حديث الجمعة 13/4/2001م لسماحة الشيخ عبد الأمير الجمري في جامع الإمام الصادق(ع) - المنامة

 

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطاهرين وأصحابه المنتجبين والتابعين بإحسان إلى يوم الدين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فقد قال الله تعالى ((وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا)). البقرة 143.

أيها الأحبة وهذا أسبوع آخر نلبي فيه نداء الرحمن نداء الحق والخير والسلام، نلتقي مرة أخرى بعقول منفتحة وقلوب صافية، بأيدٍ إلى الله ممدودة، نسأله أن يغفر ذنوبنا ويتجاوز عن سيآتنا إنه سميع مجيب. تعالوا أيها الأخوة والأخوات والأبناء والبنات نعش في أجواء هذه الآية المباركة لما فيها من الدروس العظيمة والعبر القيّمة. فالحديث في هذا الأسبوع عن الوسطية والأمة الوسط، فقد كثُر اليوم الحديث عن الخط الوسط والاتجاه ا لوسطي في قبال الخط المتطرف أو الاتجاه الليبرالي. والكثير بطبيعة الحال يدّعي أن موقفه وسطي والآخرون متطرفون أصوليون.فما هو مفهوم الوسطية والذي وصفت الآية به الأمة، والذي يعنيه الحديث الشريف : ((خير الأمور أوسطها)). قال علماء الأخلاق هو الوسط بين الطرفين، فالشجاعة مثلاً وسط بين طرفي الجبن والتهور، وكذلك الكرم وسط بين البخل والتبذير. وقال بعض المفسرين أن الوسط هو العدل، وذلك أن الزيادة على المطلوب في الأمر إفراط، والنقص عنه تفريط وتقصير. وقال آخرون أنه العدل والتوازن على أساس ما تمثله الشريعة الإسلامية من الوسطية بين الاتجاه الروحي المتطرف الذي يمثله النصارى وبين الاتجاه المادي المتطرف الذي يمثله المشركون واليهود. لأن الإسلام يريد للإنسان أن يعيش حياته بصورةٍ طبيعية فيعطي الروح حاجاتها ويعطي الجسد حاجاته. وهذا المفهوم الوسطي لا يعني هو الوسط الرياضي المقسوم على العدد اثنين في كل قضية، فبين الحق والباطل والخير والشر لا يوجد خط وسط، ولا يوجد خط مخطوط ملون بين العدل والظلم. بعض الناس بدافع المصالح الشخصية يتلونون بكل ألوان الطيف، يأخذون من الدين الصلاة والصيام ويتركون العمل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحجة أنه طريق يجر إلى المشاكل ولا يرجع عليهم خيراً في الدنيا. يحتجون بهذا مع إن مشرّع الصلاة والصيام وسائر الفرائض هو مشرّع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذه الفريضة التي تستأصل بها شأفة الفساد. ولقد سجل حكيم الإنسانية بعد محمد (ص) سيدنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) الرد مسبقاً على ما احتج به هؤلاء وقال: (( إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لن يقرّبا أجلاً ولن يقطعا رزقاً، إن الأمر ينزل من السماء إلى الأرض كقطر المطر لكل نفس بما قدّر الله لها من زيادةٍ أو نقصانٍ)). أجل يحتجون في عدم تطبيق تلك الفريضة العظيمة بما ذكرناه، وهذه كلها مغالطات. وهذه كلها بعيدة عن مفهوم الوسطية القائم على العدل والتوازن، فلا مجال فيها – أي الوسطية - للتطرف ولا موقع فيها للفساد أو الخلل، وهذه الآية ربطت بين مفهومين "الوسط" و "الشهادة"، "الأمة الوسط" و "الأمة الشاهدة". فالأمة أي أمة لن تكون لها شرف الرقابة والشهادة على الفكر الذي يحمله الناس أو السلوك الذي يمارسه الناس وتحدد بعد ذلك صحته من خطئه، خيره من شره، هذه الأمة لن تكون كذلك إلا إذا كانت هي أولاً أمةً وسطاً في الفكر والسلوك، أمة الاعتدال والتوازن. فمن هي هذه الأمة؟ أيها الأحبة: الآية الكريمة أعطت هذه المنزلة للأمة التي تتبنى الإسلام عقيدة ومنهج حياة في القول والعمل في الفكر والسلوك. فأين هذه الأمة الآن؟؟ هل هي الأمة التي تعيش في هذا الزمان؟؟ هل هذه أمة الوسط والأمة الشاهدة أم هي الأمة الغائبة حقاً؟ انظروا بنظرة سريعة حال هذه الأمة: سياسياً: هذه الأمة مقسمة، قراراتها مشلولة وشعوبها طحنتها الحروب الداخلية والخارجية وأراضيها المقدسة مغتصبة من قبل الصهاينة المجرمين شذاذ الآفاق. واقتصادياً وفكرياً: تعيش هذه الأمة التبعية الكاملة، أمة تستورد كل شيء من الإبرة حتى غذائها من الخارج من الأمم الأخرى. فهل هي هذه الأمة الوسط الشاهدة على الأمم؟؟ أيها الأخوة والأخوات والأبناء والبنات إن بعث هذه الأمة من جديد يحتاج لجهود وجهود على مستوى الدولة الواحدة وعلى مستوى الأمة. وفي الدولة الواحدة عملية الإصلاح مسئوليتها لا تقع على رأس الدولة فقط بل تتعداها وتشمل كل القطاعات العاملة في هذا المجال. وفي هذا البلد العزيز بدأت عملية الإصلاح وبدأ الجميع في طرح شعاراتهم وأفكارهم ومنها بدأ الحديث عن "الاتجاه الوسط" القادر على المساهمة في الإصلاح بصورة معتدلة، لا تطرف فيها. وأقول إن التيار الإسلامي لا يعني هو التيار الوسط بالضرورة لمجرد الاسم فقط، فهذه الأمور لا تورث جيل عن جيل، وإنما تحتاج العملية لحالة طوارئ على مستوى الفكر والسلوك بعيداً عن الشعارات لبعث الروح من جديد، وهي مسئولية الجميع. وهنا تبرز قضية التحديات والعقبات الناتجة بسبب الظروف القاسية والتي تحتاج لعلاج حتى يعود للإسلام صفاؤه ونقاؤه كما أراده الله بعيداً عن المذهبية، فالجميع يعيش للإسلام. هذه النقاط ستكون محور أحاديثنا في الأسابيع القادمة. وقبل الختام لنا وقفة مع لجنة تفعيل الميثاق التي أصبحت اليوم حديث الشارع والمجالس. وقد قرأنا في الصحافة عن جدول أعمالها الذي شمل بعض القضايا المهمة كقوانين الجمعيات وقانون الصحافة والنشر والمناقصات العامة وإنشاء ديواني الرقابة الإدارية والمالية...الخ. وأقول إن هذه بدايةٌ تبشّر بالخير فاللجنة بقيادة ولي العهد وضعت نفسها على الطريق الصحيح بتشخيصها للمواضيع التي فعلاً تحتاج للدراسة الفورية ومراجعة القوانين التي صدرت في فترة غياب المجلس الوطني. وبداية جيدة أيضاً أن نقرأ عنها بشفافية في الصحافة، فليس من المنطق أن تعمل هذه اللجنة في الظلام، وهي المسئولة عن تسليط الضوء على مكامن الخلل وإعادة النظر في قانون الصحافة مثلاً. وإننا لنشيد موقف سمو الأمير ونعتبر تصريحه حول السياحة الهابطة والمبتذلة منطقياً سليماً يلتقي مع الخط الإسلامي والتوجه السليم، ويمثل الموقف المحافظ والمهتم بقيم الأمة. وهذا ما يحقق طموحات هذا الشعب المسلم ويطمئنه بصدور الخطوات المتتالية المحققة لسلامة قيمه الروحية وطابعه الإسلامي بعيداً عن كل سلوك لا يقره الإسلام. وإننا لمنتظرون تلك الخطوات الإيجابية لتنظيف البلد من كل ما لا يلتقي مع قيمه وأصالته بشوق شديد وفارغ صبر، سائلين المولى سبحانه السداد والصوابية للجميع. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.