حديث الجمعة 23 ذي الحجَّة /1422هـ - 8/3/2002م لسماحة الشيخ عبد الأمير الجمري في جامع الإمام الصادق(ع) -القفول –المنامة.

بسم الله الرحمن الرحيم،الحمد لله رب العالمين،والصلاة والسلام على محمدٍ وآله الطاهرين،وأصحابه المنتجبين،والتابعين بإحسان إلى يوم الدين.  وبعدُ: فقد قال الإمام الحسين(ع):{ وإنِّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا ظالماً ولا مفسداً ،وإنما خرجتُ لطلب الإصلاح في أمَّة جدّي محمد(ص) أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير في الناس بسيرة جدّي محمد وأبي علي بن أبي طالب(ع) فمن قبلني بقبول الحق، فالله أولى بالحق، ومن ردَّ عليَّ هذا أصبر حتى يحكم الله بيني وبين القوم بالحق والله خير الحاكمين}.  أيها الأحبَّة: ها قد عاد إلينا عاشوراء من جديد فكيف أو بماذا تركناه وبماذا نستقبله هذا العام؟ تحدَّثنا في العام الماضي عن الإصلاح ودور المصلحين في وضع البرامج الإصلاحية، بما يتناسب مع المرحلة التي يعيشها بلدنا العزيز. وكنَّا قد ركَّزنا على ضرورة أن تكون هناك مؤسسات بدل الأفراد لإدارة العملية الإصلاحية بصورة تضمن نجاحها واستمرارها.وكان في حديثنا تركيز جيِّد على الحاجة لدور المرأة، تلك المرأة العفيفة التي تملك قدراً كافياً وكفاءةً تؤهِّلُها للقيام بدورها التوعوي في المجتمع، استناداً لنفس الدور الذي قامت به الحوراء زينب(ع) وبنات الرسالة، جنباً إلى جنب مع الرجل، فماذا تحقَّقَ لنا وإلى أين وصلنا؟ هذا السؤال جوابه متروكٌ لكم. لكن السؤال الذي نريد أن نطرحه الآن هو: من أين نبدأ هذا العام وكيف نبدأ؟ وكيف نستقبل عاشوراء هذا العام؟.

  1. هناك من يستقبل عاشوراء بعقله فيفتحُه على السيرة الحسينية التاريخية وقفة وقفةً، ثم يطبّقَها على الواقع المعاش درساً وتحليلاً، فعاشوراء عند هذا ليس واقعةً تاريخيةً انتهت، وإنما هو حركة متجدِّدَةً، تتغيَّر الأسماء وتبقى الأدوار....وهذا استقبال مطلوب.
  2. وهناك من يستقبل عاشوراء بقلبه، فيعيش المأساة فصلاً فصلاً بكل مشاهدها المأساوية الحزينة، فلا تتمالك نفسه حتى يتذكَّر تلك المواقف المثكلة، وأيّ قلبٍ يصمد دون أن ينصدع وينفطر لتلك المآسي؟! وأي عينٍ لا تبكي وتنفجر حين يتصوَّر الإنسان الحسين(ع) ملقىً على التراب، مقطَّعاً،وكما قال بعض شعراء الطف:

عــاري اللِّبـاس قطيع الرأس منخمد الأ*****نفـاس في جندلٍ كالجمر مضطرمِ

 ويتصوَّر نساءه مسبيَّات، وهذا استقبال مطلوب أيضاً.

3.وهناك من يستقبل عاشوراء ببطنه وصدره، لا يجد شيئاً في عاشوراء إلا الولائم والأطعمة،والأسمطة، والَّلطم على الصدر، دون أن يعي أو يُدرك أيُّ معنىً للذكرى غير فرصة اللقاء بالأحباب، والسهر، والجلوس في الطرقات، وهذا استقبال مرفوض.

    4.وهناك من يستقبل عاشوراء ليُغلِّب رأيه ورأي جماعته على حساب المصلحة،حتى وإن  أدَّى ذلك إلى تعكير الأجواء، وصرف الإهتمام عن القضايا المصيرية، والإنشغال بالقضايا الهامشية التي لا تخدم أهداف الحسين(ع) ومبادئه المقدَّسة. ونحن ماذا نريد؟ نريد أن نستقبل عاشوراء بعقولنا وقلوبنا. نريد العَبْرَة والعِبرة عقلاً وعاطفةً. فينبغي من الآن أن نُهيئ الظروف لما يفيد العقل، ويُليِّن العاطفة. والسؤال الآن: من المسئول عن توفير ذلك؟ وماذا نملك من الوسائل؟ والجواب: هناك إدارة المأتم، وهناك الخطباء، وهناك المواكب الحسينية، وهناك الرواديد، وهناك المستمعون أو المعزّون. لا يمكن أن نُحدِّد أنَّ المسئولية تقع على عنصر دون آخر، وإنما هي مسئولية مشتركة يتحمَّلَها الجميع.

يُخطئ من يعتقد أنَّ إدارة المأتم تهيئ المكان وتستأجر الخطيب، وتهيئ ما يلزم تهيئته للمستمعين فقط، ويخطئ أيضاً من يعتقد أنَّ مسئولية المستمعين تنحصر فقط في الحضور والإستماع. الكل مسئول عن إنجاح حركة الحسين(ع) في مجتمعه وبيئته. والسؤال الأهم: ماذا نريد أن نوصل للعالم ولأهل البحرين من رسائل عن الحسين(ع) عبر الوسائل  المتاحة من صحافة وشعارات ومواكب ومنابر؟ ما هي الرسائل الرئيسية التي يجب أن تصل للناس بصورةٍ منطقيةٍ عقلائيةٍ واضحة لا تشويش فيها؟الجواب: الرسائل هي:  1-لا للطائفية :فالحسين (ع) لم يتحرَّك للشيعة فقط، وإنما ضحَّى بنفسه وأهله وأصحابه لأجل رفع راية الإسلام وتحقيق مصلحة الإسلام، فينبغي أن لا تظهر أي كلمةٍ أو عبارةٍ فيها شيء من الطائفية، لا على المنبر ولا في الموكب، ولا في الشعارات المعلَّقة،بل العكس هو المطلوب.

2-لا للخلافات:فالحسين(ع) لم يضرب بسيف ولم يطعن برمح ولم تُسبَ نساؤُه، ولم تُحرق خيامه لأجل الزعامات، والخلاف على إدارة المآتم، أو توزيع الأطعمة. يأثم من يسيء لأهداف الحسين(ع)ويعطي الناس والعالم رسائلَ خاطئةً عن ثورة الحسين(ع)، العكس هو المطلوب.أجل- المطلوب هو: الوحدة، التعاون، التنسيق بين الجميع.

3-لا للفوضى: فحركة الحسين(ع) منذ البداية كانت منظَّمة، مدروسة، دقيقة.... ونحن مسئولون،فعلينا أن نبتعد عن الفوضى والإزعاج، أوقات الخطباء يجب أن تكون منظَّمة، المواكب في سيرها يجب أن تكون منظَّمة مرتَّبة4-لا للوسائل الخاطئة. فأهداف الحسين(ع)باقية على مرِّ العصور. أما الوسائل فهي متجدِّدة متغيِّرة، تبعاً للزَّمان والمكان، فكل وسيلة ثبت أنَّها تضر حركة الحسين(ع) ولا تنفع أو تُشوِّش، أو تُفرغ الحركة من عنوانها الرَّئيسي تكون غير مقبولة، وينبغي أن تُستبدل وأقصد كلّ وسيلة أو شعار- بوسيلة منطقية عقلائية شرعية.أيها المؤمنون والمؤمنات:  هذه الأمور لتحتاج إلى تطبيق، وهي مسئولية الجميع: إدارة المآتم، الخطباء، الرواديد، المُعزِّين. وهذه الأمور تحتاج لعقول مفتوحة وقلوب واعية بعيداً عن العصبيَّات والمزايدات..... فلنستقبل عاشوراء استقبالاً يليق بمكانة الحسين(ع).فإنَّ الحسين(ع) قد ضحَّى بأغلى ما يملك من أجلنا، فلنكن بمستوى المسئولية. ولنواصل مسيرة الحسين(ع) التي استلمها زين العابدين(ع) وزينب(ع)، فنحن سفراء الحسين(ع) إلى العالم، فلنُحسن ونتقن المسئولية. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.وإلى أرواح شهدائنا الأبرار وجميع أموات الأمة الإسلامية رحم الله من قرأ الفاتحة تسبقها الصلوات على محمد وآل محمد.