حديث الجمعة 30/3/2001م لسماحة الشيخ عبد الأمير الجمري في جامع الإمام الصادق(ع) - المنامة

 

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطاهرين وأصحابه المنتجبين والتابعين بإحسان إلى يوم الدين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فقد قال الله تعالى:( وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ)(ابراهيم: من الآية5))).

أيها الأخوة والأخوات، أيها الأبناء والبنات:

سلام من الله عليكم ورحمة وبركات، في هذه الآية المباركة يأمر الله نبيّه (ص) أن يذّكر المسلمين بأيام الله، وفي هذا الأمر بالتذكير إعلان عن أهمية التذكير والذكرى في الإسلام، والذكرى هي نتيجة التذكير.

والتذكير وسيلة فعالة تربوياً، والتذكير يكون بعرض الأمور المعروفة عند المُذكَّرين حيث ربما أنساهم إياها البعد الزمني، أو الانشغال بأمور الدنيا ومشاكل الحياة، قال تعالى: (( وذكّر فإن الذكرى تنفع المؤمنين)).

وبعد أن نلاحظ أن التذكير بآيات الله فيه آيات لكل صبّار شكور وأن هذا التذكير قد أكّد بمؤكدين هما إنّ واللام، نطرح هنا سؤالين:

الأول: ماهي هذه الأيام؟ وما معنى الآيات المشار إليها؟

الثاني: لماذا أضيفت إلى الله سبحانه وتعالى مع كون جميع الأيام وكل الأشياء له تعالى.

والجواب: لا شك أن المراد بهذه الأيام أيام خاصة. أما إضافتها إلى الله عزّ وجل فليس ذلك إلا لظهور أمره تعالى فيها ظهوراً لا يبقى معه لغيره سبحانه ظهور، وهي الأيام التي ظهر أو سيظهر فيها أمره تعالى وسلطنته وآيات وحدانيته، كيوم الوفاة حيث يظهر فيه سلطان الآخرة وتسقط فيه الأسباب الدنيوية عن التأثير، وكيوم القيامة ((يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذ لله))، وكالأيام التي أهلك الله فيها قوم نوح، وأهلك فيها عاداً وثمود. ويدخل في هذه الأيام الأيام التي ظهرت فيها نِعم الله عز وجل ظهوراً ليس لغير الله فيه صنع كيوم إنجاء إبراهيم (ع) من النار.

ومن أعظم أيام الله والتي تأتي في طليعتها يوم عاشوراء، يوم الحسين (ع) حيث لا وجود فيه إلا لله، ولا مقصود فيه إلا هو تعالى، ولا ارتباط إلا به سبحانه، ولنا وقفة إكبار وإعظام لهذا اليوم الفريد.

فهذا اليوم الذي لا نظير له في عالم الدنيا إطلاقاً، كما شهد في حقه أبو محمد الحسن ابن علي (ع) وهو يخاطب أخاه الحسين (ع) قبيل الوفاة بقوله:

(( لا يوم كيومك يا أبا عبد الله يزدلف إليك ثلاثون ألف يدّعون أنهم من أمة جدك محمد (ص) يتولون قتلك ويُحمل رأسك على رأس القنا وتُحمل نساؤك على الأقتاب)).

1) وعظمة هذا اليوم جاءت لأنه يوم الفرز والفصل بين جند الحق وجيش الباطل، بين أصحاب الحسين (ع) وأصحاب يزيد.

ففي هذا اليوم سقطت الأقنعة ومُزقت الأغلفة الكاذبة، فالكل كان يسبّح ويكبّر، يصلي ويصوم ويزكي، فكان يصعب التمييز بين المسلم الحقيقي ومسلم الدرهم والدينار فجاء هذا اليوم فارتفعت الحُجب كما قال أبو عبد الله (ع):

((الناس عبيد هذه الدنيا والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درّت معايشهم فإن مُحصوا بالبلاء قلّ الديانون)).

وهنا السؤال وفي هذه الذكرى أين نكون ومع من نكون؟

أخاف أن نخطئ الفهم ونخطئ الموقف، أرى فرزاً هذه الأيام ولكن أي فرز وأي فصل، بعض المآتم على مدار السنة تعمل بكل هدوء وتنظّم، فلماذا حين تقترب من عاشوراء تكثر الخلافات ويزداد الفرز؟

فالبعض يتعصب لمأتمه ولا يمشي إلا في موكبه، هذا الفرز لا يريده الحسين (ع)، الحسين يريد فرزاً في صف الحق والخير لا الباطل والشر. فذلك فرزٌ يفرّق ولا يوحّد ويضعف ولا يقوّي.

2) وعظمة هذا اليوم جاءت أيضاً لأنه يوم الموقف العملي بلا تنظير ولا تقديم أعذار، فيزيد كان معروفاً من الجميع بفسقه وفجوره ولا يحتاج الأمر إلا إلى تجسيد للموقف الشرعي العملي حتى لا تلتبس الأمور وتختلط الأحكام السماوية.

فمن كان صاحب هذا الموقف ورائد هذا اليوم؟

البعض من كبار القوم فضّل أن يعتكف في المسجد بدل مواجهة الانحراف، والبعض أشار على الحسين إما السكوت والمبايعة وبعضهم أشار بالذهاب إلى اليمن لوجود أرضية للأنصار هناك، وبعضهم أشار عليه بالهروب خوفاً عليه من القتل!!

فرد الحسين عليهم واثقاً بسلامة موقفه وصوابية رأيه قائلاً:

((ليس يخفى عليّ الأمر ولكن لا يُغلب على أمر الله... والله لا أعطى بيدي إعطاء الذليل ولا أقر إقرار العبيد)).

ففي نظر الإمام أن معالجة الخلل والفساد لا تُحل بالهروب، وإنما تحتاج إلى موقف عملي إصلاحي يتغير فيه الأسلوب المطلوب تبعاً للظروف.

أيها الأخوة والأخوات، أيها الأبناء والبنات:

أريد أن أشير إلى نقطة وعدت أن أتحدث عنها ولكنها تأجلت بسبب المناسبات التي عشناها في الأيام السابقة:

فالإصلاح في الأمة ولا شك يحتاج أول ما يحتاج إلى تشخيص مواقع الخلل والفساد.

ثم في مرتبة ثانية وضع البرامج الإصلاحية، وبعدها ولا شك آليات تنفيذ هذه البرامج بما يتناسب مع الظروف والإمكانيات.

تحدثت عن العملية الإصلاحية التي نعيشها ودعوت سابقاً جميع الكفاءات للانخراط في هذه العملية والمساهمة فيها كلاً حسب قدرته وطاقته، فالدولة ليست هي الجهة الوحيدة المسئولة عن إدارة هذه العملية بل على الأطراف الأخرى الفاعلة في الساحة أن تمد يد المساعدة أيضاً.

فليس صحيحاً من الأطراف الأخرى أن تجلس بعيداً وتنتقد وتشكك دون أن يكون لها دور!!

وليس صحيحاً أيضاً أن تَستخدم الشعارات الرنانة والخطب الحماسية فقط دون أن يكون عندها برامجُ وخططٌ إصلاحية.

نعم وضع البرامج الإصلاحية الشاملة والدقيقة يحتاج إلى:

أولاً: كفاءات متعددة في الاقتصاد والسياسة كما في الأمور الشرعية، فالحكومة منطقياً تحتاج لسماع آراء وأصوات غير حكومية، ولكن هذه الأصوات ينبغي أن تكون ضمن برامج متكاملة تعطي رؤية مغايرة يمكن أن تساهم بصورة فعّالة.

لدينا تصورات ورؤى وما زلنا نستلم الاقتراحات والآراء، ولسنا في عجلةٍ من أمرنا، فالمطلوب برنامج متكامل يساهم في تحقيق الأهداف المرجوة.

ثانياً: وتحتاج وضع البرامج البديلة إلى مزيد من الحرية والتسامح من جانب الحكومة، وتحتاج إلى إحساس بالمسئولية والتزام بالقوانين من جانب الأطراف العاملة في الساحة فلا يمكن أن تكون هناك برامج عملية إصلاحية إلا في أجواء تتوفر فيها الوسائل والمنابر الإصلاحية خصوصاً أن الجميع قد ارتضى الدستور والميثاق سقفاً للعمل السياسي الإصلاحي السلمي.

وختاماً أود أن أشير أيضاً إلى نقطة أخرى وهي زيارتي إلى جمعية الإصلاح فقد كانت في نظري زيارةً موفقة بكل ما في الكلمة من معنى، فلقد وجدنا في الأخوة الكرام وعلى رأسهم الشيخ عيسى بن محمد آل خليفة عقلاً منفتحاً وروحاً صافية وتوجهاً مخلصاً نحو الوحدة والوئام وجمع الشمل  بعيداً عن كل ما يعرقل هذه المسيرة التي اتفقنا أن نبدأها بالاقتراح الذي تقدمتُ به من تشكيل لجنة تختص بشئون الوحدة.

وأمنيتي أن تسير هذه الجمعية مع جمعية التوعية الإسلامية التي جرت انتخاباتها قبل ليلتين لاختيار أعضاء مجلس الإدارة المؤقت في شق طريقهما موفقتين في فتح آفاق جديدة للتعاون والتفاهم.

والشكر كل الشكر لكل من ساهم ويساهم في هذا المجال.

وإسلامياً أود أن أنتقل إلى أرض الرسالات فلسطين، فاليوم يصادف يوم الأرض الذي دعا فيه تحالف القوى الوطنية والإسلامية الفلسطينية إلى الإضراب والتظاهر في القدس الشرقية احتجاجاً على الهجمات الإسرائيلية الشرسة ضد الأهداف المدنية الليلة قبل الماضية وهذا دليل قاطع على همجية العدوان الذي لا يرتدع عن ممارسة أي أسلوب من الأساليب البربرية التي تعكس وجه العدوان القبيح.

إلا أن ذلك لن يوقف الانتفاضة الشريفة التي تمثل صوت الأمة الإسلامية جمعاء والله متم نوره ولو كره المشركون.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.