا والآخرة. فأين نحن الآن من هذه الشخصية الفذة العملاقة وأهدافها؟

إن أعظم درس تفيض به ذكرى المولد النبوي الشريف هو درس الوحدة الإسلامية، فبجهاده (ص) الطويل استطاع أن يقدم نموذجاً فكرياً وسلوكاً عملياً يعكس حقاً ما نزل عليه من قرآن سماوي، فجمع (ص) الأمة بعد أن كانت أفراداً مشتتة متنافرة، شغلهم الشاغل النزاعات والفرقة والقتال.

فجاء الرسول الأعظم (ص) وجمعهم برابطة الإيمان بالله ((لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألّفت بين قلوبهم ولكن الله ألّف بينهم)). الأنفال 63.

والسؤال العملي في وقتنا الحاضر عن مسئوليتنا: كيف نجمّع ما تعدد ونوحّد ما تفرّق؟ سؤال ينبغي على الجميع أن يتوقفوا عنده، سنةً وشيعةً، علماء ومثقفين، أفراداً وجماعاتٍ. فالوحدة ليست شعاراً إعلامياً يتاجر به في السوق السياسية لأغراض آنية وأهداف مرحلية. بل هي الأصل في الشريعة لا الاستثناء والهدف الاستراتيجي لا التكتيكي، والضرورة الإسلامية لا الضرورة الواقعية. وعلى هذا الأساس ومن هذا المنطلق الإسلامي تحركنا مع الإخوة في جمعية الإصلاح في تحمل هذه المسئولية بإيمان وقناعة، معنا على هذا الخط كبار العلماء من المذهبين.

كانت الخطوة الأولى في جمعية الإصلاح بمدينة المحرق والثانية في بني جمرة بجامع الإمام زين العابدين (ع) وهذا المكان المقدس مسجد الصادق (ع) بالقفول، في فعاليتين ثقافيتين حضرهما جمهور عفير عكس حقيقة الوحدة ولا شك في وعيه وإدراكه لأهمية هذا الموضوع وحساسيته.

والسؤال الثاني عن الضمانات لاستمرار هذا النهج، فما هي الخطوات المطلوبة لترسيخ نهج الوحدة عملياً وسلوكياً وفكرياً؟

الجواب هي أولاً:

·        ·        التمسك بالقواسم المشتركة:

فليس هناك دين جمع من مقومات الوحدة كالدين الإسلامي.

فعلى صعيد العقيدة: الرب واحد والقرآن واحد والرسول واحد والقبلة واحدة والأحكام الفقهية فيها الكثير والكثير من المساحات المشتركة.

وعلى صعيد الشأن الاجتماعي والسياسي الداخلي: هناك قضايا الإصلاح والبناء بما يهم المواطن السني و الشيعي وليس فيها دخل للمذهب والخصوصية مثل مواضيع العدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، وحرية التعبير، والتصرف بموارد الشعب بخبرة ودراية.

وعلى الصعيد الخارجي: هناك قضية القدس، القضية المركزية للمسلمين جميعاً بلا استثناء.

فهذا ما يجمعنا أيها المسلمون فأين ما يفرّقنا؟ وأين ما يباعد بيننا؟

نعم هناك بعض الخصوصيات لكل مذهب ولكل حركة، ولكن في مجال الوحدة بين المذاهب لايجوز أبداً تغليب الخصوصيات على القواسم المشتركة، فالدعوة والعمل لترسيخ الوحدة هي فريضة وضرورة إسلامية فيها ما يؤكد العزة الإسلامية ويرسخها.

وهنا أجد نفسي مضطراً للتذكير بتوخي الحذر في مشاريعنا وفعالياتنا في القول والفعل، في السر والعلن، خصوصاً من قبل الرموز والمثقفين الإسلاميين. فكل كلمةٍ غير مسئولة يمكن أن تهدم ما يستغرق بناؤه سنين، وكل سلوك  غير مسئول يمكن أن يحرف أهدافاً لم تترسخ بعد. أقول كلنا جميعاً مسئولون سنة وشيعة علماء ومفكرين عن توخي الحذر والمحافظة على الدقة والتزام المسئولية في طروحاتنا وآرائنا وتصريحاتنا، وسوف أستكمل الحديث في هذا الموضوع في الأسبوع القادم إن شاء الله. هذا وإني ومن كل وجداني وببالغ تقديري أشيد بمواقف وخطابات الأخوة الأعزاء العلماء الأفاضل، الشيخ عيسى بن محمد آل خليفة والشيخ عيسى أحمد قاسم في جامع الإمام زين العابدين (ع) في بني جمرة والسيد عبد الله الغريفي والشيخ عبد اللطيف الشيخ في هذا المكان المقدس مسجد الإمام الصادق (ع) بالقفول.

أقول قولي هذا وأستغر الله لي ولكم، والفاتحة لأرواح شهدائنا الأبرار وجميع موتى المسلمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.