بقلم:
د. منصور الجمري ( ندوة الجمعية البحرينية لحقوق الإنسان بنادي العروبة
- 24 اغسطس 2001)
مقدمة:
عندما
تحدثت مع المنظمين حول موضوع الندوة، كنت اعلم الحساسيات التى تعترض
الحديث عن حقوق الانسان من وجهة نظر اسلامية. ولذلك فلست هنا في معرض
الدخول في
الموضوع باسلوب تقليدي قد يبعث الملل على الحضور. لست هنا لاطرح طرحا فقهيا
حول احكام
الشريعة الاسلامية ومدى تطابقها مع المبادئ الاساسية لحقوق الانسان.
وعدم تطرقي
لهذا الجانب ليس لانني لا اومن بما ورد في كتاب الله وسنة نبيه (ص)
ولكن لانني
اعتقد ان محاولة التطرق لموضوع حقوق الانسان من جانب الاحكام
وتفصيلاتها قد اشبع كثيرا ووصل الباحثون الى تعليلات وتحليلات وتخريجات كثيرة
وفي بعض الاحيان وصلوا الى طرق مسدودة لم تمكنهم من تقريب وجهة النظر
الواردة في
التراث الاسلامي ووجهة النظر المعمول بها عالميا في عصرنا الحالي.
ولذا
فان المنهج الذي ساتبعه في هذه المداخلة سيعتمد على مناقشة ظروف ونشاة
وتطور منظومة ومفاهيم حقوق الانسان المعاصرة، وثم الدخول الى الموضوع من
وجهة نظر
فكرية-اسلامية.
قبل
البدء في المداخلة وددت ايضا ان اشير الى العنوان الذي وقع عليه الاختيار. ربما كان
من الافضل ان يكون العنوان "الاسلاميون وحقوق الانسان"، لان الاسلام دين ثابت
والمتغير هو فهم الملتزمين بالاسلام. وهذا الفهم مرتبط بتجارب الانسانية زمانيا
ومكانيا.
نشأة
مفاهيم حقوق الانسان:
تتحدث
المفاهيم التى عبر عنها فلاسفة الغرب عن وجود حقوق
طبيعية مرتبطة بطبيعة الانسان، وان هذه الحقوق غير قابلة للفصل عن
طبيعة الانسان،
هذه الحقوق الطبيعية هي الحرية، والمساواة والحق في السعي لحياة حرة كريمة،
والحق في الملكية الخاصة.
منظومة
المفاهيم هذه، تداولها الفلاسفة وادخلوا عليها تطويرا هنا وهناك، ولكن بقى المنبع
لهذه الفلسفة اصحاب مايسمى ب"مدرسة القانون الطبيعي".
هؤلاء الفلاسفة آمنوا بوجود قانون طبيعي يسمو على كل شئ وان الحقوق
نابعة من
هذا القانون. ولذلك فقد اطلق على حقوق الانسان تعبير " الحقوق الطبيعية".
وتاسيسا
على هذه الحقوق الطبيعية نتجت منظومة من الحقوق المدنية والسياسية
والاقتصادية والاجتماعية والثقافة. ولقد كانت مفاهيم فلاسفة مدرسة القانون
الطبيعي هي الموجهة للثورة الانجليزية ( الثورة المجيدة لعام 1688
وصدور قانون
حرية التعبير في 1695) والثورة الامريكية لعام ( 1776) والثورة الفرنسية
لعام 1789.
ويرتبط
القانون الطبيعي بمفهوم التعاقد الذي طرحه بصورة
مفصلة الفلاسفة الغربيون (أهم الفلاسفة في الغرب هم مونتسيكيو (1689 -
1755)، فولتير
(1694 - 1778) ، جان جاك روسو (1712 - 1778)، جون لوك (1722 - 1804) … وغيرهم
من الفلاسفة).
فبما
ان لكل شخص الحرية والمساواة ، فان عملية ادارة شئون هذه المجموعة
لاتتم الا اذا تنازل طرف لاخر ليسمح له باصدار اوامر تنفيذية. ولهذا
فان العقد
الاجتماعي ما هو الا تنازل عن جزء من تلك الحرية وجزء من تلك المساواة
لكي تسير
الامر من خلال هيئة نابعة من الجمع المتساوي، على اساس عقد اجتماعي
وقواعد متفق
عليها، يطلق عليها اسم الدستور .
ظروف
نشأة الحقوق الطبيعية:
تزامن
ظهور مفاهيم حقوق الانسان الطبيعية مع بدايات ظهور مفهوم الدولة
القومية. فالدولة القومية هي تراث اروبي بحث يقوم على اساس سيطرة الملك ( او
من بيده
الحكم) على مجموعة البشر الذين يعيشون ضمن حدود جغرافية معينة. وان هذه السيادة،
داخل الحدود الجغرافية، مطلقة لا يحق لاي شخص خارج هذه الحدود ان يتدخل
في شئونها.
وقد
ظهر مفهوم تحريم التدخل في شئون الاخر ردا على تسلط البابا والكنيسة
الكاثوليكية التى كانت تتدخل في كل صغيرة وكبيرة وتعاقب الناس والعلماء والملوك
وغيرهم اذا خالفوا راي الكنيسة الكاثولكية المستبدة.
ولكن
هذا المفهوم (عدم التدخل في الشئون الداخلية) اعطى الحاكم المتمركز في منطقة جغرافية
معينة سلطات واسعة
ضمن مفهوم السيادة المطلفة داخل الحدود الجغرافية. وللرد على وجود مثل
هذه السلطة
والسيادية، كان لابد من حماية البشر الذين يسكنون داخل البقعة الجغرافية
من التسلط
والاضطهاد وهكذا نشأت فكرة السيادة للشعب (مقابل المفهوم الاول – اي سيادة الحاكم
المطلقة)، وضرورة اجراء الانتخابات للتعرف على رأي الشعب وضرورة رعاية
الحقوق وضمانها
دستوريا.
تقارب
مدرسة القانون الطبيعي مع المدرسة الاسلامية:
لست
من اولئك الذي يحاولون القول ان كل شئ حسن لدى غيرنا انما سرقوه من
عندنا، ولكني
اؤمن بان المعرفة الانسانية انما هي بحر متلاطم الامواج ومتعدد المشارب وجميع
هذه المياه تلتقي مع بعضها الاخر وتؤثر في امواج بعضها البعض.
يقول
الدكتور روبرت كراين، المستشار السياسي الاسبق في الادارة الامريكية في
عهد نيكسون والذي اشهر اسلامه منذ فترة ليست قصيرة، بان مدرسة القانون
الطبيعي التى
اعطت الغرب ( اوربا وامريكا) حضارته، انما هي تاثير من المدرسة الاسلامية
التى تؤمن
بمبدأ الفطرة الانسانية، وهذه المدرسة سبقت الفلسفة الاوربية بعدة قرون،
قبل ان
تصل اليها وتتطور على منظومة الحقوق الطبيعية للانسان. ويشير الدكتور كراين الى أن
الفكر الاسلامي الذي طرح مفهوم المقاصد والكليات نرى اثره في مفاهيم فلاسفة الغرب
الذين مهدوا لنهوضه. فهؤلاء الفلاسفة مثلا طرحوا مفاهيم اساسية حول "النظام
والعدالة والحرية" ورأوا ان هذه العوامل مترابطة ولايمكن فصلها عن بعضها الاخر
. القران
الكريم يشير الى الفطرة الانسانية ومتعلقاها في قوله تعالى
-
)فطرت
الله التى فطر الناس
عليها لا تبديل لخلق الله)
-
، )ولقد
كرمنا بني ادام).
-
(هل اتى على الانسان
حين من الدهر لم يكن شيأ مذكورا، انا خلقنا الانسان من نطفة امشاج
نبتليه فجعلناه
سميعا بصير، انا هديناه السبيل اما شاكرا واما كفورا)
-
) فمن
يعمل مثقال ذرة
خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره)
-
من
عمل صالحا فلنفسه ومن اساء فعليها)
-
)يا
ايها الناس انا خلقناكم
من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، ان اكرمكم عند الله اتقاكم
)
ولشرح
التكريم يقول السيد محمد حسين الطباطبائي في تفسير الميزان " ان التكريم
معنى نفسي، وهو جعله شريفا ذا كرامة في نفسه" والانسان يختص من بين الموجودات
الكونية بالعقل ويزيد على غيره في جميع الصفات والاحوال التى توجد فيها والاعمال
التى بها.
تقارب
مفهوم التعاقد مع الطرح الاسلامي:
التعاقد
الاجتماعي الذي اعطانا مفهوم الدستور له جذوره الواضحة في المدرسة
الاسلامية ، اذا تعتبر صحيفة المدينة التى اصدرها الرسول (ص) عندما
اقام حكومته
في المدينة واتفق من خلالها مع المسلمين ومع اليهود ومع المشركين على
قواعد اساسية
وتعاقدية يدافع كل طرف عن الاخر لحماية المدينة المنورة، ويضمن لكل طرف
الاحتفاظ بمعتقداته
دون اكراه، معتبر هذه الصحيفة اقدم وثيقة تعاقدية من نوعها.
بل
ان القران الكريم طرح مفهوم التعاقد حتى في ابسط الامور، وهي الاستلاف
"ياأيها الذين أمنو اذا تداينتم بدين إلى اجل مسمى فأكتبوه، وليكتب
بينكم كاتب
بالعدل..) البقرة 282
تتصدر
صحيفة المدينة عبارة هامة تقول " هذا كتاب من محمد بن عبدالله النبي
بين المؤمنين والمسلمين من قريش واهل يثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد
معهم، انهم
امة واحدة من دون الناس" (انظر السيرة النبوية لباقر شريف القرشي). يشير الشيخ راشد
الغنوشي الى ان الصحيفة عندما تتحدث عن "امة واحدة من دون الناس" انما تتحدث عن
الامة السياسية وليست الامة الدينية. الامة الدينية (الاسلامية) ترتبط بشي اكبر من
صحيفة المدينة، ترتبط بالرابطة الدينية (الاخوة الاسلامية) التي تحدث عنها الاسلام
كثيرا. والرابطة الدينية تعلو فوق الجغرافيا والتاريخ، بينما الرابطة السياسية
محدودة بالجغرافيا وبالزمن.
ولذا
فان الرسول ( ص) قال عن "حلف الفضول" الذي عقد في الجاهلية للدفاع عن المظلوم انه
يعتبره قائما وملزما عليه. وهو حضره شخصيا قبل الاسلام، اذا قال
(ص): "لقد شهدت مع عمومتي حلفا في دار عبد الله بن جدعان لو دعيت به في الاسلام
لاجبت". وهذا التعاقد هو الاساس
لرعاية مصالح الناس العامة على اساس المشاركة والتعاون.
يقول
الشيخ ميثم البحراني المتوفي في العام 1299م ( وقبره حاليا في الماحوز)
في كتابه "شرح مائة كلمة للامام علي" ان الحكمة العلمية ثلاثة اقسام" "حكمة
خلقية، وحكمة منزلية، وحكمة سياسية. وذلك لان كل عاقل فلابد وان يكون ذا
غرض في
فعله. وذلك الغرض اما ان يكون مختصا به في نفسه وهو علم الاخلاق (
الحكمة الخلقية)
او يكون مختصا به مع خواصه واهل بيته وهو علم تدبير المنزل ( الحكمة المنزلية)
واما ان يكون عائدا الى الانسان مع عامة الخلق، وهو علم السياسة".
ويضيف:
" وقد يزاد في الاقسام رابع، وهو غرض الانسان بالنسبة الى مدينته،
وتسمى حكمة مدنية، وهو تعلم تدبير المدينة بكيفية ضبطها ورعاية
مصالحها. وهذا
علم لابد منه ، لان الانسان مدني بالطبع، فما لم يعرف كيفية بناء
المدينة وترتيب
اهلها على اختلاف درجاتهم لم يتم مقصوده".
ويشرح
الحكمة المدنية بقول هي " كيفية المشاركة فيما بين اشخاص الناس
ليتعاونوا على مصالح الابدان ومصالح بناء نوع الإنسان".
ان
حديث الشيخ ميثم هو ذاته الحديث المطروح حاليا لتنمية المجتمع المدني
من اجل المحافضة على حقوق الناس.
بين
النظرية والواقع:
عندما
نتحدث عن التقارب الشديد بين مدرسة القانون الطبيعي التى انتجت منظومة
حقوق الانسان،
والمدرسة الاسلامية، اعلم بان هناك الكثير من المفارقات المطروحه على
ارض الواقع.
وهذه المفارقات والتحديات، في اعتقادي، قابلة لاعادة فهمها في ضوء
الظروف الزمانية
والمكانية دون الاخلال باساسيات الدين. وهذا الامر ليس خافيا على علماء المسلمين،
بل ان ابو اسحاق الشاطبي (المتوفي في 1388) من المغرب العربي والمقارب عصره
لعصر الشيخ ميثم البحراني طرح نظرية مقاصد الشريعة، وهي من اهم النظريات
التى ارتكز
عليها كثير من مفكري الاسلام في عصرنا الحديث (بدأ بالامام محمد عبدة) لتاصيل
منظومة حقوق الانسان
اسلاميا.
فالشاطبي
قال بان احكام الشريعة تستهدف مقاصدا اساسية وهي الحفاظ على
"الدين والنفس والعقل والنسل والمال". وهذه الاسس الخمسة تحتوي على كثير
من الحقوق
الطبيعية، كحق الحياة وحق التملك ، وحق التحصيل العلمي وحق حفظ النفس
من الاذى.
لقد اعتبر الشاطبي هذه المقاصد من الضرورات الشاملة لجميع احكام الدين. وواضح
من تسلسل الضرورات ان الشاطبي (ومعه علماء اخرون قبله كالجويني
والغزالي) قدموا
"الدين" على "النفس والعقل والنسل والمال". الدين هو مايسمى أحيانا في التراث
الاسلامي "بحق الله" "وحق الطاعة" (وماخلقت الجن والانس إلا ليعبدون)، (ان الله
لايغفر ان يشرك
به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء).
أما
الاسس الاخرى فتشمل حقوق البشر، حقوق الإنسان
التي لايستقيم العدل إلا بحفظها (ولقد ارسلنا رسلنا بالبينات وانزلنا
معهم الكتاب
والميزان ليقوم الناس بالقسط) ، (وماجعل عليكم في الدين من حرج).
وواضح ان الاختلاف في مفهوم مقاصد الشريعة (لدى الشاطبي) مع مفهوم حقوق الإنسان المتداول عالميا، هو تضمين وتقديم حق الله على حق الإنسان. على ان هذا التسلسل المطروح لدى الشاطبي متأثر بكونه من الاشاعرة. فالاشاعرة يختلفون مع