حديث الجمعة 20/4/2001م لسماحة الشيخ عبد الأمير الجمري في جامع الإمام الصادق(ع) - المنامة

 

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطاهرين وأصحابه المنتجبين والتابعين بإحسان إلى يوم الدين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فقد قال الله تعالى ((وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا)). البقرة 143. السلام عليكم أيها الأحبة، مرّت علينا بالأمس ذكرى استشهاد الإمام علي بن الحسين السجّاد (ع)، ولنا عند هذه الذكرى وقفة. فالعودة إلى تاريخنا وتراثنا بما فيه من صفحات سوداء ومآسي مؤلمة أمرٌ ضروري إذا أردنا حقاً إعادة صنع تاريخنا من جديد فالأمة بلا تاريخ هي أمة بلا تجربة ولا خبرة وهي بالنهاية أمة مراهقة. وأقول: العودة إلى التاريخ أمر ضروري لأنه بأحداثه ومآسيه بحلوه ومُره يعيد نفسه علينا ((وتلك الأيام نداولها بين الناس))، فمن يريد التصحيح والتنقيح فعليه أخذ العِبر. ففي تاريخ البشرية أنبياءٌ ورسل، ومفكرون وأبطال، سطّروا أروع الملاحم، ولكن في التاريخ أيضاً عصاةٌ ومجرمون وطغاةٌ وسفّاحون سودوا صفحات التاريخ، ولكن القائمة لم تنته بعد، والخيار خيار الإنسان في أي قائمةٍ يريد أن يكون!! وهذا إمامُنا السجّاد (ع) واحد من أئمة الهدى وقادة الحق، فماذا تريد منا ذكراه وماذا نريد منها؟! البعض عند تناول هذه الشخصية يركّز على بعض الأدوار العاطفية بغرض استحضار الدمعة دون أن يلتفت أنه بهذه الطريقة يرسّخ في الذهن والذاكرة صورة مشوهة يصعب تصحيحها. فقصة مرض السجّاد (ع) في أحداث كربلاء صوّرت هذه الشخصية بالرجل المسكين المريض العليل المشلول، والبعض شوّه الصورة أكثر بالحديث عن انزواء الإمام واعتزاله الناس وترك الجهاد والخوف على نفسه من الظالمين. فهل تنسجم هذه الصورة مع موقفه البطولي في مجلس الطاغية يزيد؟ وهل تنسجم مع الأدوار الأخرى التي تلت ذلك؟ أتصور أن هذا الخلط جاء لسبب رئيسي وهو عدم فهم أدوار الأئمة. فدور كل إمام يعتمد أساساً على عاملين مهمين: 1)درجة وعي الأمة وحاجاتها المرحلية على خط المسيرة الإسلامية. 2)الواقع السياسي المعاصر للإمام أو هامش الحرية المتاح لنجاح دوره. وهنا أقول: الخطأ في فهم وقراءة المرحلة، الخطأ في تحديد الأولويات يؤدي فعلاً إلى الخطأ في تفسير مواقف الأئمة. فمثلاً الذين يحصرون الأسلوب الإصلاحي في الأسلوب العسكري أو العمل المسلّح يخطئون في فهم دور الإمام الحسن أو السجّاد (ع) قياساً بدور الإمامين علي و الحسين (ع). ويخطئ الذين يحصرون العمل الإصلاحي في الجانب السياسي دون الجوانب الأخرى، بل أقول حتى في الجانب السياسي يخطئ الذين يركّزون فقط جهودهم على الحصول على كراسي الحكم. العمل الإصلاحي أوسع من الثورة، وهدفه معالجة الخلل الموجود في جسد الأمة. الإمام السجاد (ع) بعد استشهاد أبيه كانت لديه أولويات منها:* إعلان هوية الحركة أوالثورة الحسينية.* ترسيخ نهضة الحسين في الأمة. * بناء القاعدة الشعبية فكرياً وروحياً. * مقاومة الإنحراف والمحافظة على نقاء الإسلام وأصالته. ولذلك حين أُدخِل الإمام مجلس يزيد، طلب من يزيد صعود المنبر ليعرّف نفسه ويعلن هوية حركة الحسين (ع) ويفشل إعلام السلطة بأن السبايا خوارج من الترك أوالديلم. وبعد امتناع يزيد من الإذن ، وإصرار الإمام، وإلحاح الحاضرين على يزيد أن يأذن له، وبعد الإذن، صعِد المنبر وحمد الله وأثنى عليه وقال فيما قال: " ... أيها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني أنبأتُه بحسبي ونسبي، أيها الناس أنا ابن مكة ومِنى، أنا ابن زمزم والصفا... انا ابن من حُمِل على البراق وبَلَغ به جبرئيل سدرة المُنتهى، انا ابن صالح المؤمنين ووارث النبيين... وقاتل الناكثِين والفاسقين والمارقين ابو السبطين الحسن والحسين، انا ابن فاطمة الزهراء وسيدة النساء وابن خديجة الكبرى" إلى أن قال: " انا ابن المرمل بالدماء أنا ابن ذبيح كربلاء" فحين وصل إلى هذا المقطع ضجّ الناس بالبكاء وخشي يزيد الفتنة فأرسلهم بعد ذلك إلى المدينة، ولكن لم يخرجوا إلى المدينة إلا بعد أن قَلبوا الرأي العام على يزيد بإيضاح ثورة الحسين (ع) وماهيتها ومبادئها وأهدافها. لا أريد أن أسرد الأحداث فالجميع يعرفها ولكن أقول: أن أي حركةٍ لابد من تحديد هويتها والتعريف بنفسها وبرنامجها حتى تفشل الإعلام المضاد الذي يريد أن يلصق بها الاتهامات، وحتى في وقتنا الحاضر أنظر بماذا يصفون الحركات الإسلامية، تارةً يقولون متطرفة، أصولية، رجعية. إذا حدّدنا هويتنا وبرنامجنا لا يهم ماذا يقول الآخرون عنّا، كذلك الناس تريد أن تعرف إجابات واضحة حول بعض القضايا الحسّاسة. مسئوليتنا أن نجيب عن الأسئلة التالية: من نحن؟ ماذا نريد؟ وكيف وإلى أين نتجه؟! قلت وما زلت أقول: إننا حين نتحدث عن المشروع أو البرنامج الإصلاحي لسنا في عجلةٍ من أمرنا لأننا نريد برنامجاً شاملاً عملياً، ولكن هذا لا يمنع من تحديد وإعلان الأولويات والخطوط العامة التي تَفْصِلُنا وتميّزنا عن الآخرين. نعم، نحن كتيار إسلامي يتبنى المبادئ الإسلامية برنامجاً عاماً لكنه تيار وسطي غير متطرّف ولا متحرر إذا صحّت هذه المسمّيات. ونريد إصلاحاً لا ترميمياً ولا ترقيعياً، يشارك فيه المواطن كل المواطن شرط الإخلاص والكفاءة، ونرفض استنساخ التجارب الأخرى وإن كنا نؤمن بالاستفادة من تجارب الآخرين. هذه الخطوط والأفكار ستكون في متناول الجميع؛ لأننا نؤمن بالانفتاح والشفافية. وسنتعرّض لها كما وعدنا في الأسبوع الماضي من خلال صلوات الجمعة. وختاماً مازال الجرح الفلسطيني ينـزف وما زال العدوان الصهيوني البربري جاثماً على صدر أبناء فلسطين الحبيبة. عدوانٌ يتلوه عدوان. قَبِل البعض باجتماعات "مدريد"، ثم "أوسلو" و "جنيف" و"كامب ديفيد" إلى آخر المسلسل، ولم يقبل اليهود بهذه التنازلات ولم يتوقف عن هدم البيوت وإحراق المزراع وقتل البشر، وهاهو "شارون" يعيد احتلال ما سمُي بأراضٍ تفضّلت اسرائيل بها على الفلسطينين !! فإلى أين يريد الإسرائيليون أن يصلوا؟ البعض يضغط على الفلسطينيين ليكونوا أكثر واقعية وأكثر منطقياً، وليقدّموا دليلاً على ذلك مزيداً من التنازلات والتنازلات. لو التزم حزب الله بهذه الواقعية والمنطقية التي يتحدثون عنها لما تحرّر الجنوب، وإذا التزم السوريون بهذه الواقعية فلن يستعيدوا الجولان، وبالنهاية ستظل القدس أسيرةً بأيديهم. الآن يريدون محاصرة القيادة السورية واللبنانية وحزب الله مع بقية الحركات النظيفة، يريدون إغراقها في حرب طائفية، لأنها الجبهة الوحيدة الصامدة ضد إسرائيل. حديث الرئيس المصري حسني مبارك والرئيس السوري بشّار الأسد ولا شك وجّها صفعةً في وجه "شارون". لكن هذا لا يكفي، لابد من خطوات عملية تفهم العدو أن العرب يفعلون ولا يكتفون بالأقوال أو المؤتمرات. نريد أفعالاً خصوصاً من جانب الدول الإسلامية الكبرى. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.