حديث الجمعة 11/ ذو القعدة/1422هـ - 25/1/2002م لسماحة الشيخ عبد الأمير الجمري في جامع الإمام الصادق(ع) -القفول -المنامة

 

بسم الله الرحمن الرحيم،الحمد لله رب العالمين،والصلاة والسلام على محمدٍ وآله الطاهرين،وأصحابه المنتجبين،والتابعين بإحسان إلى يوم الدين. أيها الإخوة والأخوات،أيها الأبناء والبنات،سلامٌ من الله عليكم ورحمةٌ وبركات،وبعدُ:فقد قال الله تعالى:{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ}(الروم:54)صدق الله العلي العظيم.أيها الأحبَّة:سوف نواصل كلامنا عن الشباب،وقبل ذلك لا بد من الوقوف عند ذكرى دينية تمرُّ علينا اليوم،وهي عزيزة علينا،لأنَّها ذكرى خصبة معطاءة.وهي ذكرى مولد الإمام الثامن من أئمة أهل البيت(ع)علي بن موسى الرضا(ع).ولا شكَّ أنَّ ذكريات ومناسبات أهل بيت الرسول(ص)ذات أثرٍ عظيم،ومردود كبير من ناحية تربية وبناء مجتمع سليم متكامل،وأجيال واعية تحمل رسالتها الإسلامية،وتعيش هموم أمَّتِها،وتُكرِّس قدراتها في الدفاع عن أمَّتِها وإسلامها العظيم.أجل-إنَّ دراسة حياة كلّ واحد من أئمة أهل البيت(ع) من أعظم الأمور نفعاً للمسلمين،لما لها من الأثر العظيم في تقويم الجانب العقائدي والروحي والأخلاقي في الحياة الإسلامية لأنَّ كلَّ فردٍ منهم(ع) يقوم في حياته بدور الحارس الأمين للقيم والمفاهيم الإسلامية،ويُجسِّد الإسلام في أقواله وأفعاله،فهم يُمثِّلون الإمتداد الرسالي للدعوة الإسلامية،لذلك فالأمَّة في أمس الحاجة إلى دراسة حياتهم وسيرتهم،ومن الحق ومن الواجب أن تُعنى المؤسسات التربويّة بهؤلاء القادة دراسةً وعرضاً وتحليلاً،وإذا كان قد حصل تفريط بذلك فيما مضى فلا يصحُّ أن يبقى ويستمر هذا التفريط،فإنه يُمثِّل الخسارة والجفاء الكبيرين.كان مولده(ع)في الحادي عشر من ذي القعدة سنة 148هـ السنة التي تُوفيَّ فيها جدِّه الإمام جعفر الصادق(ع)وذلك في 25 من شهر شوَّال،وكانت الولادة في المدينة المنورة.كان(ع) كآبائه الطاهرين يمتلك موقعاً فريداً على الصعيد الإجتماعي، والصعيد الديني،والصعيد العلمي،والصعيد السياسي،كما يدلُّ على ذلك التفاف قادة الفكر به،وتصاغرهم أمامه،وتفوُّقه العلمي في جميع المجالات العلمية،وكونه- كسائر آبائه وأبنائه الأطهار-في النظر السياسي العام البديل الأفضل الذين يحقُّ لهم ممارسة مسئوليات الحكم.كان الرضا(ع) يفتي الناس في مسجد جدِّه رسول الله (ص) وعمره نيف وعشرون سنة.وكان حديث الناس كلّ الناس في عصره يتحدثون بإعجاب عن فضله وعلمه.قال أبو الصلت الهروي:{ما رأيتُ أعلم من علي بن موسى الرضا،ولا رآه عالم إلا  شَهِدَ له بمثل شهادتي، وكان العلماء بالمدينة متوافرين،فإذا عجز الواحد منهم عن مسألة أشاروا إليه بأجمعهم وبعثوا له المسائل فيجيب عنها} وقال إبراهيم بن العباس الصولي:{ ما رأيتُ ولا سمعت بأحد أفضل من الرضا(ع)،وشهدتُ منه ما لم أشاهد من أحد}.ترك(ع) ثروة علمية ضخمة ،حيث كانت له محاججات فكرية رائعة مع كثير من العلماء على اختلاف مناهجهم ومذاهبهم ونِحَلِهِم.وإذا كان كذلك فهل يصحُّ أن تخلو مناهج التربية والتعليم من ذكره وبيان شخصيته ودوره؟!!ولنعد –أيها الأحبَّة-إلى الحديث على ضوء الآية المباركة عن الشباب،فنقول:سنبحث اليوم المشكلة التالية من مشاكل الشباب: غياب وسيلة الحوار بين الأبناء والآباء: لا بد للآباء من الإلتفات إلى طبيعة الشباب خاصَّة في بداية سن المراهقة.فالأبناء والبنات في هذه السن يبدأ كلٌّ منهما في محاولة فرض شخصيته وإرادته،فيكره أن يتعامل معه الآخرون بما فيهم الأب والأم تعامل الكبير مع الصغير، ويكره استلام التوجيه والنقد... لا يبوح بأسراره إلا لأصدقائه....هنا قد يحصل استياء من قبل الآباء والأمهات حينما يجدون تصرُّفات غير مفهومة من قِبَل الأبناء والبنات في بداية المراهقة،حتى بداية العشرينات من العمر.

في هذه الحالة يجب على الآباء الإنتباه والإلتفات إلى أنَّ لأبنائهم وبناتهم خصوصيات يجب احترامها وعدم التعرُّض لها،وعليهم مساعدتهم لتقوية شخصيتهم لا إضعافها،فمن الخطأ الشنيع أن يقوم الأب أو الأم-في هذه المرحلة بتوجيه الكلام الشديد والإنتقاد للولد أو البنت في حضور الأصدقاء،والصديقات. إنَّ أي محاولة من الآباء للتقليل من شأن الولد أمام أصدقائه سيكون لها انعكاس خطير على نفسية الولد أو البنت وعلاقته بوالديه.وقد جاء في الحديث الشريف:{رحم الله أمرءً أعان ابنه على برِّه}.أجل هنا يجب التعامل بحساسية مناسبة لمثل هذه الأمور،يجب إشعار الأبناء بأنَّ الأب أو الأم يهتمَّان بوجهات نظرهم ويحاولان تفهُّمها....هنا الأب أو الأم يقعان في إشكالية من ناحية أنَّ لديهما تصوُّرات:كيف يجب أن يكون الولد،كيف يجب أن يتعامل مع والديه،كيف يجب أن يصغي لكلام الأب أو الأم ويحترمهما ويُنفِّذ أوامرهما؟

من ناحية أُخرى يجد الأب أو الأم الولد منطوياً على نفسه،غير مستعدٍّ للبوح بأسراره لهما، غير متجاوبٍ معهما،يرى أيَّ محاولة اقتراب منهما له بمثابة تدخُّل في شئونه الخاصَّة، وإلغاء لخصوصياته ولشخصيته وهذا ما لا يمكن القبول به.....

الأب أو الأم يريدان للأبناء الحضور في مجالس مُعيَّنة-مثلاً-يريدان اصطحابهم معهم للأهل،يريدان منهم الإهتمام ببعض الواجبات الإجتماعية والدينية....الولد أو البنت يرغبان في علاقات مع الأصدقاء فقط.....إذا كان هناك عمل اجتماعي أو ديني فمع أصدقائهما في المدرسة أو المنطقة.شيء آخر يجب أن يتنبَّه له الأبوان: ملاحقة الولد بالأسئلة قد تضطرُّه للكذب.....إكراه الولد على اتباع خطى والده قد يدفع الولد للتمرُّد على رغبات الوالد،وهذا ما التفتت إليه التربية الإسلامية،فقد جاء الحديث:

{أدِبوا أولادكم فإنَّهم مخلوقون لزمان غير زمانكم ومن لم يُؤدِّبه الأبوان أدَّبه الزمان.....}.يجب عدم إثقال سمع الولد بالإكثار من ذكر تجارب الوالد: من قبيل:أنا كنتُ كذا،أنا كنتُ أتعامل مع الآخرين كذا،أنا كنتُ أقف في الحالة الفلانية كذا....لأنَّ في ذلك إشارة إلى فقدان الولد لأية إيجابية......

إذا فعل الولد أو البنت شيئاً جسناً،جاء بنتائج جيِّدة،...سلوكاً حسناً يجب إشعارهما بتقدير خاص،واهتمام خاص،لكي يأتيا بالأفضل.هذا وحقوق الولد أو البنت على الوالدين نفس حقوق المؤمن على المؤمن.

وقفة عند القضية المركزية: ختاماً-أيها الأحبَّة- نقف عند القضية الأم الرئيسية،قضية القدس التي تمرُّ بمنعطف خطير،في الوقت الذي لا تزال فيه الأمَّة غير قادرة مع الأسف على الرد على العدوان البربري الصهيوني الذي تجاوز كلَّ الحدود والتصورات،فلم تعد هناك وسيلة يمتلكها إلا واستخدمها من طائرات حربية ومدافع ودبابات،ولم يبق إلا السلاح النَّووي والكيماوي،وذلك بمرأى ومسمع من العالم كلِّه،وكأنَّ الذين يُقتلون في فلسطين ليسوا من البشر.وأقول من على هذا المنبر الشريف: لا يجوز أن يُترك الشعب الفلسطيني وحيداً يواجه الآلة العسكرية الصهيونية الضخمة بلا ناصر ولا معين.

أنا في هذا المقام لا أتحدَّث عن الدعم العسكري ولكنِّي أسأل: لماذا غاب حتى سلاح الإعلام عن المعركة!!!أين القنوات الفضائية والإذاعات والتلفاز والصحف والمجلات؟!!هل انشغلت بتغطية دورة الخليج؟أم أنَّ أحداث القدس أصبحت معتادة؟!!

لقد نجحت الحملة الإعلامية في تغطية مجزرة قانا،ونجحت كذلك الحملة التي غطَّت أحداث اغتيال محمَّد الدرّة في حضن والده،وهزَّت العالم،وأحرجت الحكومات التي ما زالت تدعم الكيان الصهيوني.فلماذا هذا الصمت العجيب!!!هل أصبحت التغطية الإعلامية لما يجري في القدس مُكْلِفةً اقتصادياً وفوق قدرة القنوات الفضائية؟!

هل نبخل على الفلسطينيين الذين يُقاتلون دفاعاً عن شرف الأمَّة وكرامتها،هل نبخل عليهم بساعة أو بنصف ساعة في الوقت الذي نُخصِّص فيه ساعات طويلة لنقل مباشر لدورة الخليج أو برامج أخرى هي أقل أهمية تتعارض أيضاً مع امتحانات أبنائنا وبناتنا،أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.وإلى أرواح شهدائنا الأبرار وجميع أموات الأمة الإسلامية رحم الله من قرأ الفاتحة تسبقها الصلوات على محمد وآل محمد.