حديث الجمعة لسماحة الشيخ عبد الأمير الجمري 30/11/2001م في جامع الصادق بالمنامة

 

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين، وأصحابه المنتجبين، والتابعين بإحسان إلى يوم الدين.

أيها الأحبة، سلام من الله عليكم ورحمة وبركات، وبعدُ:

فقد قال الله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} (الأحزاب: 33).

ونحن نستقبل في هذه الليلة القادمة الخامسة عشرة من شهر رمضان المبارك، ذكرى مولد واحدٍ ممن نصَّت الآية المباركة على إذهاب الرجس عنهم وطهارتهم، والسبط الأول للرسول الأعظم(ص)، وأول مولود ذكر في أشرف بيت في الإسلام بيت محمد (ص) بيت علي وفاطمة (ع)، وأحد الأربعة الذين باهل الرسول (ص) بهم نصارى نجران، وأحد اثنين انحصرت فيهما ذرية رسول الله (ص) ومن طريقهما جاءت السلالة الطاهرة، وأحد سيدي شباب أهل الجنة، الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب (ع)، الذي كان مولده في الخامس عشر من شهر رمضان، أواخر السنة الثالثة من الهجرة.

الوليد الذي عاش أيام طفوليته في أحضان جده، وأبيه، وأمه، يتغذى علوم الوحي وآداب السماء، حتى غدا عظيماً في صغره، كبيراً في حداثته، القائد الذي عاش أكبر المحن، وأعظم البلاء وخرج من المحنة ضافي الذيل، ناصع الصورة، مقيماً للحجة،محققاً للهدف.

الإمام الذي كانت بيده السلطة والإدارة سبعة أشهر وأحد عشر يوماً، هذه المدة التي انتهت بها الخلافة الشرعية، وبدأ دور الملك العضوض.

العظيم الذي كانت حياته حافلة بأروع صفحات التقوى والجهاد والنبل، وأكبر خطوات البطولة والصبر، وفي طليعتها خطوة الصلح التي هي أعظم خطوة أعطت الحفاظ على حياة الأمة، واستمرارية الأطروحة الإسلامية.

لم يكن هذا الصلح عن ضعف منه، فتأريخه ومواقفه الإيجابية الحازمة تدين كل من يتهمه بالضعف والتنازل عن حقه راضياً، أو أنه سلّم الحكم إلى معاوية ثقة بإداراته.

نعم ولم يكن هذا الصلح بسبب أخطاء حدثت في حكمه الذي استمر مدة سبعة أشهر وأحد عشر يوماً كما ذكرنا آنفاً فقد كان حكمه عدلاً لا جور فيه، ومساواة لا تفرقة فيه بين الأمة، ولا تمييز فيه لقرابة نسبية، أو علاقة شخصية،ولا موضع فيه لمعاقبة بريء، أو تغاضي عن محرَّم، أو تأثير لعاطفة، أو تقديم لمصلحة خاصَّة، لأن حكمه حكم إمام منصوص عليه من جدِّه(ص) وأبيه(ع)، لأنه حكم إمام معصوم عن الخطأ فلا بد أن يكون معصوماً من الخطأ أيضاً.

ومساواة لا تفرقة فيه بين الأمة، ولا تمييز فيه لقرابة نسبية، أو علاقة شخصية، ولا موضع فيه لمعاقبة بريء، أو تغاضي عن محرَّم، أو تأثير لعاطفة، أو تقديم لمصلحة خاصة، لأن حكمه حكم منصوص عليه من جدِّه (ص) وأبيه (ع)، لأنه حكم إمام معصوم عن الخطأ، فلا بد أن يكون معصوماً من الخطأ أيضا.

ليس العجيب أن يصالح الإمام الحسن (ع) مادامت المصلحة الإسلامية تقتضي ذلك، ولكن العجيب أن يستنكر مستنكر هذا الصلح، يتردد على ألسنة وأقلام البعض هذا السؤال المؤلم: لماذا صالح الحسن (ع) ؟!.............. هذا السؤال !! الأمور متشابكة ومعقدة ، التآمر  ضد الإمام من أعدائه في الغاية من الدهاء والدقة، جيشه مليء بالأحزاب والأهواء المتضاربة.

لماذا صالح الحسن؟! عجيب هذا السؤال ! لِمَ لمْ يصالح؟

مواقف خيانية متلاحقة في جيشه!! تسلُّل جماعي من صفوف جنده!! رسائل من الطابور الخامس المتمثِّل في الحزب الأموي المنافق في جيشه يرسلها هذا الطابور إلى خصمه معاوية، ويرسلها معاوية إلى الحسن (ع) وفيها كلُّ الاستعداد من الطابور الخامس بتسليم الحسن إلى معاوية موثوقا!! إشاعات كثيرة مذهلة في جيش الإمام بأن الإمام قد جنح الأموي الصلح........... ويدرك الإمام الحسن بوعيه اللا متناهي ضرورة انحسار تجربته عن الميدان السياسي مؤقتا من  أجل حماية الأمة وصلاحها، وحماية الأطروحة  الإسلامية، لأن التجربة لا يمكن لها أن تعيش مستمرَّة في ظل حالة الشك المتنامية، وحالة الفوضى، وحالة الخيانة، وحالة التردد، إذن:

فالحالة العلاجية أن يقبل الصلح ليكشف فيها الخصم ويعرّيه أمام الناس. 

ومن المؤلم أن السؤال المؤلم: لماذا صالح الحسن(ع)؟! يصاحبه سؤال مؤلم آخر: ولماذا ثار الحسين(ع)؟ّ!! في حين أن الظروف الموضوعية للإمامين(ع) توضح لمن درسها بدقة وتأمل وإنصاف وموضوعية: لماذا صالح الحسن؟ ولماذا ثار الحسين؟

صالح الإمام الحسن (ع) ليحقن دماء المسلمين من جهة، ومن جهة أخرى يكشف قناع الزيف والخداع الذي تلبَّسه معاوية، ويفضح أساليبه الماكرة وسلوكياته المنحرفة أمام الناس، حتى يمهد الثورة أما الحسين (ع)،  ولولا ذلك لكان الأمر اكثر صعوبة إمام الحسين (ع).

نعم كان الإمام الحسن يستطيع أن يخوض الحرب مع معاوية ولكن ستكون قبل وقتها، وستكون حرباً أهلية تفتك بالمسلمين، وتحرق الأخضر واليابس، ولن تكون في النهاية إلا لأجل كرسيِّ الحكم، وهذا ما يلتقي مع هدف الخصم، ولا يلتقي مع هدف الحسن(ع) وأطروحته.

 

أيها المؤمنون والمؤمنات، أيها الاخوة والأخوات:

انظروا ماذا يحدث في أفغانستان، حروبٌ قاتلة مستمرة، ولكن بين إخوان الجهاد، وكلُّهم يرفعون شعار الإسلام، وشعار الإصلاح والجهاد!!!

كم من الأرواح أُزهقت!! وكم من الدماء سُفِكت!! وكم من الأطفال يُتِّم!! وكم من النساء رُمِّل؟!!!  وماذا كانت النتيجة؟ هل تحقَّق للدين نصر؟ّ! هذه هي الحروب التي تدور بلا هدف ولا معنى.

وهنا يكمن الفرق بين القيادة الحكيمة التي تُقدِّم المصلحة الإسلامية على المصلحة الذاتية، والقيادة التي يهمُّها أمن الناس واستقرارهم فتُقدِّم ذلك على كرسي الحكم واستقراره.

 

أيها الاخوة والأخوات، أيها الأبناء والبنات:

وهنا يأتي الدرس الآخر للامة، فلو كان لدى الأمة وعي كاف لما اختلطت عليهم الأمور، وصارت لا تُفرِّق بين الشعارات والحقائق. حذار حذار أن يتكرَّر الخطأ ويضيع الدرس.  ففي فلسطين، في أرض المقدسات يريدون أن تتكرر المأساة، شعارات تتحدَّث عن السلام والاعتدال والواقعيةّ!! وماذا وراء الشعارات؟ احتلال للأراضي، وهدم للبيوت، وتشريد لأصحاب الأرض!!! وبالأمس، وبتاريخ 29-11-2001م كانت ذكرى تقسيم فلسطين، وهو يوم التضامن مع الشعب الفلسطيني، وليس أقل من التضامن من كلمة تُكتب، أو عبارة تُقال، أو دينار يُدفع، خصوصاً في هذا الشهر الذي فيه يوم القدس العالمي، فالقدس ينبغي أن يبقى جرحاً حياً ينزف حتى خارج نطاق المفاوضات أن تفاوضوا والعار كل العار لمن تُسوِّل له نفسه أن يفكر في غير ذلك مهما كانت الضغوط، ومهما كانت التحديات، لأنها رمز الطهر والكرامة والعزة، {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} (المنافقون:8) ولا خير في أمة تبيع مقدساتها. أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.