حديث الجمعة 23/3/2001م لسماحة الشيخ عبد الأمير الجمري في جامع الإمام الصادق(ع) - المنامة

 

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

 

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطاهرين وأصحابه المنتجبين والتابعين بإحسان إلى يوم الدين، أيها الأبناء والبنات أيها الأخوة والأخوات السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فقد قال تعالى ((والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم)) التوبة:71. تتحدث هذه الآية عن موضوع الإصلاح في عنوانه العريض موضحةً أن هذه المسئولية الضخمة تقع على عاتق المرأة كما هي على عاتق الرجل دونما تفريق في هذه المسئولية. نعم، يحاول البعض تفريغ محتوى الآيات القرآنية وتحجيمها في معاني ضيقة ترتبط دائماً بالشكل دون الجوهر لإظهار عدم قدرة الدين الإسلامي على المشاركة في الإصلاح الشامل وحصره فقط في زوايا المسجد والمأتم ومسائل الصلاة والصيام. فالبعض يحصر المعروف والمنكر في الواجبات والمحرمات والعبادات والأخلاق الفردية دون أن يشمل حرمة الرشوة والتلاعب بأموال الناس أو وجوب التصدي للظلم والاعتداء على حقوق الآخرين مثلاً. والبعض أيضاً بسوء نيةٍ يخلط الأوراق حين يتحدث عن دور المرأة فيتصيّد المواقع التي يخصّصها الإسلام للرجل دون المرأة بحكم بعض الخصوصيات معتبراً ذلك ظلماً وإجحافاً للمرأة، رغم أن هناك مواقع أيضاً خصّصت للمرأة دون الرجل لذات المعايير والأسس. هذه الحملات المُغرِضة والمستمرة ساهمت في تشويش عقلية المسلم وزرعت في ذهنه تلك المفاهيم الخاطئة، خصوصاً تلك المتعلقة بالمرأة ودورها في عملية الإصلاح الاجتماعي والسياسي. نحن لا نتحدث هنا عن أولئك المزايدين الذين اتخذوا من جسد المرأة سلعةً يتاجرون بها، ولا عن أولئك الذين اعتبروا خروجها للعمل والدراسة حراماً يستوجب دخولها النار، وإنما نتحدث عن واقعنا الذي نعيشه، وفيه حقيقةً ظلمٌ خفي متستر للمرأة ينبغي أن نعالجه ونتخلص منه. فالإسلام أبداً لا يعطي الزوج الحق في التسلّط على زوجته من منطق الرجل القوي تحت عنوان القيمومة في قبال المرأة الضعيفة، فهذا من منطق الغاب يرفضه الدين. أقول هناك ظلم وقع على المرأة من المجتمع من الأب والأخ والزوج ومنها أيضاً نفسها على نفسها، قسى التاريخ عليها كثيراً في عصوره السالفة ولعبت الأعراف الاجتماعية الفاسدة دورها بها. فاعتبروها "نذير شؤمٍ" إذا بُشِر أحدهم بها، ولا تملك إلا نصف العقل لا تستحق المشورة ، إلى آخر الخرافات والقصص. والمؤسف أنهم دائماً يغلّفون كل تلك الأقاويل بغلاف الدين، والدين من كل ذلك براء. يقولون ذلك كذباً، ومازال القرآن يصرخ فينا ليل نهار: (( يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى)) الحجرات. مشيراً للاختلاف في الجسد أما النفس فواحدةٌ كما أشار في قوله: ((يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة)) النساء. أما الأعمال الحسنة أو السيئة فالمرأة كالرجل تُثاب وتُعاقب: ((إني لا أضيع عمل عاملٍ منكم من ذكر أو أنثى)) آل عمران 195. والمقياس في التفوق والفشل في النهاية في نظر القرآن هو التقوى كما أشار إليه في قوله تعالى: ((إن أكرمكم عند الله أتقاكم)) الحجرات 13. هذا رأي الدين مختصراً في المرأة وما عدا ذلك فهو أهواء شهوانية أو عُقدٌ نفسية أو أعراف قبلية لا دخل للدين بها لا من قريب ولا من بعيد. وبعد ذلك ينبغي أن نعالج هذا الموضوع بدقةٍ وحذر فلا يجوز أن نترك "نصف المجتمع" مهملاً بلا رعاية أو مغيّباً بلا عناية. إذا أهمل الأب تربيتها وتعليمها وقسى الزوج وحرمها حقوقها فالنتيجة لن تكون إلا بنتاً جاهلةً أو زوجةً معقدةً، أو بين البينين تضر ولا تنفع. أيها الأخوة والأخوات، أيها الأبناء والبنات: إذا أردنا فعلاً بنتاً متعلمةً وزوجة صالحةً وامرأة فاعلة توظّف طاقاتها في خدمة مجتمعها بعيداً عن الفساد والإفساد، فالطريق ليس سهلاً لكنه ممكن. فالبنت تحتاج في ذلك للاهتمام والرعاية، والزوجة تحتاج للاحترام والمساعدة بلا تعدٍ على حقوقها ولا زيادةٍ في واجباتها، بل بالصورة التي حدّدها الدين لا أكثر ولا أقل. أيها الأخوة والأخوات، أيها الأبناء والبنات: إذا أردنا مثالاً عملياً يجسّد نظرة القرآن وأحكام السماء فلنأخذ مثالاً زينب ابنة أمير المؤمنين (ع) خصوصاً وأننا نقترب من موسم عاشوراء، فلندرس حياة زينب (ع) بنتاً وأختاً وزوجةً ومُصلحةً، وظّفت كل طاقاتها حين دعت الضرورة في وجه الظلم والفساد. وهنا يأتي السؤال: " هل هناك دورٌ للمرأة يمكن أن تلعبه في عملية الإصلاح أم أن دورها محصورٌ فقط في البيت ". يخطئ من يعتقد أن الحسين (ع) حين أخذ أخته معه في طريق الإصلاح كان جاهلاً بالأمر غافلاً عن أهمية الدور المُناط بها، كيف وهو القائل لأخيه محمد: " شاء الله أن يراني قتيلاً وأن يرى النساء سبايا". ويخطئ من يعتقد أن زينب (ع) أخذتها العاطفة فقط وساقتها الأقدار دون أن تعي ما تفعل ولا تدري إلى أين تسير، كيف وهي التي ردت على ابن عباس قائلة " أتشير على شيخنا وسيدنا الحسين أن يتركنا ويمضي لا والله بل نحيا معه ونموت معه ". من يتتبع سيرة زينب (ع) في واقعة الطف فقط يلمس أول ما يلمس صبرها وجلدها في تحمّل المصائب التي تعجز عن حملها الجبال. فزينب (ع) وجدت نفسها بين عشيةٍ وضحاها واقفة وسط كربلاء، والحسين (ع) وأخوتها والعشرات من الشهداء والأصحاب مجزرين تُرِكوا بلا تغسيل ولا تكفين، وكان واجب عليها فوق ذلك ألا تنهار، بل تجمع العيال والنساء، وتصبّرهم على المصائب. وصبرت صبر الأبطال إيماناً منها بعدالة القضية وحُسن الخاتمة فقد ظهر ذلك حين رفعت جسد الحسين بيديها قائلة تخاطب السماء: " اللهم تقبّل منا هذا القربان اليسير" وذلك في سبيل الإصلاح وإيقاظ أمة محمد (ص). وحين سار الأعداء بها وأهلها سبايا إلى الكوفة رفَعَت صوتها فيهم ببلاغة فصيحة تريد تحريك ضمائرهم الميتة وتعبِئتهم لنصرة الحق في وجه الظلم قائلةً: " أتدرون يا أهل الكوفة أي كبد لرسول الله فريتم؟ وأي كريمةٍ له أبرزتم؟ وأي دمٍ له سفكتم؟ وأي حرمةٍ له انتهكتم؟ لقد جئتم شيئاً إدا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخرّ الجبال هدّا". هذا في الكوفة، أما في الشام فقد كان على زينب (ع) أن تفنّد أولاً أكذوبة يزيد التي روُجها بين الناس بأن هؤلاء السبايا خوارج، وثانياً تكشف زيفه وألاعيبه على الملأ الذين خدعهم بإعلامه وضلّلهم بإشاعاته. فوقفت في مجلسه لا خائفة لا وجِلة فعرّفت الناس بحقيقة الأمر وأساس القضية ثم ختمت خطبتها موجهة كلامها إليه بكل ثقة وشجاعة قائلةً: " فكد كيدك واسع سعيك وناصب جهدك فو الله لا تمحو ذكرنا ولا تُميت وحينا.. وهل رأيك إلا فند وأيامك إلا عدد وجمعك إلا بدد". أيها الأخوة والأخوات، أيها الأبناء والبنات: هذه زينب (ع) لم تضرب بسيف ولم تطعن برمح وإنما كان سلاحها عقلاً وَعَى الأمور وشخّص الحلول، وصوتاً للحق كشفت به زيف الباطل وعرّت خططه وألاعيبه. وهذا هو جواب السؤال عن دور المرأة في الإصلاح، فليس المطلوب منها خوض المعارك فذلك يحتاج لعضلات، وإنما المطلوب منها أن تحيط علماً ووعياً بقضايا أمتها وتساهم بعد ذلك بوضع الحلول والبرامج تبعاً للظروف والأوضاع. وها نحن اليوم لا نعيش حرباً ولا عداءً لأحد ولكن نعيش في أجواء الإصلاح والبناء والكل - حكومةً وشعباً- إن شاء الله يهدف في النهاية لخدمة هذا الوطن العزيز، فماذا نريد أن تقدم المرأة في هذا المجال؟ نسمع الآن عن ندوات هنا وهناك، ونقرأ في الصحافة المقالات، فأين المرأة من كل ذلك؟ لم لا تقوم النساء بتنظيم المواسم الثقافية وتكوين الجمعيات الخاصة بهن بصورة تعكس وعيهن ورغبتهن في المشاركة في الإصلاح مثلاً. لماذا تكون المرأة في واقعنا دائما تبعاً للرجل!! هو يخطط وهي تنفّذ، هو يعد وهي تَحْضر كمستمعة فقط. كلنا نعلم أن وعي المرأة في البحرين جيد، فلماذا التردد والخجل؟ كما أن أوضاع الرجل تحتاج إلى ترتيب بما يتناسب مع هذه المرحلة التي نعيشها، فالمرأة كذلك تحتاج لتعديل أوضاعها بما يتناسب مع ظروفها والتزاماتها. وهذه مسئوليتها ينبغي أن تقوم بها. أيها الأخوة والأخوات، أيها الأبناء والبنات: وختاماً نستقبل هذه الليلة عائداً من المهجر أستاذاً كبيراً وإعلامياً مرموقاً وسياسياً متميزاً من أعمدة وأركان العمل الإسلامي في بريطانيا وأوربا الذي بذل جهوداً مشهودة ومشكورة طوال العقدين الماضيين في خدمة القضايا الإسلامية. أرجو أن يكون استقباله حضارياً بعيداً عن الاستعراضات والارباكات يعكس وعينا وسلوكنا الحضاري. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.