الشيخ عبد الأمير الجمري حول ذكرى عاشوراء الحسين (ع):
الحسين يعلمنا نبذ التفرقة الطائفية فثورته كانت لكل المسلمين
لابد أن يكون للمنبر الحسيني مساهمة جادة في توحيد كلمة المسلمين
الأوضاع السياسية السابقة خلقت حواجز بين المسلين بطوائفهم.
اقتراح دعوة مفكِّرين إسلاميين من مذاهب أخرى لتحاضر جدير بالدراسة،
التطبير ممارسة خاطئة ولم تقم على أسس معتمدة، ولا تخدم قضية الحسين(ع).
التبرع بالدم لصالح المحتاجين تمثيل للثورة الحسينية في التضحية
كتب- فهيم عبدالله
ثورة الحسين (ع) كانت من أجل كل المسلمين لتقيم الانحراف الحاصل الذي كان يُهدِّد الدين عندما يستخدم الحاكم الظالم كلّ أدواته ليتغلغل في أحكام الإسلام ويطوعها لمصالحه الذاتية، فترسم هذه الثورة النبراس في مقارعة الظلم وعدم المهادنة مع المسيئين للدين.
وتعلمنا ثورة الحسين الوحدة مع جميع طوائف المسلمين وذلك في هدف أول ومركزي حيث أن الثورة لم تكن خاصة بفئة دون أخرى بل كانت من أجل كلِّ المسلمين وشارك فيها عدد من جميع التيارات السياسية آنذاك لتؤكد لنا أهمية التلاحم من أجل خدمة قضايا كل المسلمين.
ومن الواضح بأن الممارسات الحسينية في البحرين قد شهدت تطوراً ملحوظا في الأداء حيث عبَّرت عن مدى حضارة الثورة الحسينية وخير مثال على ذلك تبنيها في هذا العام بالذات القضية الفلسطينية ومواصلة حملات التبرع بالدم لصالح هذه القضية، وهي قد أتت كبديل عن ممارسات خاطئة كانت تتم في الماضي مثل التطبير والذي لم يقم أساسا على أساس شرعي وديني.
هذه كانت محاور لقائنا مع سماحة الشيخ عبد الأمير الجمري..
* ما هي الدروس المستفادة من الثورة الحسينية على أرض الواقع العملي في البحرين؟
** علينا أن نتعلم من سيد الشهداء (ع) كيف نحافظ على ديننا، وكيف ندافع عن قيمنا، وكيف نرفض شيوع المنكرات.. علينا أن نعرف أن الإمام الحسين (ع) قد ثار من أجل رفض الظلم والبغي، وأنه لم يخرج أشراً ولا بطراً ولا ظالماً، ولا مفسداً وإنما لطلب الإصلاح في أمة جدِّه النبي محمد المصطفى (ص) كما صرَّح بذلك في البيان الأوَّل لثورته المقدسة.
وعلينا أن نلتزم بنهج الإمام الحسين (ع) في المحافظة على وحدة الأمَّة ونبذ الفرقة والطائفية البغيضة، فالحسين(ع) لم يقم بعمله العظيم من أجل طائفة من المسلمين، بل قام من أجل ردِّ المنكر والانتصار لدين الله تعالى، وقد قام من أجل الحفاظ على دين جدِّه محمد (ص) من التحريف.
* كيف ترى أداء خطيب المنبر الحسيني في خدمة الأهداف الحسينية؟ وإلى أي مدى يتطور أداء الخطباء؟
** هناك تفاوت ملحوظ في أداء الخطباء لدينا في البحرين كما هو الحال في بلدان أخرى، والتفاوت راجع للتفاوت في مستويات الخطباء أنفسهم، فالبعض منهم لديه تحصيل علمي جيد وتفاعل مع الشباب وعموم الناس وفهم للمجتمع، إضافة إلى مقدرة خطابية مما يمكنه الظهور بمظهر جيد يستطيع من خلاله إفادة الناس وإثراء المنبر الحسيني.
عناصر جديدة جيدة
وهناك البعض الآخر الذي يفتقر لكلِّ ما ذكرناه، وأتصوَّر بأنَّ هناك عناصر جيِّدة قد ظهرت على الساحة في الفترة الأخيرة لا سيما بعد عودة بعض المهجَّرين إلى البلاد الذين كانت لهم إمكانيات علمية طيِّـبة وتجارب عملية ثريّة استطاعوا من خلالها تقديم مادّة وعظيّة وعلميّة رفعت من رصيد المنبر الحسيني علميا وأداء في البحرين.
المادة العلمية الجيّدة والموعظة المفيدة يصبّان في خدمة أهداف الحسين (ع)، حيث يجب أن تكون المحاضرات متجِّهة لمعالجة المظاهر الاجتماعية الخاطئة والمنكرات، وكذلك الانتصار للمظلومين في شتّى بقاع الأرض لا سيما الشعب الفلسطيني المضطهد، فإذا قام الخطباء بذلك فإنَّهم يكونون قد التزموا المنهج الذي سار عليه الإمام الحسين (ع).
* كيف يسهم المنبر الحسيني في جمع كلمة المسلمين؟ وما رأيكم في أي توجه في هذه الخطب قد يتعدى على البعض من الطوائف الأخرى؟
** لا أعرف إن كان هناك متهجِّم على الطوائف الإسلامية الأخرى عندنا في البحرين، وإن وُجِدَ مثل هذا فإنَّه – بلا شك- بعيد عن قيم وأخلاق أهل البيت(ع)، فالإمام الحسين (ع) قد صرَّحَ بأنَّ حركته إنَّما كانت لطلب الإصلاح في أمَّة جدِّه رسول الله (ص)، فهو لم يخرج لتغليب فئة من المسلمين على أخرى، ولم يدخل مع القوم في جدل حول قضايا فقهية أو كلامية بل كان الأمر يعود إلى وجود حاكم فاجر فاسق يتأمَّر على المسلمين، وقد قال (ع) عنه:
"ومثلي لا يبايع مثله".
فالمنبر الحسيني يجب أن تكون له المساهمة الجادَّة في جمع كلمة المسلمين، فنحن جميعا نختلف في بعض الأمور الفقهية، ولكنَّنا لن نختلف في تشخيص الظلم والطغيان الموجود في العالم، وإنَّ من يتحدَّث عن حركة الإمام الحسين (ع) إنَّما يتحدَّث عن حالة رفض كل أنماط الظلم وكل أشكال الطغيان والفساد، وبالإمكان حينئذ الاتفاق مع الأحرار من كافة المذاهب الفكرية والدينية على هذا الأمر، وبهذا يكون الحسين (ع) هو الصوت الهادر في وجه الظلم في كل زمان ومكان والذي يجب أن يتفق عليه الجميع سنة وشيعة.
ليس للشيعة فقط
* وهل الاحتفالية السنوية الحسينية تقتصر على الشيعة؟ ولماذا لا يتم الطلب من المفكرين الإسلاميين من المذهب السني المشاركة في إلقاء الخطب حول الثورة الحسينية؟
** لعلَّ الأوضاع السياسية التي سادت على مدى التاريخ قد أوجدت بعض الحواجز بين المسلمين، وإننا نؤكد بأن الحواجز هذه قد وجدت بسبب أوضاع سياسية وليس فكرية، ففي المدارس الفكرية كان هناك التقاء بين العلماء وقد تتلمذ على يدي الإمام جعفر بن محمد الصادق بعضٌ من أئمة المذاهب الإسلامية الأُخرى كما تتلمذ بعض علماء الشيعة على أيدي علماء سنة، ونحن نرى بأنه إذا ما تطوَّرَ الوضع السياسي لدينا في البحرين فإنَّنا حتماً سنتّجه نحو "مجتمع أكثر تآلفاً".
إن دعوة مفكرين من المذاهب الإسلامية الأخرى للمشاركة في موسم عاشوراء فكرةٍ جديرةٍ بالإهتمام، ولا نرى أي مانع من القيام بها، ونأمل أن تدوم علينا نعمة الأمن وإغلاق الباب في وجه المفرِّقين، والمفتّنين، ودعاة السوء والشرِّ في هذا البلد الكريم، وأن يتطوَّر وضعنا إلى المستوى الذي يساعدنا على القيام بخطوات أكبر في المواسم القادمة.
* كيف ترى تطور أدوات التبليغ الحسيني سواء المنبر الحسيني أو الموكب العزائي وأثره على إيصال الأهداف الحسينية؟
** هناك تطوَّر كبير حدث لدينا في البحرين، ومن الممكن أن يكون قدوة للآخرين، فقد تم تأسيس وتطوير فكرة التبرع بالدم في هذا الموسم وهناك إقبال كبير بهذا الخصوص، ولا يقتصر الأمر على الطائفة الشيعية، بل كان هناك في الموسم الماضي عدد من الشخصيات السنية المعروفة ساهمت في إنجاح الحملة، وهناك أيضا المرسم الحسيني الذي قد واصل تطوُّره، وهذا يشكِّل تنوعاً جيدا في الأساليب وكلها تخدم هذه المناسبة.
وأما بخصوص التبليغ الحسيني فما لا شك فيه أنَّ هناك بعض التطوّر يلحظه المتابع للخطباء وخاصة بعض المحاضرات الفكرية الجادّة جداً من قبل بعض العلماء أصحاب المكانة العلمية المرموقة، وأما بخصوص مواكب العزاء فهي الأخرى تشهد تطوّراً ومن بينها المسيرة العلمائية التي تنطلق من مأتم رأس رمان والتي أضافت هيبة على الموكب.
الموقف من التطبير
* ما هو موقف العلماء في البحرين من الممارسات التي قد تؤثر على سمعة الثورة الحسينية مثل التطبير أو الضرب بالصناقل؟
** لقد تحرَّك العلماء في خارج البحرين في الحوزات العلمية في فترات مختلفة لتوجيه الناس من أجل تنقية الشعائر الحسينية من الممارسات الخاطئة التي لم تقم على أسس دينية وشرعية، بل نشأت وتطوّرت بعيداً عن توجيه العلماء والمراجع والمفكِّرين المتنوِّرين، وقد آتت هذه الجهود الخيرة للعلماء ثمارها مؤخَّراً حيث تم تصحيح الكثير من الأوضاع الخاطئة التي كانت سائدة حتى وقت قريب، خاصَّة فيما يتعلَّق بظاهرة "التطبير" التي لا تخدم قضية الحسين (ع).
إنَّ هؤلاء الذين يتصوَّرون أنَّهم يواسون الإمام الحسين (ع) من خلال جرح رؤوسهم عليهم أن يلتفتوا إلى أنَّ الإمام لم يعمد إلى جرح رأسه أو إلحاق الأذى بنفسه، بل إنَّ الجراح التي أصابته إنَّما كانت أثناء قيامه بعمله الجهادي البطولي العظيم.
إنَّ مواساة الإمام الحسين (ع) لِمن يريد أن يسكب شيئا من دمه إنما تكون في سوح الجهاد.. علينا أن نعرف إنَّنا إذا كنّا نريد التعبير عن الأسى والحزن لمقتل سبط الرسول (ص) فإنَّ ذلك لا يكون بإلحاق الأذى بأنفسنا.. نعم يكون بالحرقة القلبية وذرف الدموع للفادحة العظيمة لما أصاب الإمام وأهل بيته من أذى وقتل وتشريد، وأما إراقة الدماء فتكون في سوح الجهاد.. كما أن هناك حملات التبرع بالدم التي تنسجم مع أهداف الحسين (ع) من حيث إيجاد روحية التبرع والتضحية من اجل الآخرين.
-------------------------------------------------
تغطية ليلة العاشر من المحرم
الشيخ عبد الأمير الجمري في ليلة عاشوراء في سترة:
لابد من دعم القضية الفلسطينية لأنَّها القضية المركزية للمسلمين
ألقى فضيلة الشيخ عبد الأمير الجمري كلمة بمناسبة ليلة عاشوراء الحسين (ع) في قرية الخارجية بسترة وبحضور آلاف من المشاركين بعد صلاتي المغرب والعشاء حيث أكد فيها على ضرورة دعم القضية الفلسطينية على أساس أنَّها القضية المركزية للمسلمين وأنَّها تمثيل حي لمبادئ الثورة الحسينية العظيمة، وضرورة العمل على توطيد الوحدة الوطنية في البحرين.
وقال بأنَّنا ونحن نعيش هذه الليلة التي تحمل معاني ومضامين عظيمة ودروساً وعطاءاتٍ كثيرةٍ يكون بطلها في هذه الليلة سيد شباب أهل الجنة الإمام الحسين بن علي (ع) الذي وقف خطيبا في أهله وأصحابه مرخصا لهم في الإنصراف، ومتنازلاً عن حقِّه في النصرة، إلا أنّه لم يجد فيهم إلا من يصر على نصرته والدفاع عن المبادئ والحق، وعن حرم رسول الله (ص)، فكانوا نِعْمَ الأصحاب رضي الله عنهم جميعا، فهم كانوا يتنافسون على التضحية من اجل الحسين رمز العدل والحق والمبادئ.
وقال بأن أصحاب الحسين (ع) وهم المؤمنون بمبادئه والمصلون والساجدون والقريبون إلى الله يرسمون للأمَّة أبرز وأروع معاني الدفاع عن الحق العظيم، والمبادئ الإسلامية، وعدم خذلان المُصْـلِح حتى لو كلّفهم ذلك كلَّ ما يملكون.
وقال بأنَّ للنساء دوراً عظيماً في واقعة كربلاء وعلى رأسهنَّ العقيلة زينب بنت علي بن أبي طالب (ع) حيث قامت بحمل الجزء الكبير من القضية وهو الجزء الآخر، وهو جهاد الكلمة، بعد جهاد الدم الذي قام به الحسين(ع) وأصحابه وأهل بيته(ع). أجل قامت بهذا الجزء بمعيَّة الإمام السجاد (ع) بعد انتهاء المعركة التي خاضها الحسين(ع) وأهل بيته وأنصاره.
وأكد سماحة الشيخ الجمري على أنَّ هذه القضية استمرت مع الزمن لتمثل ظاهرة طلب الحق والعدل من الظالمين وعدم التنازل عنه حتى لو كلَّف ذلك التضحية، وخير مثال عصري على ذلك ما يقوم به المجاهدون الفلسطينيون من تضحية وجهاد من أجل نصرة القضية المركزية للمسلمين ألا وهي القدس وفلسطين المحتلة.
وقال بأنَّ اللبنانيين والفلسطينيين مجتمعين يعطون لنا الدرس الحاضر للتضحية والفداء، لأجل القضية وبنفس الطريقة، حيث تقف القلَّة وبالسلاح المتواضع أمام جبروت الظالم والمحتل والطاغي بأسلحته الفتاكة دونما خوف أو وجل، بل بإيمان عظيم بالقضية والدفاع عن كرامة الأمَّة وقيمها، لينتصر بذلك الدم على السيف كما هي الحقيقة الثابتة في كلِّ زمن.
ويؤكد سماحة الشيخ على أنَّ الثورة الحسينية تُعلِّمنا بأن لا يتراجع أي مصلح أو حامل برنامج إصلاحي للمجتمع عندما يلقى الصعوبات، بل عليه أن يصمد كما صمد الحسين(ع)، وأن يقارع الظلم حتى ينتصر في قضيته، حيث لا مسوِّغ للتراجع بحجَّة الصعوبات التي يلقاها، بل وعليه أن يعمل بإيمان وبقوة وجُهد ذاتي حتى يأتي نصر الله. أجل علين أن لا ينهزم أو يرتبك أو يتراجع، بل عليه أن يُضحّي وأن يتنازل عن المصالح والمكتسبات الشخصية لصالح القضية العامة.
كما صرَّح سماحته بأنَّ الإمام الحسين (ع) أسَّس في البيان الأوَّل لثورته مبدأً آخر في التعامل مع الداعية ، وصاحب الحركة، وهو قبوله واتّباعه والوقوف معه على أساس أحقيَّته الحركة والدعوة، وعدم القبول بالأشخاص لذاتهم في العمل العام حينما يقول(ع) "فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق" ولم يقل فمن قبلني لنسبي، وبيتيَّتي، ولأنّي ابن بنت النبي(ص)، وهو(ع) هنا يركّز على أهمية أن يُتَّبَع ويُختار الرجل الذي يحمل البرنامج الإصلاحي حسب ما يحتويه هذا البرنامج، بعيدا عن الشعارات الخالية من المضامين الحقَّة.
ويشدد سماحة الشيخ حفظه الله في خطابه على أهميّة رصِّ الصفوف والعمل من أجل الوحدة الوطنية الشاملة من أجل الحق والمبدأ الحق ويشير في ذلك إلى التفاف مختلف التيارات حول الإمام الحسين في ثورته فقد شملت ثورة الحسين(ع) زهير بن القين (رض) وهو كان عثماني التوجه، وكذلك وهب الكلبي وهو كان مسيحياً قبل ذلك، والعبد والحر والفقير و الغني وغيرهم من الشخصيات التي جمعها موقف الحق والعمل من أجل المبدأ والحق و الخير.