
أجرى الأخوة المؤمنون العاملون على مجلة فدك حواراً مفتوحاً مع سماحة الشيخ عبد الأمير الجمري
عنوان المجلة www.fadak.8m.com
بسمه
تعالى
سماحة
العلامة الشيخ عبد الأمير الجمري ... دامت أياديه
ونحن في صدد إبراز مجلة فدك في مجتمعنا
البحرين ، نشتاق إلى أن تشاركونا في هذا العدد عبر الموافقة بإجراء لقاء معكم ،
وتركنا لكم الخيار في رفض ما لا يناسب المقام ...
س1
: نود أن تطلعونا على نبذة من أخلاقيات مراجع الشيعة الإثني عشر ، والذين عاصرتموهم
أيام دراستكم في النجف الأشرف ؟
ج1 :
بسمه تعالى ، عاصرت في النجف الأشرف فترة دراستي ، عددا من المراجع العظام ، ووفقت
للقائهم وزيارتهم والإستفادة منهم ، وتشرفت بالتتلمذ على بعضهم ، وهم التالية
أسماؤهم : سماحة السيد محسن الحكيم (قدس سره) ، وسماحة السيد محمود الشاهرودي (قدس
سره) ، وسماحة السيد علي الفاني (طاب ثراه) ولي منه إجازة رواية مؤرخة في 1392 هـ
1972 م ، وسماحة الأستاذ السيد أبو القاسم الخوئي (طاب ثراه) وقد تشرفت بحضور بحثه
في الاصول لمدة سنتين ، وسماحة الشيخ عبد الكريم الزنجاني (قدس سره) ، وسماحة الشيخ
محمد أمين زين الدين (طاب ثراه) ، وسماحة الشهيد السعيد الأستاذ السيد محمد باقر
الصدر (طاب ثراه) ، وقد تشرفت بالتتلمذ عليه وحضور بحثه في الفقه الإستدلالي على
ضوء العروة الوثقى للسيد محمد كاظم اليزدي لمدة سنتين ، وسماحة الإمام الخميني قائد
الثورة الإسلامية (طاب ثراه) عدة سنوات منذ نفيه من إيران من قبل الطاغوت محمد رضا
شاه حتى عام 1393 هـ 1973 م ، وسماحة السيد حسين بحر العلوم (قدس سره)وقد تشرفت
بالتتلمذ عليه في شرح الباب الحادي عشر في الفوائد ، جزاهم الله عن الإسلام وأهله خير الجزاء
، وتغمدهم برحمته الواسعة .
وهؤلاء
الأعلام هم الأمثلة الرائعة ، والمدارس في العلم والتقوى ، والخلق الرفيع ،
والتواضع ، ورعاية الأمة ، والسهر على مصالحها ، وإعلاء كلمة الحق
.
وإعطاء
نبذة عن كل واحد منهم قد تضيق عنه مساحة المجلة حتى لو كان على شكل نبذ يسيرة ،
وأأمل أن أوفق لذلك في بحث مستقل .
س2:
هل يمكن أن نعرف عن نظام الحوزة الدينية في النجف الأشرف أيام عصرها الذهبي وفي أوج
عطاءها ؟
ج2:
يتميز محيط ونظام الحوزة العلمية عندنا بمميزات وخصوصيات لا نظير لها في محيطات
أخرى ، إن محيط الحوزة محيط صفاء ومحبة ومعنوية ، أي أن الروح المهيمنة على هذه
الحوزة هي هذه الروح العامة ، ومن لا يتميز بهذه المميزات الخاصة يكون
مخالفاً لروح الحوزة
ومستثنى منها . إن الميزة التي يعترف بها الطلاب بعضهم لبعض إنما هي ميزة العلم
والتقوى والعمل ، ويحترم الطالب أو يقدّر حقاً إلا من حيث
مقدار علمه وتقواه وعمله ، وإن فيهم الفقير والغني ، الريفي والمدني ، وأبناء
العمال وأبناء التجار والسادة ، وكان فيهم قديماً من طبقة الأشراف وأبناء الملوك
أيضا ، إلا أن كل شيء يفقد قيمته ، ولا تبقى إلا قيمة الفضل العلمي والمعنوي ، فهي
التي تنتزع احترام الطلاب لشخص ما وترفع مكانته . إن من عادات الدراسة في الحوزة أن
يعيد الطالب التفكير في الدرس الذي يسمعه من الأستاذ ، فيدرس النص في الكتاب ثم
يشترك مع طالب آخر في بحثه ، وفي الدروس العالية يعيدون كتابة ما سمعوه من الأستاذ
أثناء الدرس ، ولا يتبعون طريقة الحفظ الببغائية بل يعتمدون التعمق في التفكير
والتحليل ، وبما أن حق التدريس ليس محصوراً على أحد ، فإن
للطالب الحق في اختيار أستاذه ، ولكل امرئ أن يقوم بتدريس الموضوع الذي يرى أنه
قادر على تدريسه . يقضي طلاب العلوم الدينية مراحل الدراسة والتدريس بصورة بسيطة
وطبيعية ، حيث يتعين الأستاذ بالإختيار لا بالتنصيب ، أي أن الطلاب هم الذين
يختارون أستاذهم عن طريق تجاربهم و اتصالاتهم . فقانون اختيار الأصلح هو السائد
بينهم .
هذه بعض
الملامح التي تميّز الحوزة العلمية في
النجف الأشرف ، والكلام يطول في ذلك حيث يحتاج ذلك إلى مؤلف خاص في هذا المجال
.
س3:
بما أنه لا يمكننا إختصار الإسلام في الفقه والأصول والنحو ، هل يمكن لحوزتنا
الدينية في البحرين أن تدخل في مناهجها العقائد والتدبر في القرآن والحديث والتاريخ
والأخلاق و.... إلى آخر علوم الإسلام ؟
ج3: بما
أنه لا يمكننا إختصار الإسلام في الفقه والأصول والنحو ، يمكن لحوزتنا الدينية في
البحرين أن تدخل في مناهجها العقائد والتدبر في القرآن والحديث والتاريخ والأخلاق
و.... إلى آخر علوم الإسلام ، بل إن هذا الأمر ضروري ولا سيما أن الحوزة العلمية هي الرائدة
والأساس في معرفة الإسلام كله ، ومن هنا لا بد من تثقيف الكوادر الحوزوية (بعمق)
بالثقافة العقائدية والقرآنية والتاريخية وغير ذلك ، لأن طالب الحوزة يراد له أن
يكون بالمستوى الذي تحدثت عنه الآية القرآنية (فلو لا نفر من كل فرقة منهم طائفة
ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) ، وهذا المستوى هو
التفقه والإنذار للقوم ، وهذا لا يتحقق إلا بأن يكون طالب العلم الحوزوي مؤهلا
للإجابة عن كل التساؤلات الفكرية والعقائدية والفقهية والقرآنية وغير ذلك
.
س4:
هل فكرة إستنباط الأحكام الشرعية والفتاوى الفقهية من القرآن مباشرة ، دون رجوع
المرجع والفقيه إلى ما يسمونه في عرفهم الأصول والمنطق فكرة واقعية ، وهل لها
معوقات تمنع سلامتها في الإستنباط ؟
ج4: فكرة
استنباط الأحكام الشرعية والفتاوى الفقهية من القرآن مباشرة ، دون رجوع الفقيه إلى
ما يسمونه في عرفهم الأصول والمنطق فكرة غير واقعية ، وذلك للتالي
:
1-
إن القرآن الكريم في
مجال الأحكام الشرعية قد أتى بمجملات أو على الأقل بكبريات تحتاج إلى تفصيل واضح من
السنة الشريفة ، وقد بيَّن لنا القرآن ،
والمعصومون الطاهرون صلوات الله وسلامه عليهم : إن الحديث الشريف حجة لا بد من
الأخذ به في المعارف والأحكام ، شرط أن لا يخالف كتاب الله ، وأنه إذا تمَّت شرائط
الحجية في الحديث فلا بد من الأخذ به ، حتى لو كان متضمنا لتغيير الظاهر القرآني ،
في مستوى تقييد مطلقاته ، وتخصيص عموماته ، وتبيين مجملاته ، وإيضاح مبهماته . ولا
يصلح رفض الأحاديث بحجة معارضتها للظاهر القرآني .
2-
الأحكام الشرعية
ليست من الأمور الضرورية التي لا يحتاج إثباتها إلى دليل ، وإنما هي أمور نظرية
تتوقف على الدليل والبرهان ، والمتكفِّل لبيان أدلة
الأحكام وبراهينها من الحجج والأمارات وغيرها مما يؤدي إلى معرفة الأحكام الشرعية
هو علم الأصول . وهنا نسأل : هل أن الاستصحاب الذي هو أصل مهم في علم الاستنباط قد
ورد في القرآن الكريم ، رغم أن هذا الأصل مما يدور عليه رحى كثير من الأحكام
الشرعية ، ولو استغنينا عنه للزم من ذلك محاذير كثيرة وهذا مثال ، وهناك غير ذلك من
مسائل علوم الأصول . أما علم المنطق فلا توقف لاستنباط الحكم الشرعي عليه أصلا ،
لأن المهم في المنطق إنما هو بيان ماله دخل من الاستنتاج من الأقيسة والأشكال
كاعتبار كلية الكبرى وكون الصغرى موجبة في الشكل الأول ، مع أن الشروط التي لها دخل
في الاستنتاج مما يعرفه كل عاقل حتى الصبيان ، كما يقول السيد الخوئي
.
3-
أخيرا نقول : يمكن
الأخذ بالظاهر القرآني إذا لم يوجد مخصص أو مقيِّد من السنة . كما
ذكرنا في الأمر الأول .
س5:
هل يحق للمسلم أن يدفع المنكر بيده ، متى ما لحق ضرره بماله وعرضه ودمه
؟
ج5:
بالنسبة لدفع المنكر باليد إذا ترتب عليه ضرر ، فإنه في تلك الحالة لا يجب الدفع
للمنكر حينئذ ، وذلك لأن من شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن لا يلزم منهما
ضرر على الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر في نفسه أو عرضه أو ماله المعتد به ،
وكذا لا يلزم منه وقوعه في حرج لا يحتمله ، فإذا لزم ذلك لا يجب عليه الأمر والنهي
، إلا إذا أحرز كونه بمثابة من الأهمية عند الشارع المقدس يهون دونه تحمل الضرر أو
الحرج (كما في العمليات الإستشهادية ضد الكيان الصهيوني ) وهناك تفاصيل أخرى تراجع
في الرسائل العملية .
س6:
هل يمكن تحديد أفضلية أئمة أهل البيت (ع) بالتسلسل الزمني أم بأدوارهم في الحياة ،
أم بالنصوص الواردة في فضلهم وثواب زيارتهم (عليهم
السلام)؟
ج6:
كلُّ أهل البيت (ع) قد
فضَّلهم الله على سائر خلقه ، إلا أن لإثنين منهم خصائص لم تكن لغيرهما ، وهما
النبي (ص) والإمام علي (ع) وذلك لأن الثاني هو نفس الأول بنص القرآن ، ومن المعلوم
أن النبي (ص) هو أفضل الممكنات فكذا ما يكون هو نفسه (الإمام علي ع ) إلا في التفضيل بالنبوة ، وأما بقية
المعصومين من آل محمد صلوات الله عليهم أجمعين فهم متساوون في الفضل ، فهم جميعا
أولو الأمر ، وهم المجتبون ، وهم الأمة الوسط ، وهم الشاهدون ، وهم
المطهَّرون الذين يدركون
الكتاب المكنون ، وهم الوارثون ، وهم أهل الذكر الراسخون في العلم ، وكل ذلك بحسب
النص القرآني . وأما اختلاف الأدوار فهو من قبل التكليف الإلهي المنصوص لكل واحد
منهم ، فليس الأدوار التي قاموا بها على أساس الظروف والمصادفة الزمانية ، بل هناك
حكمة اقتضت هذا التبادل بين الأئمة (ع) في الأدوار التي
اضطلعوا عليها بالقيام بها ، وأما التسلسل الزمني فليس له دور في ذلك الشأن
أيضا.
س7:
ما هي الحكمة في عدم وجود نص قرآني يعين خلافة رسول الله للإمام علي بصراحة ليقطع
الله حجة مناوئيه الذين يحتجون بعدم ذكر الإمام علي ع في القرآن ؟
ج7: إن
القرآن الكريم حدد بما لا يقبل الشك من هو الخليفة الشرعي بالصفات الصريحة التي لا
تنطبق إلا على هذا الشخص ، ومن المعلوم أن التعريف يكون إما بالإسم وإما بالصفة
الواضحة ، ولئن لم يرد ذكر اسم الإمام عليه السلام في النصوص ، إلا أنه قد ورد ذكر
صفاته التي
لا تحتمل غيره أبدا .
على أن بعض النصوص القرآنية قد أثبتت لأهل البيت (ع) موقعية متميزة في الرسالة
وفريدة في الأمة ، مقترنة مع موقعية النبي (صلى الله عليه وآله ) ، كما في آيات
المودة وآيات المباهلة ، وأخرى حددت الولاية بعلي عليه السلام فمكنت هكذا بمعرفة
أول الأولياء من معرفتهم جميعا ، لدلالة كل أحد على الذي يليه ، وأخرى اختصت أهل
البيت عليهم السلام بالتطهير كآية إذهاب الرجس ، لتجعلهم مصداق المرجعية التي أفادت
بها النصوص الأخرى ، فبعد كل هذا يأتي شخص ويقول لا نجد لأهل البيت ذكرا في القرآن
الكريم ، إن هذا لشيئ عجاب .
س8:
هل هناك من أوجب زيارة الإمام الحسين عليه السلام من الفقهاء إستنادا إلى حث أئمة
أهل البيت (ع) على زيارته وتحمل الصعاب حتى القتل في سبيل ذلك ، وأن زيارته حق من
حقوق رسول الله (ص) ؟
ج8 : إن
الحكم في زيارة الإمام الحسين عليه السلام مختلف بين الفقهاء ، وإن كان المشهور يرى
الإستحباب المؤكد ، وإن هذا التأكيد إنما هو من ضروريات المذهب أو الدين كما قال
ذلك في الجواهر في شرح الشرائع ، وأما صاحب الحدائق فقد ذكر بأن الأخبار في فضل
زيارته عليه السلام مستفيضة ، والظاهر في كثير منها الوجوب ، وإليه يميل كلام بعض
أصحابنا (رضوان الله عليهم ) وليس بذلك بالبعيد .
س9:
ما هو دور الإمام الصادق (ع) في تأسيس المذهب الشيعي ووضع أسسه ؟
ج9: دور
الإمام الصادق (ع) في تأسيس المذهب الشيعي ووضع أسسه يحتاج إلى الاستقصاء الذي لا
يحتمل المقام ، ونشير بإختصار إلى بعض من ذلك :
1-
إعداد الجيش
العقائدي الذي يؤمن بالإمام وعصمته إيمانا مطلقا ويعي أهدافه الكبيرة ، ويدعم
تخطيطه في مجال الحكم ويحرس ما يحققه للأمة من مكاسب مما يعني أن الإمام كان يؤمن
بأن تسلم السلطة وحدة لا يكفي ولا يمكن من تحقيق عملية التغيير ما لم تكن هذه
السلطة مدعمة بقواعد شعبية واعية تعي أهداف تلك السلطة وتؤمن بنظريتها في الحكم
وتعمل في سبيل حمايتها وتفسير مواقفها للجماهير وتصمد في وجه الأعاصير ، ولهذا نجد
الحث البالغ من الإمام لخلق تلك القاعدة من خلال أقواله الكثيرة ، ومن أشهرها قوله
(ع) : (لوددت أن السياط على رؤوس أصحابي حتى يتفقهوا في الدين ) والتفقه في الدين
معناه فهم الإسلام والقرآن وأهل البيت (ع) والدفاع والذود عنه
.
2-
العمل على ربط الناس
بالإمام من خلال التشنيع على المذاهب
الفاسدة والتي تتنافى مع القرآن وتعاليم السنة المطهرة ، والتي تؤدي إلى خلق إسلام
هجين يحفظ للحكام آنذاك كرامتهم –إن كانت لهم كرامة- فتجد رفضه للمذاهب التي تتبنى
خط القرآن ، كما في المذاهب التي تعتمد الرأي مقياسا في كل شيء ، ونجد هذا من خلال
ما يذكره الإمام (ع) بقوله : (فليذهب الحسن يمينا وشمالا فلن يجد العلم إلا من
هاهنا ) يعني البصري .
س10:
كيف يمكن الجمع بين التيارات العاملة في الساحة المحلية والمختلفة بآرائها ، دون أن
تتخلى عن أولوياتها ومرتكزاتها ؟
ج10: لا
شك أن الجمع بني التيارات العاملة يكون في حدود القواسم المشتركة ، وفي الأطر التي
تتفق عليها الفعاليات في المطالبة بما فيه مصلحة الشعب ، ورفض ما يرفضه الشعب في وضع
يتعارض مع مصلحة الشعب ، مع إحتفاظنا كإسلاميين بهويتنا ، وموقفنا ، وتوجهنا ،
ومنطلقاتنا : فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
.