حديث الجمعة 22/6/2001م لسماحة الشيخ عبد الأمير الجمري في جامع الإمام الصادق(ع) - المنامة

 

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطاهرين وأصحابه المنتجبين والتابعين بإحسان إلى يوم الدين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد، أيها الأحبة، أيها الأخوة والأخوات، والأبناء والبنات: فقد قال الله تعالى:(( فاعتبروا يا أولي الأبصار)) الحشر 2.

أيها الأحبة:

نجتمع مرة أخرى في هذا اليوم المبارك وفي هذا المكان المقدس نتحاور في شئون ديننا ودنيانا يذّكر بعضنا البعض عما نسينا أو غفلنا عنه في زحمة هذه الدنيا وانشغالاتها، فليس فينا من لا يحتاج للتذكير وليس فينا من لا يحتاج للعظة، فالمؤمنون بعضهم  أولياء بعض، يتواصون بالحق ويتواصون بالصبر.

في هذا اليوم اخترنا – أيها الأحبة - هذه الآية المباركة كعنوان لحديثنا في هذا الاسبوع، لما في العبرة من أهمية كبيرة على المستوى الفردي و الجماعي، فالقرآن تحدث كثيراً عن الاستفادة من تجارب الأمم السابقة كمصدر من مصادر المعرفة. طبعاً أشار القرآن إلى أن الاعتبار لا يستفيد منه ولا يوفق إليه إلا أولو الأبصار أو أولو الألباب، أو أصحاب العقول المنفتحة الحاضرة، الذين يميزون بين ما يسيره خيّر فيعملوا به، أو يسيره شرير فيحاولوا اجتنابه.

فالدعوة للاعتبار من تجارب الأمم السابقة أو الحاضرة لا يعني التقليد الأعمى دون تمييز، كما يفعله بعض شبابنا المراهق الذي ينبهر بالشكل دون الجوهر، فيأخذ من الغرب مثلاً اللباس. وكذلك الاعتبار لا يعني الاستفادة من تجارب الآخرين على طريقة المعلبات المستوردة من الخارج، فنحن بما لدينا من تجارب نحتاج للاطلاع على تجارب الآخرين والاستفادة منها في النظام السياسي و الاجتماعي، دون أن يكون ذلك طبعاً على حساب ثوابتنا ومقدساتنا.

ونحن كإسلاميين لا نتعقّد من ذلك، ولا نتحسّس منه، ولا ينبغي لنا أن نفعل ذلك، فتجارب الأمم ليست حكراً على أحد، مهما سُميت به من أسماء أو عُنونِت به من عناوين.

وليس في هذا عيب، العيب أن ننغلق على أنفسنا، والعيب أن نقّلد الآخرين في سلبياتهم وننسى إيجابياتهم. العيب كلُّ العيب أن نستنسخ تجارب الآخرين، كما هي دون تمييز أو تنقية، وهذه في اعتقادي هي مهمة العلماء والمثقفين الذين يملكون المؤهِّلات والأدوات اللازمة للتنقية والتمييز، طبعاً ليس هذا مطلوباً في كل شيء، فالمؤمن المثقف يستطيع في بعض القضايا أن يفصل ويميّز إذا كان يملك بعضاً من تلك الأدوات، المهم أن لا يكون ذلك على حساب ثوابتنا الإسلامية.

أيها الأحبة، أقف الآن وقفتين عند عدة نقاط أجدها مهمة:

الوقفة الأولى: صدرت ثلاثة قرارات من صاحب السمو ولي العهد الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة، الأول: بخصوص ملف البطالة، والثاني: بخصوص المال العام، والثالث: بخصوص ملف الحريات وقانون المطبوعات.

وقد جاءت هذه القرارات لتعكس أولاً: جدية لجنة تفعيل الميثاق بملامستها للقضايا الرئيسة الساخنة التي تمس فعلاً قضايا المواطنين الذين ينتظرون أفعالاً عملية لا أقوالاً وشعارات تظهر في الصحف ثم تختفي. وبخصوص المسندة إليهم المهام المذكورة أقول:

إن لجنةً تُشكل لمكافحة البطالة مهمة جداً بقدر مالموضوع البطالة والعمل من أجل إنهائها من أهمية قصوى في حياة المواطنين. ومن الضروري أن يؤدي من تسند إليهم هذه المهمة واجبهم بكل مالديهم من أمانة وجدية، موظفين طاقاتهم، ومكرسين جهودهم من أجل إنهاء المشكلة ومن أجل توفير العمل الشريف والعيش الكريم لأبناء الوطن. ومن الضروري أن تتظافر كل الجهود من أجل إنهاء مشكلة البطالة والله من وراء القصد.

وبالنسبة لملف المال العام أقول إن لجنة تُشكل لمراقبة الفساد الإداري لجنة مهمة وضرورية جداً، ولابد أن يكون الشخص الذي يُمكِّن من مصلحة كهذه ويعتمد بمستوى الأمانة والصدق وطهارة الضمير ونقاء النفس مقدراً واجبه ودوره الذي أسند إليه حق تقدير. إن الموظف العام – أيها الأحبة – حلقة بين السلطة التنفيذية أو النظام وبين القواعد الشعبية. فالشعب لا يقيّم النظام سلباً أو إيجاباً إلا من خلال أداء الموظف العام، لذا يجب أن يكون ديوان الرقابة الإدارية مستقلاً وليس خاضعاً للسطلة التنفيذية، حتى يحظى بالمصداقية، ويؤدي عمله بمنتهى الحرية والشفافية.

وبالنسبة لملف الحريات وقانون المطبوعات أقول: من الضروري أن لا تفرض رقابة مسبقة من قبل وزارة الإعلام أو غيرها من الجهات الإدارية على الصحافة والنشر بشكل عام. والرقابة اللاحقة يجب أن تتولاها السلطة القضائية المستقلة، فالقضاء هو الذي يحكم في هذه القضايا.

ولدي نقطة أخرى أريد أن أثيرها هنا وهي سؤال أرفعه إلى من يعنيه الأمر وهو: متى تتشكل لجنة متابعة قضايا التجنيس؟

هذه قضية من أهم القضايا التي تتفاعل الآن في المجالس والشوارع. طبعاً لا أتصور أنها غائبة عن القيادة السياسية وربما هي في جدول الأعمال، ولكني هنا أستعجل الموضوع لحساسيته وأهميته.

الوقفة الثانية: اليوم العالمي لمساندة ضحايا التعذيب الذي يصادف السادس والعشرين من هذا الشهر، وعندي حول هذه الوقفة عدة نقاط:

النقطة الأولى: إن الاحتفال بهذا اليوم بعتبر بمثابة جرس إنذار وتذكير لكل الدول حكومات وشعوباً، أجل هو إنذارٌ للذين ماتت ضمائرهم وتلوثت أياديهم بأعمال التعذيب والبطش والتنكيل. فهذا الأسلوب هو غير حضاري، وغير منطقي، ويعقّد المشاكل، ولا ينبغي لأي دولة أن تلجأ إليه مهما كانت الأعذار، فالقانون كفيل بوضع الأمور في نصابها الصحيح.

النقطة الثانية: وهذا اليوم تذكيرٌ أيضاً للحكومات والشعوب بالاهتمام بضحايا التعذيب مادياً ومعنوياً، فهذا اليوم لا ينبغي أن يُكرّس فقط للشعارات، بل ينبغي أن نساهم تجاراً و أطباء أيضاً في هذا المجال، خصوصاً بأولئك الذين قضوا سنواتٍ طويلة في المعاناة، كما أنهم يحتاجون للدعم المادي لبدء حياتهم بصورة طبيعية، كذلك يحتاجون للاهتمام وربما للعلاج النفسي حتى ينخرطوا في المجتمع.

النقطة الثالثة: هذه مسئولية الجميع، مسئولية العائلة بأبنائها، مسئولية القرية بأفرادها، ومسئولية الحكومة بمواطنيها حتى نكون فعلاً قد تجاوزنا تلك المرحلة بصورة نعالج فيها بعض مخلفاتها الكثيرة والمعقدة. هذا ما نفهمه من إحياء ذكرى هذا اليوم ونحن كإسلاميين لا نتعقّد أو نتردد من المشاركة في إحيائه بصورة إيجابية منطقية عاقلة، لأنها دعوة خير، والإسلام في الأساس دعوة خير للإنسانية.

أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم، وإلى أرواح شهدائنا الأبرار وجميع أموات المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات نقرأ الفاتحة، تسبقها الصلوات على محمدٍ وآل محمد.