حديث الجمعة 16/11/2001م لسماحة الشيخ عبد الأمير الجمري في جامع الإمام الصادق(ع) - المنامة

 

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين، وأصحابه المنتجبين والتابعين بإحسان إلى يوم الدين.

 

أيها الإخوة والأخوات ،أيها الأبناء والبنات:السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد فقد قال الله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}  (البقرة:183) .

 

أيها الأحبة:

سيكون كلامُنا اليوم على ضوء الآية المباركة وانطلاقاً منها:إنَّ فريضة الصوم التي أعلنت الآيـة وجوبها في هذا الشهر الكريم تهدف إلى السمو بالروح البشرية نحو السماء من أجل تمكينها من حمل تلك الأمانة التي أشفقت السماوات والأرض والجبال  من حملها. ومن نافلة القول أن نؤكِّد أن الإسلام يُعنى بالروح البشرية أيما عناية ،كيف لا والقرآن يؤكِّد بأن {الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي}، نعم هذه الروح التي كرَّمها الله تعالى ونسبها إلى نفسه في قوله تعالى:{فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي} (الحجر: 29) هذه الروح إن تمَّت العناية بها وتهذيبها أتت بالمعاجز ،فقد جاء في الحديث القدسي:{عبدي أطعني تكن مَثَلَي أو (مِثْلي-) أقولُ للشيء كن فيكون وأنت تقول للشيء كن فيكون}.ويأتي الصوم في طليعة المناهج الروحية في الإسلام التي شرَّعها الإسلام من أجل الرُقي بالإنسان ليتمكَّن من حمل الأمانة الإلهية. وما هي هذه الأمانة؟ التي تحمَّلها الإنسان ؟يرى بعض العلماء بأن هذه الأمانة هي قلب المؤمن. ويَستدلُّ على ذلك أو يستشهد بالحديث القدسي القائل:" لم تسعني أرضي ولا سمائي ولكن وسعني قلب عبديَ المؤمن" هذا القلب هو أمانة.وهذا رأيٌ لطيف وبنَّاء، وعليه كم يتوجَّب علينا من أجل رعاية هذه الأمانة الإهتمام برعاية هذا القلب الذي هو عرشُ الرحمن- كما ورد في بعض الروايات.......

 

أيها الأحبة:

وفي هذا الشهر الكريم، شهر الصيام الذي هو أفضل الشهور،كما قال رسول الله(ص) هناك أساليب وأساليب يطرحها الإسلام،وقنوات وقنوات يفتحها الإسلام من أجل إعطاء هذا القلب الحياة، وضخّ الروح بالحيوية ،وتخليص الإنسان من الجفاف الروحي،الذي ينعكس بشكلٍ لا مراء فيه على سلوك الإنسان ،وعلاقاته الإجتماعية، وأخلاقه، وتعامله، فمن هذه الأساليب والقنوات،وبعبارةٍ أُخرى من آليات تحقيق سمو الروح البشري:-

 

1. الترويض النفسي من خلال الصيام: ففريضة الصوم هذه الفريضة العظيمة تُروِّض الإنسان على الإمتناع عن بعض الشهوات من أكلٍ وشربٍ وجنس ،حتى لو كان وحده، وبدون رقابة الآخرين، ومن هنا نعرف أهميّة الهدف من الصيام،وهو تثبيت التقوى كحالةٍ يعيشها الإنسان،ويلتزم بها ،ولها الأثر الأكبر على سلوك الإنسان ،وعلى عطائه. والتقوى في مفهومها ومدلولها اللغوي والشرعي:جعل النفس في وقاية مما يُخاف .وقد جاء في الحديث : {من اتقى الله أربعين يوماً جرت الحكمة من قلبه إلى لسانه}.  وما أعظمها من نعمةٍ! (أعني الحكمة) التي يقول عنها القرآن الكريم: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً}  (البقرة:269) ، وبالتقوى يبعد الإسلامُ النفسَ عن الرذائل ،ويرتفع بها نحو الفضائل الخُلُقية. ولذلك فإن الإنسان الذي يصنعه الإسلام يكون حائزاً على درجاتٍ من الكمال والرقي،فلا غرابة أن يكون –كما في نهج البلاغة- أعظم حرمةً من الكعبة.أما الإنسان الذي يرفض المناهج الربانية ويهوي إلى الحضيض إلى حيث البطن والفرج،ويلتصق بالدنيا ففيه يقول أمير المؤمنين(ع):{من كان همُّه بطنه كانت قيمته ما يخرج منها}.فهذا الشهر فرصة لمعالجة الجفاف الروحي ،وموت القلب، والغفلة،وذلك عبر المداومة على الأدعية المأثورة،مثل دعاء السحر،ودعاء الإفتتاح،ودعاء الجوشن الكبير،هذه الأدعية التي تمثِّل الحوار الصادق بين العبد وربِّه،في مناجاة يتقرَّب فيها العبد إلى خالقه.هذه وسائل تُساهم في تنقية النفس من الذنوب ،والأمراض النفسية.

 

2. تلاوة القرآن بتدبُّر: هذه التلاوة كافية للبناء الذاتي،والتربية النفسية ،وتحقيق السمو للروح البشري وفتح الآفاق الفكرية،هذه التلاوة حثَّ عليها القرآن الكريم،  قال تعالى:{أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً} (النساء:82) فهذه الآية المباركة تُبيِّن نوعية التلاوة المطلوبة،وهي أن تقرأ القرآن  قراءة تأمُّل واستلهام، قراءة عملية لا لفظية،واعيةً لا تقليدية تتمثَّل في قراءة الأجزاء والختمات بسرعة وبدون وعي،قراءة لا تقتصر على حصول الثواب لنا ولموتانا بعيداً عن تدبّر المضمون،  فإن القراءة الجامدة اللا ّواعية ،والبعيدة عن التأمل والتدبر لا بناء فيها، ولا مصلحة فيها،بل قد تكون سبب طرد وحرمان عن رحمة الله تعالى، فقد جاء في الحديث:{ويلٌ لمن لاكها بين لحييه ثم لا يتدبَّرُها}  وقال الله تعالى:{أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}(محمد:24) ،وقال الإمام زين العابدين(ع):{ آيات القرآن خزائن ،فكلَّما فتحتَ خزينة ينبغي لك أن تنظر ما فيه}. والخلاصة :إن التلاوة اللاّ واعية تفقد القارئ الهدف الذي يريد القرآن تحقيقه في الإنسان، فإن الهدف الأساسي للقرآن هو صنع الإنسان العقائدي ،الإنسان المفكِّر، الإنسان الحر، الإنسان الصامد.

 

3- التزاور وتفقُّد أحوال المؤمنين المحتاجين:  فبهذه الآلية يتحقَّق التقارب والتعاون،والتفاعل،وكون الإنسان يعيش مشاكل الإنسان الآخر،وتنعدم الحساسيات وتُقهر الأنانيات،وتذوب الأمراض النفسية،فيسمو الإنسان والمجتمع إلى الوحدة ،والتعاون الحقيقي، والإمتزاج النفسي، والتفاعل الفكري.وهذه فرصة لمعرفة أوضاع المؤمنين وحاجاتهم، فالذي راتبه مائة وعشرون ديناراً أو أقل كيف يستطيع توفير قوته وقوت عياله؟ أتصوَّر أن الصناديق الخيرية وأصحاب الأيادي الخيِّرة مدعوّون في هذا الشهر للمساهمة في هذا الجانب تقرُّباً إلى الله تعالى.

 

4-المواسم الثقافية: ومما ينفتح له الموسم الرمضاني ،ويكون مسرحاً جيداً له: المواسم الثقافية، على أن تكون قد أُعد لها فكر صحيح بنَّاء،منظَّم ،وعلى أن تكون مركزية ولو على مستوى المنطقة على الأقل،فإنَّ كثرتها تفقدها العطاء.وهنا أُوجِّه دعوة وإن كانت متأخرة،وهي: العمل على إقامة المواسم الثقافية القرآنية وعلوم القرآن جنباً إلى جنب مع بقية القضايا الثقافية المهمَّة.

 

5-المنبر الحسيني: وهنا لا ننسى أن المنبر  الحسيني مصدر إشعاع وعطاء،وتربية وبناء، على أن يعد الأخوة الخطباء أنفسهم إعداداً جيداً،ويُهيئون المعارف اللازمة ،والثقافة الصحيحة، والزاد الفكري النيِّر منطلقين فيما يقدمون من معلومات ومواضيع من القرآن الكريم،وسيرة الرسول الأعظم(ص) وأهل  بيته الأطهار(ع) والقادة والصحابة المجاهدين الذين مثَّلوا الإسلام وضحَّوا له، بعيداً عن المواضيع التافهة والقصص التاريخية والطُّروح التي لا تلتقي مع واقعنا المعاش ، ولا مرحلتنا الإصلاحية. وإني أدعو إلى التركيز على المناسبات الكبيرة في هذا الشهر ،كغزوة بدر الكبرى، وشهادة أمير المؤمنين(ع)،ويوم القدس العالمي. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ،وإلى أرواح شهدائنا الأبرار وجميع أموات الأمة الإسلامية رحم الله من قرأ الفاتحة تسبقها الصلوات.