حديث الجمعة 25/5/2001م لسماحة الشيخ عبد الأمير الجمري في جامع الإمام الصادق(ع) - المنامة

 

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطاهرين وأصحابه المنتجبين والتابعين بإحسان إلى يوم الدين. أيها الأخوة والأخوات أيها الأبناء والبنات: سلامٌ من الله عليكم ورحمة وبركات. قال الله تعالى ((وقالوا لولا نُزِّل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم)). الزخرف 31. نزلت هذه الآية تعبيراً عن موقف قريش من نزول القرآن على محمد (ص) الذي يُعتبر في نظرهم ليس من العظماء الذين يستحقون الرسالات، فمن هو العظيم؟ ومن هو الضعيف المستضعف؟ في نظرة قريش ومن سار على دربهم أن العظماء الذين يحق لهم أن يفعلوا ما يشاؤون ويقرروا ما يريدون هم:

1)       إما أصحاب المال والعقارات الذين يستطيعون أن يشتروا العبيد وما يشتهون، وما يعرف اليوم بالقوة الاقتصادية.

2)       أو أصحاب العضلات الذين بقوتهم يجبرون الآخرين على أداء فروض الطاعة لهم والتي تعرف اليوم بالقوة العسكرية.

3)       أو أصحاب النفوذ والحكام الذين بنفوذهم يتحكمون في مصير الناس، وهم المعنيّون والمقصودون بالقوة السياسية.

في نظر قريش هؤلاء هم العظماء الذين يحق لهم أن يفعلوا ما يشاءون وباقي الناس عبيد يفعلون ما يأمرهم أسيادهم في المأكل والمشرب، وحتى الاعتقاد لا يحق لهؤلاء الناس أن يؤمنوا بأي شيء إلا بإذن أسيادهم، كما هي لغة فرعون الطاغوت الذي أدّعى الربوبية، فقد قال للسحرة كما حكى الله تعالى عنه: ((آمنتم به قبل أن آذن لكم)).

ومحمد (ص) لم يكن تاجراً يملك المال، ولا عسكرياً يملك العضلات ولا زعيماً يملك النفوذ فهو إذن ليس عظيماً بل هو ضعيف مستضعف لا رأي له ولا قيمة. ولكن ماذا حدث بعد ذلك؟ حدث بعد ذلك أنهم جائوا إليه يترجونه، ويعرضون عليه بواسطة عمه أبي طالب المال والمركز والجاه، قل لابن أخيك:  "إن شاء زوجناه أجمل فتياتنا، وإن شاء سودناه، وإن شاء جمعنا له من أموالنا ما يجعله أغنى قريش، على أن يترك هذا الأمر". فقال: "يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه".

كيف استطاع الرسول (ص)  أن يقف هذا الموقف؟ لأنه  كان يملك قوةً كانوا يجهلونها هي قوة العقيدة التي توّلد الإرادة الصلبة والبصيرة الثاقبة. أجل بقوة العقيدة أصبح ضعفاء القوم والأرذال في نظر قريش أسياداً وعظماء. نعم بالعقيدة الصحيحة والبصيرة الثاقبة نجح الرسول (ص) في دعوته رغم قلة الناصر وكثرة الأعداء، ووسط حملات التشويش والاستهزاء وأساليب التعذيب والحصار، نجح الرسول (ص) في بناء أمة من أناسٍ كانوا موطئ الأقدام يشربون الطّرْق ويقتاتون القد أذلة خاسئين، فصاروا أمةً ذات حضارةٍ تسود العالم من الشرق إلى الغرب، وهنا تكمن عظمة الرسول (ص).

والدرس المستفاد: هو أنه ليس هناك ضعيف مطلق ولا قوي مطلق بل قوي في جانب وضعيف في جانب آخر، والذكي من يعرف مواقع قوته فيضرب بها مواقع ضعف خصمه.

ولنا هنا وقفتان، الوقفة الأولى:

من هنا يأخذنا الحديث إلى القدس التي مازال الصهاينة يدنسونها ولا نسمع إلا تنديداً واستنكاراً. صحيحٌ أن إسرائيل تملك ترسانة من الأسلحة الفتّاكة، والفلسطينون لا يملكون إلا حجراً أو مسدساً، وصحيحٌ أن النصر حليف القوي لا الضعيف، ولكن غير صحيح أننا الضعفاء وهم الأقوياء بالمطلق، بل نحن أصحاب الحق الحقيقيون، وما نحتاجه فقط هو قوة الإرادة وحنكة التخطيط لاستثمار مواقع قوتنا مقابل مواقع ضعفهم.

 

الوقفة الثانية مع انتصار المقاومة:

اليوم أطل علينا حدث مميّز يحمل الكثير من المعاني والدلالات العظيمة ينبغي أن نحتفل به ونستخلص الدروس منها. في هذا اليوم "الخامس والعشرون من شهر مايو لعام ألفين ميلادياً" اندحر جيش إسرائيل وسحب ذيوله راجعاً ذليلاً بفعل ضربات المقاومة الإسلامية القاتلة، فماذا يعني عندنا هذا اليوم؟ وكيف تحقق هذا الانتصار؟

1)       قيادة المقاومة:

السبب الأول الرئيس وراء هذا الانتصار هو حنكة القيادة وصلابة عقيدتها، هذه القيادة التي حددت أولوياتها بوضوح من أول يوم وهو تحرير الأرض فلم تنخرط بعد ذلك كما انخرط الآخرون في حربٍ أهلية جانبية جعلتها لم تصوّب بندقيتها إلا للعدو. ففي حرب العشرين سنة لم تنهزم ولم تتراجع هذه القيادة عن أهدافها رغم حملات التشويش والاستهزاء التي شنها ضدها الإعلام المضاد واصفاً لها ظلماً بالسذاجة والمراهقة والإرهابية والجنون. ورغم كل ذلك تحقق النصر على يدها، فتحيّةَ إجلال وإكبار لهذه القيادة وعلى رأسها السيد حسن نصر الله – حفظه الله-.

2)       القاعدة المتماسكة:

نعم ولولا صمود أهالي الجنوب بالخصوص واللبنانيين بالعموم لما تحقق الانتصار. فهؤلاء هم الذين دفعوا فاتورة المقاومة وتحمّلوا الغارات اليومية للطائرات الإسرائيلية على الجنوب والبقاع وفي بيروت حيث مجزرة "قانا". فهذا الانتصار لم يتحقق إلا على الأجساد والدماء والأشلاء. نعم هذا الانتصار لم يتحقق إلا على أجساد وجثث هؤلاء الذين آمنوا بضرورة المقاومة ووثقوا بحنكة القيادة وإخلاصها فاندفعوا يقدمون فلذات أكبادهم دفاعاً ليس عن أرض الجنوب فقط بل عن الجولان والقدس وعن الأمة العربية الإسلامية جمعاء. فتحيّة إجلال وإكبار لهذا الشعب الأبي الوفي، ووقفة إكبار لصدقه وصموده.

3)       أسلحة المقاومة:

وهنا السؤال المحرِج، كيف انتصرت المقاومة؟ هل كانت تملك الطائرات والصواريخ الفتّاكة؟ كيف انهزمت الجيوش الأخرى وحقق هذا الحزب الانتصار؟! والجواب: أنه إذا وُجدِت القيادة المخلصة مع القاعدة الصلبة فإن خيارات المقاومة وأسلحتها بعد ذلك لن تكون معدومة، وسلاح "الكاتيوشا" أكبر مثال. الصعوبة لا تكمن في الحصول على السلاح بل في اليد التي تحمل هذا السلاح، هل هي مخلصة واعية صلبة؟ مازالت الأمة تملك الخيارات الكثيرة،  ولكن السؤال كيف تستخدم هذه الخيارات ومتى؟ بالأمس استخدم "شارون" طائرات "إف 16" وردّت الدول العربية بإيقاف الاتصالات الدبلوماسية مؤقتاً فماذا يعني هذا؟!

·        ·        يعني أولاً أن إسرائيل على قوتها ضاقت ذرعاً بالانتفاضة فلم يعد استخدام المدافع والدبابات كافياً حتى لجأت إسرائيل للطائرات المقاتلة، وقد نسمع غداً أنها استخدمت اسلحةً كيميائية!!.

·        ·        وثانياً أن الرد العربي لم يأت على مستوى الحدث بعشرات الدرجات بل هو مجرد إرضاء للضمير، وتخدير للأعصاب. امتناع ولي العهد السعودي الأمير عبد الله بن عبد العزيز عن زيارة واشنطن مثالٌ جيد لوضع الإصبع على السبب، فإسرائيل ما كانت لتستخدم الطائرات الأمريكية دون علم أمريكا ومبادرتها أبداً.

·        ·        مازلنا نملك خيارات كثيرة والعدو ضاقت خياراته، وعيبنا الرئيس كعرب وكمسلمين: أننا نحطّم أنفسنا ونزرع اليأس في صدورنا بأنفسنا، والمطلوب أن نعيد الحسابات ونركّز الجهود، ونجمّد الخلافات الجانبية، فالقدس هي قضيتنا المركزية، وما ضاع حق وراءه طالب، والله من وراء القصد.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.