(إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ.ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ([1])

القرآن الكريم

(هم عيش العلم وعيش الجهل. يخبركم حلمهم وعملهم وصمتهم عن حكم منطقهم. لا  يخالفون الحق ولا يختلفون فيه هم دعائم الإسلام وولائج الاعتصام، بهم عاد الحق في نصابه، وانزاح الباطل عن مقامه، وانقطع لسانه عن منبته عقلوا الدين عقل وعاية ورعاية، لا عقل سماع ورواية، فإنّ رواة العلم كثير ورعاته قليل).

الإمام على أمير المؤمنين(ع)من خطبة له يذكر فيها آل محمد(ص)([2]).

كلمة تقريظ تكرّم بهاــ بدافع حسن الظن والتشجيع ــ ووجّهها إليَّ فضيلة الأستاذ الشيخ محمد على مهدي زين الدين دام مؤيداً.أثبتها مشفوعة بشكري وتقديري.

بسم الله الرحمن الرحيم

(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا)([3])

صدق الله العلي العظيم.

إذا كانت الكلمة الطيبة تعني من بين ما تعني العمل الصالح والكلمة الحقة، فإنّ مادبّجه قلمكم حول شخصية كريمة لها حقّ المودة على كلّ مسلم كما يصرِّح بذلك القرآن الكريم المجيد حيث يقول(قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى)([4])ــ إنّه لعمل صالح، وكلمة طيبة.

 أجل ما دبّجتموه حول حفيد محمد المصطفى وعلي المرتضى وفاطمة الزهراء، عليهم السلام، وابن الإمام على الهادي المدعو السيد محمد عليهما السلام لا شك عمل صالح وكلمة طيبة كشجرة طيبة تؤتي أكلها كلّ حين بإذن ربها.

وإذا كانت نفوس المؤمنين المحبين لأهل البيت عليهم السلام تتطلع بلهفة إلى شيء تعرفه عن حياة هذا السيد الجليل ـــ الذي أهمل التاريخ الكثير من جنبات حياته الخيّرة استجابة لرغبة السلطة آنذاك التي لا تريد أن يذكر واحد من البيت العلوي بخير كما أشرتم إليه ــ وذلك ليعمّقوا مودّتهم لحفيد الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، فيثقوا بأنّهم استجابوا لما ندبوا إليه من المودة لقربى نبيّهم العظيم صلى الله عليه وآله وسلم في آية(قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا)([5])

و على رغم السلطة والتأريخ، فقد ظهرت له من الكرامات بعد وفاته كما ذكرتم ما كشف عن علوّ شأنه في حياته وقربه من الله سبحانه وإن كره الظالمون، سوف يجد المؤمنون المحبون لأهل البيت عليهم السلام ضالّتهم المنشودة فيما أبرزتموه من صورة واضحة الملامح عن حياته الطيبة عليه السلام.

وجدير بالتقدير والاهتمام تسليطكم الأضواء على قضيتين من أهم القضايا على الساحة الإسلامية هما قضية البداء وقضية التوسل بالأولياء، فقد جاء هذا متوجاً لعملكم الصالح، فكان نوراً على نور هدانا الله وإياكم بنوره لنوره وجزاكم الله على نبيه العظيم وأهل بيته الكرام والمؤمنين خيرَ جزار المحسنين، وأسأله سبحانه أن يسدّد خطاكم وينفع بكم إنّه سميع مجيب.

 

4شوال سنة 1456هـ ــ الدراز الفقير اله سبحانه: محمد على مهدي زين الدين

 

الإهداء

إلى السيّد البر التقى: ابن السادة الأبرار الأتقياء. إلى صاحب السدة المنيعة والمقام الشامخ، والشرف العظيم إلى حامي المستجير، ومغيث اللهوف.

إلى المنتقم من المتجرّئين على الاستهانة بقدره، والمعتدين على زائره واللائذ بساحته.

إلى أبي جعفر محمد بن الإمام الهادي عليه السلام.

إليك يا سيدي أهدي:

هذه السطور المتواضعة عن حياتك الطاهرة، معترفاً بالقصور والتقصير عن أداء حقك العظيم.

أجل ـــــ

إليك يا سيدي أهديها وأقدّمها بيد الرجاء أن تتفضّل بقبولها من أحد خدّامكم ومحبيكم.

 

عبد الأمير منصور الجمري

 

 

 

المقدّمة

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين، وأصحابه المنتجبين والتابعين لهم بإحسان.

وبعد: فإنّ من عظيم النعم ـــ وكل نعم الله عظيمة ــ أن أُوفّق لكتابة كتيب متواضع عن شخصية من شخصيات البيت النبوي الطاهر الذي أذن الله أن يُرفع ويذكر فيه اسمه شخصية قد استجمعت صفات النبل والفضل، وسمات الخير والطهر، وتوفّرت على كنوز العلم والإيمان والفضيلة بشكل جعلها تحلّق في سماء الحقّ والعلم والإيمان والتقوى، الأمر الذي أهّلها لأن تُرشَّح ــ في نظر الصفّ المؤمن ــ للإمامة وتحمل أعباء الأمة، تلك هي شخصية سيدنا أبي جعفر سلالة الأئمة الطاهرة محمد بن علي بن محمد بن على بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي أبي طالب عليهم السلام.

   ومن هو أحق من هذه الذوات الطاهرة بالكتابة عنهم وعرض سيرتهم وتاريخهم؟ أليست هي الطليعة من الشخصيات الرائدة القيادية، والتي قدمت للأمّة الإسلامية بل للإنسانية عامة أفضل الدروس والعبر فيما سلكته من منهج، واضطلعت به من مسؤوليات، واتستمت به من خلق، ومثّلت من نبل، والتزمت من خطّ سليم وصراط مستقيم؟ أليست هي أكرم سلالةٍ، وأطهر ذرية كرّم الله تعالى بها حبيبه وخاتم أنبيائه محمداً صلى الله عليه وآله وسلّم لتكون امتداداً لشخصيته الرسالية المقدسة، ودينه القويم إلى يوم الدين، ولتبين للناس معالم الحق، وتخرجهم من الظلمات إلى النور، وتكون لهم وسائل رحمة، وسفن نجاة يأمن من ركبها ويهلك من تخلف عنها؟.

    ولو اتخذت الأمة الإسلامية هذه الذوات الطاهرة مقياساً للحق والهداية، ونبراساً تستضئ به في طريقها، ومثالاً تحتذيه في حياتها لحقّقت ما تصبو إليه من عزة وكرامة، وما تنشده من عدالة، وما تريده من حرية واستقلال، ولجُنِّبَت في حياتها المزالق والمفاسد والتخبّط والتعثّر، والويلات والنكسات ولكانت ــ كما أرادها الله ــ خير أمة أخرجت للناس، ورحم الله دعبل الخزاعي القائل:ــ

ولو قلدوا الموصى إليه أمورهم                       لزمت بمأمون عن العثرات

    إنّ السلالة العلوية متكاملة الصفات التي تؤهل المتصف بها لتسنم مناصب الحكم، وتولي مراكز القيادة، وتحمل مسؤوليات الدين والدنيا. فكل فرد من أفراد هذه السلالة الطاهرة يعيش الإسلام فكراً وسلوكاً وأهدافاً، وكلّ فرد من أفرادها يمنح كل وقته وطاقته للإسلام، ويقدّم نفسه بسخاء الإسلام.

أجل- إنّهم في أعلى درجات الفضل والعلم، والزهد والعبادة، والنبل والأريحية، والجرأة والشجاعة، والفداء والتضحية. وبهذا(نجد أن لا تناقض بين تمييز آل الرسول(ص) وبين المبدأ القائل:( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)([6])   

   لأنّ تمييزهم يكشف عن أنّهم في أعلى درجات التقوى، ولذلك لم يكن هذا التمييز ارستقراطياً، ولا هو مكافأة لهم على عمل سواهم، ولا هو ثواب على ما ليس تحت قدرتهم ووراء اختيارهم وهو قرابتهم من الرسول(ص). إنّه تشريفٌ لهم يستحقونه بأعمالهم الصالحة وسيرهم على خطى الرسول نفسه)([7]).

  وطبيعي لأسرة تؤسس على الدين والتقوى بأوسع ما لهما من مفهوم، وينجبهما عظيمان كعلي أمير المؤمنين (ع) أول خريج من مدرسة الرسول (ص)، وأعظم رائد بعده من رواد التربية الإسلامية، وفاطمة الزهراء(ع) سيدة نساء العالمين وبضعة الرسول الأمين(ص)، طبيعي لأسرة كهذه أن يكون كلّ فرد من أفرادها قمة في جميع الصفات الخيرة والقيم الرفيعة، وطليعة من طلائع موكب الحق، وقائداً من قادة ركب الإيمان.

     لذلك لم يعرف التأريخ أُسرة بلغت الغاية من الشرف والاستقامة كهذه الأسرة، ولم يعرف أسرة مثّلت الإسلام في أخلاقها وسلوكها ومواقفها كهذه الأسرة، كما لم يعرف أسرة تكالبت عليها قوى الظلم جيلاً بعد جيل كهذه الأسرة، ولم يعرف أسرة قاومت الظلم وقدّمت روحها وأسالت نفوسها في بسالة واطمئنان لتحرير الأمة وتخليصها من المستبدين والمستغلين كهذه الأسرة.

     فهي التي فتحت باب النضال والكفاح على مصراعيه للآخرين وهذا ما يعرفه جميع المسلمين. وهي التي أعلنت كلمة الرفض للظلم والباطل ولكلّ رموزها، وأعطت ثمن ذلك كثيراً، فتاريخها هو تاريخ الجهاد والصمود، تاريخ الدم تاريخ الشهادة.

  فإلى الحديث ـ قارئي الكريم ـ عن إنسانٍ عظيم، هو أحد أفراد هذه الأسرة الكريمة، وإحدى شموع هذه العترة الطاهرة: أبو جعفر محمد بن الإمام الهادي،  وأخ الإمام الحسن العسكري، وعم الإمام المهدي المنتظر صلوات الله عليهم أجمعين.

  إلى الحديث عن شخصيته المشرفة المعطاء. والله المسدّد والهادي إلى الصواب.

 

عبد الأمير منصور الجمري

 

    

موقف التاريخ منه:

مما يؤسف له أن ما يذكره التاريخ عن هذا السيد الجليل قليل جداً، بحيث أن الباحث مهما أجهد نفسه في التنقيب لا يمكنه أن يقدم عنه صورة كاملة ، ويسجل له سيرة وافية، متصلة الحلقات ، مستوعبة للأدوار ، والأحداث التي عاشها.

   وليس ذلك غريباً ما دام التاريخ لم يُترك ليسير سيراً طبيعياً، ولم يُكتب بأقلام حرة نزيهة، وإنما سار طبق رضا الحكام، وكتب بالشكل الذي ينسجم مع مصالح ورغبات المتسلطين، وتحكمت فيه نزعات المؤرخين، لذلك جاء مليئاً بالدس والوضح، والتحريف والتزوير، والسفاسف والترهات، متناقضاً متبايناً. أجل، جاء ــ ولا سيما في عهود الأمويين والعباسيين ــ مشوهاً، تطغى عليه العواطف، وتتحكم فيه الأهواء. لذلك أصبح استخراج الحقائق والأحداث بشكلها الواقعي منه أمراً صعباً جداً يستغرق طاقة الباحثين والنقادين.

    ومن هنا كان نصيب هذه الشخصية العظيمة في التاريخ: خفاء أدوارها ومواقفها ، كما هو نصيب كلّ شخصية تتنكر لها السلطات الظالمة ، ويتنمر لها الساسة المجرمون.

بيتيته (ع):

  تسمو قيمة البيت ويعلو شأنه في الإطار الإسلامي، حينما يتوفر على العناصر الآتية:

1-    الالتزام بالضوابط الدينية.

2-    العطاء الاجتماعي.

3-     الأصالة النسبية والطهر العائلي.

     فقيمة البيت في الإسلام ليس ببنائه وزخرفته، وإنما بمن يسكنه ويحل فيه إذا كان ممن يطبق أوامر الإسلام، وينتهي عما ينهى عنه الإسلام. وكلمة الإمام الهادي عليه السلام لما انزله المتوكل العباسي خان الصعاليك عند وصوله إلى سامراء لما استدعاه إليها، فرآه صالح بن سعيد وهو من شيعته فقال له: في كلّ الأمور أرادوا إطفاء نورك والتقصير بك حتى أنزلوك هذا الخان الأشنع خان الصعاليك !! كلمة الإمام في آخر جوابه لصالح: ( لسنا في خان الصعاليك)([8]) توحي بأنّ المكان بالمكين، والمنزل بمن حلّ فيه، فالعبرة لا بالحال، فليكن قصراً، أو كوخاً أو رفيعاً أو وضيعاً في شكله، وبنائه، فإنّ المدار على ساكنه ومدى التزامه بالطاعة وبُعده عن المعصية. لذلك يصف القرآن الكريم البيوت الطاهرة الكريمة بقوله تعالى: ((فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ ))([9]) ووصفتها الراوية بــ:(إنّ البيوت التي يصلى فيها الليل ويتلى فيها القرآن تضيء لأهل السماء كما تضيء الكواكب لأهل الأرض).

   وبقدر ما يكون للبيت في المجال الديني والاجتماعي من عطاء تكون قيمته ورصيده في الإسلام. فإذا كان أبناء ذلك البيت قد وظّفوا طاقاتهم على إصلاح الناس وإرشادهم،وإغاثة المحتاجين، ونشر العلم، وقضاء الحوائج، وكفالة الأيتام ونصرة المظلومين ومؤاساة المعوزين وإعلاء كلمة الحق فإنّ البيت سيكون في القمة من البيوت الرفيعة، ومن الأحاديث التي تصف القائمين بما ذكرنا من الأمور والمتصفين بما أشرنا إليه من السلوك، قول الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله وسلم متحدثاً عن كافل اليتيم:

((خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه، وشرّ بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه)).

    وبحجم ما يملك البيت من أصالة نسبية وطهر عائلي تكون له منزل في الإسلام. أجل ــ أن لأصالة النسب قيمة في الإسلام، وإنّ للنسب أهمية ملحوظة في الإسلام، فالإسلام حينما جاء لم ينه الناس عن الاهتمام بالنسب، وإنما أقرهم عليه، بل تجاوز الإقرار إلى أن شجعهم على معرفته وتدوينه والمحافظة عليه كوسيلة لغايات يعتبرها الإسلام، بل يقدسها ويحث عليها، وهذه الغايات كالتعاون بين أفراد الأسرة قال تعالى:"وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا"([10])، وصلة الرحم، قال رسول الله(ص):((تعلموا أنسابكم لتصلوا أرحامكم، والدفع للتحلي بمكارم الأخلاق والبعد عن التلوث بسيئ الصفات والأفعال، فإن الإنسان حينما يعرف أنّ له سلفاً صالحاً، وماضياً أسرياً مجيداً، وأجداداً وآباءً محترمين يدفع به ذلك إلى التحلي بجميل الصفات ليكون خلفاً صالحاً لسلفه الكريم، يخلّد ذكراهم، ويحفظ سمعتهم وكرامتهم، ويكون امتدادً لنبلهم ومآثرهم.

هذا بالإضافة إلى ما هناك من أحكام شرعية يعتمد تطبيقها على معرفة النسب، كدية قتل الخطأ التي أوجبها الإسلام على العاقلة(العشيرة) وهم الأب والمتقرّب به من الرجال والأولاد ، وأحكام المواريث التي يفتقر تطبيقها إلى معرفة النسب ، وغير ذلك من الأمور التي تكون معرف النسب مرتبطة بها أو أساساً لتطبيقها. فإذا اجتمعت العناصر الثلاثة المذكورة في بيت فإنّ هذا البيت يعطيه الإسلام أكبر قيمة وأعلى منزلة.  وقد اجتمعت هذه العناصر جميعها في بيت الإمام علي ابن أبي طالب عليه السلام.

    أما من حيث الالتزام بالضوابط الدينية، فإن أبناء هذا البيت هم الذين يتجسّد الإسلام في أقوالهم وأفعالهم وهم القدوة والأسوة المسلمين فيما يفعلون وما يتركون ويكفي هذا الباب قول علي أمير المؤمنين عليه السلام: (( لا يقاس بآل محمد صلى الله عليه وآله من هذه الأمة أحد، ولا يسوّى بهم من جرت نعمتهم عليه أبداً، هم أساس الدين وعماد اليقين، إليهم يفيء الغالي، وبهم يُلحق التالي ([11])، ولهم خصائص حق الولاية، وفيهم الوصية والوراثة ([12]) 0

    وأما من حيث العطاء، فإنّ التأريخ لم يهتف بلسانه ولم يشر ببنانه في الجاهلية والإسلام إلى بيت رفع لواء العلم والفضيلة، وجسّد النبل والأريحية بما لهم من مفهوم شامل، وحمى الجار، وإغاثة المظلوم، ونصر المستضعف وسقى الناس من ظمأ وكساهم من عرى وأطعمهم من جوع وآمنهم من خوف دون أن يفرّق في ذلك بين محبيه ومبغضيه وأوليائه وأعدائه، أقول: لم يشر التاريخ إلى بيت حقّق كلّ تلكم المزايا والأفعال مجتمعة سوى هذا البيت الطاهر.

 وأما من حيث النسب، فالجد محمد صلى الله عليه وآله، والأب علي عليه السلام، والأم فاطمة عليها السلام. وحتى قبل الرسول الأعظم(ص) نجد كلّ واحد من سلسلة نسب هذا البيت الكريم حتى آدم أبي البشر عليه السلام(( غير مدنّس بشيء من رجس الجاهلية، ولا موصوماً بعبادة وثن، وهو الذي يرتضيه علماء الحق، لكونهم صديقين بين أنبياء وأوصياء، وقد نزّههم الله تعالى في خطابه لنبيه الأقدس:(وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ)([13]) فإنّه أثبت لهم جميعاً بلفظ الجمع المحلّى باللام السجود الحق الذي يرتضيه لهم([14])

 

بيت الإمام الهادي عليه السلام

هذا البيت هو أطهر بيت على وجه الأرض، لأنّه الامتداد الطبيعي لبيت الرسالة، والوريث الحق لبيت علي وفاطمة عليهما السلام.

أجل ــ إنّه أطهر بيت في جميع عصوره وأدواره، في رجاله ونسائه، في شيوخه وكهوله وشبابه، في صبيانه وأطفاله.

وإذا كان هذا البيت كذلك، وهو كذلك، فإنّ من حقّه أن يكون طليعة البيوت التي يتحدث عنها القرآن الكريم بقوله تعالى: ((فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ)([15]).

وأيّ مصداق أكمل وأوضح للبيوت التي تتحدث عنها الآيات الكريمة من بيت يتجسّد الإسلام أكمل تجسيد في سلوك أهله ويُتلى فيه القرآن الكريم آناء الليل وأطراف النهار، فالتلاوة هي المراد من قوله: ((وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ))، ويرفع لولاء الحق بأيدي أبنائه، وتسقى شجرة الإسلام بدمائهم الزكية؟

وإذا كانت الآية تشير ــ كما في بعض الوجوه التي يذكرها المفسرون ــ إلى بيوت الأنبياء عليهم السلام([16]) فإنّ سيد هذه البيوت وأشرفها هو بيت سيد الأنبياء محمد صلى الله عليه و آله وسلم، لاسيما وأن أصحاب الرأي الذي ذكرناه يؤيدون مذهبهم براوية تقول بأنّ النبي (ص) لما قرأ هذه الآية سئل أي بيوت هذه؟ فقال (ص) بيوت الانبياء. فقام أبوبكر "رض" فقال: يا رسول الله هذا البيت منها؟ يعني بيت على وفاطمة ــ فقال (ص): نعم أفاضلها([17]) وإذا كان هذا البيت العظيم واحداً من البيوت التي تحدثت عنها الآية ، وذا كانت هناك مذاهب أخرى لعلماء التفسير في الآية، فإنّ ثمة نصاً قرآنياً آخر قد تحدّث عن هذا البيت بشكل خاص، ذلك هو قوله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)([18]). وقد جاء عن الرسول (ص) فيما أخرجه ابن جرجير الطبراني بأسانيدهم إليه (ص)وقد ذكره ابن حجر في تفسير الآية من صواعقه والنبهاني في صفحة7 من (الشرف المؤبد):(أنزلت هذه الآية في خمسة:فيَّ وفي علي والحسن والحسين وفاطمة)([19]). كما أنّه (ص)بين عملياً قدسية هذا البيت وقيمته الكبرى في الإسلام، وذلك من أجل ربط المسلمين به وشدّهم إليه. قال ابن أبي الحمراء:هدت النبي(ص) ثمانية أشهر إذا خرج إلى صلاة الغداة مرّ بباب فاطمة وقال: السلام عليكم أهل البيت، الصلاة، (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)([20])

    تلك هي البيتية الطاهرة لأبي جعفر السيد محمد بن الإمام علي الهادي عليهما السلام، وتلك هي أسرته الكريمة، أعظم أسرته في التاريخ طهراً وديناً وعلماً وورعاً، وتقوى وتضحية، ونفعاً وعطاءً للأمة.

أولئك آبائي فجئني بمثلهم                                      إذا جمعتنا يا جرير المجامع

نشأة أبي جعفر وتربيته

نشا أبو جعفر (ع) في كنف أبيه الإمام علي على الهادي (ع) وتربى في ظله، وأخذ عنه، وتلمّذ عليه.

وحينما يكون للتربية الصالحة أكبر الأثر في تكوين الولد وبناء شخصيته خلقياً وسلوكياً ونفسياً وعقلياً ــ على ما قُرِّرَ في علم النفس ــ، وحينما يقوم على تربية أبي جعفر (ع) واحد من عظماء المربين كأبيه الهادي (ع) فإنّه من الطبيعي أن يكون أبو جعفر قمة في الذكاء، والخلق الحسن، والعلم والفضل، والورع والتقوى. ومن الطبيعي أن يصفه مترجموه بقولهم: (وكان أبو جعفر مهاباً موقراً، وكانت تلوح عليه مظاهر العظمة والجلالة مشفوعة بإشادة أبيه بفضله العميم)([21]). وحدّث علان الكلاني قال: صحبت أبا جعفر محمد بن على الهادي وهو حدث السن فما رأيت أوقر منه ولا أزكي ولا أجلّ منه الخ([22]). وكان (ع) أكبر أولاد الإمام الهادي عليه السلام. وكان للإمام علي الهادي عليه السلام أربعة أبناء وبنت واحدة أما الأبناء فهم أبو جعفر محمد (ع) وأبو محمد الإمام الحسن العسكري(ع)، والحسين النقي، وجعفر المعروف بالكذاب.  وأما البنت فهي علية([23])

فكرة عامة عن الإمام الهادي و أولاده

    ولنأخذ فكرة عامة عن الإمام أبي الحسن على الهادي (ع)وأولاده، ما عدى علية، فإني لم أعثر فيما لديّ من مصادر تأريخية على ترجمة لها، على أنّ شيخنا الشيخ المفيد قدس سرة قد ذكرها في (الإرشاد) ص 314 باسم عائشة.

  

الإمام الهادي (ع)

    كان مولده عليها السلام في النصف من ذي الحجة سنة 212هـ صريا([24])وتوفي سامراء([25]) في رجب سنة 254 هن عمر تجاوز الأربعين بسنة أو شهر.  وكانت المدة التي اضطلع فيها بأعباء الإمامة 33 سنة. وأمه أم  ولد يقال لها سمانة ([26])

    لم يشك أحد من شيعة آبائه الطاهرين في إمامته، لأنّ أباه الجواد عليه السلام كان قد نصّ عليه بالإمامة، ولأنه قد استجمع كلّ الصفات المطلوبة في الامام.

    سيرته (ع) تمثل ثروة كبرى في العلم والأخلاق والتربية والمعارضة للظلم، فله دور ايجابي جهادي عظيم، كسائر آبائه الطاهرين، فإنّ لهم جميعاً أدواراً إيجابية، بعضها يكمّل البعض الآخر في الحفاظ على الرسالة الإسلامية، وإن اختلفت أشكال هذه الأدوار تبعاً للظروف والملابسات.

وحينما لاحظ والي المدينة من قبل المتوكل التفاف الناس حول الإمام وماله من رصيد جماهيري يتسع يوماً بعد يوم ، قدّم تقريراً إلى المتوكّل شرح فيه الأمر.  وبدافع من الحقد الذي يعيشه المتوكل على أهل البيت (ع)، وبدافع من خوفه من الأخطار المستقبلية، ومن أجل وضع الإمام تحت مراقبته في سامراء عاصمة حكمه، وتطويقه بحصار شديد، وفصله عن القواعد الشعبية المؤمنة، قرّر المتوكل إخراج الإمام من المدينة إلى سامراء.

    (صحيح أن المتوكل تظاهر بتكذيب تقرير إلى المدينة وعزله، ولكن طلب الإمام القدوم إليه هو و أسرته...

وأخيراً وتحت الضغط تحرك الإمام باتجاه سامراء)([27]).

و( كان المتوكل ظالماً متعسفاً. وبما أنّه كان هو وزبانيته قد تسلّطوا على رقاب المسلمين، واستأثروا بثروات بيت المال الطائلة، يقضون حياتهم بالترف والفساد وقول الزور والإجرام، إلا أنهم كانوا يتخوفون دائماً من معارضة الناس ونهضتهم، وبما أنهم كانوا يعرفون الإمام وحبّ الناس له والتفافهم حوله، ويعرفون جيداً مدى معارضته لأعمالهم وانحرافاتهم، لذلك كانوا يشعرون بالخطر الناجم عنه أكثر من أي شخص آخر. وداهم جلاوزة السلطة بسبب تقارير كاذبة بيت الإمام عدّة مرّات للبحث عن الأسلحة والأموال المعدّة لتزويد المعارضين، وفي كلّ تلك المرات كان يتبين بأنّ تلك التقارير غير صحيحة ومغروضة. وبالرغم من ذلك لم يهدأ المتوكل واستمرّ في مضايقة الإمام بكلّ الطرق الممكنة)([28]).

    وكان تخطيط المتوكل يقضي بتصفية الإمام، إلا أنّ الله تعالى أهلكه قبل أن يتمكّن من ذلك. (ولم يزل الإمام (ع) في كرب وبلاء من ظالم إلى ظالم حتى وليَ المعتمد فدسّ إليه السم فمات مسموماً صلوات الله عليه، فوليَ غسله وتكفينه وتجهيزه ودفنه ولده أبو محمد الحسن بن علي (ع) ودفن في داره بسر من رأى وصارت سر من رأى يوم موته صيحة واحدة)([29])

مــحــمــد

أما أبو جعفر محمد بن الإمام علي الهادي عليهما السلام فهو موضوع كتابنا هذا، وأرجو أن أوفّق لعرض الصورة الممكنة عنه، معتذراً إلى القارئ الكريم عن ضيق الفكرة التي أعرضها عن حياته الطاهرة بأنّ ما ذكرته المصادر التاريخية عنه قليل جداً لا يستوعب فصول حياته، ولا يتكفّل ببيان سيرته بما فيها من أدوار وأطوار، كما أشرت إلى هذا المعنى أنفا تحت عنوان: (موقف التاريخ منه).

 

الحسن العسكري عليه السلام

    كان مولده عليه السلام بالمدينة، في اليوم الثامن من شهر ربيع الثاني سنة 232هـ. وأمه أم ولد تسمى: حديثة ويكنى بأبي محمد، والولد الذي يكنى به هو إبنه الوحيد وهو الإمام المهدي المنتظر عجل الله فرجه الشريف. ولقِّبَ (ع) بالعسكري نسبة إلى العسكر، وهو الاسم الذي يطلق على سامراء، أو على ضاحية منها وهي التي يستقر فيها عسكر المتوكل، وذلك بسبب سكناه في سامراء وكان مجيؤه إليها من المدينة مع أبيه الهادي (ع) يوم استقدمه المتوكل إلى سامراء.

    قام بأمر الإمامة بعد أبيه، ولم يشكّ أحد من الشيعة في إمامته لحصول النصّ عليه من أبيه بالإمامة، وتوفر صفاتها فيه. وحينما قام بالأمر ملأت شخصيته الساحة في مختلف المجالات العلمية والاجتماعية والأخلاقية والسياسية، فلم يترك (ع) مجالاً لأحد أن يتجاهل شخصيته كائناً ما كان. وكان عمره حينما قام بالإمامة 22 سنة، وفترة إمامته ست سنوات.

(عانى الإمام العسكري(ع) مع أبيه الهادي ، وقضى القسط الأهم من حياته في العاصمة العباسية وواكب جميع الظروف والملابسات والمواقف التي واجهت أباه.......

وجاءت مواقفه امتداداً لمواقف أبيه(ع) بوصفه المرجع الفكري والروحي لأصحابه وقواعده وراعياً لمصالحهم العقائدية والاجتماعية، بالإضافة إلى تخطيطه وتمهيده لغيبة ولده الحجة بن الحسن المهدي (ع)([30]).

    وكان موقف الحكام العباسيين من الإمام العسكري (ع) شديداً ودقيقاً جداً.

 (صحيح أن الحكام كانوا بصورة عامة، غير مرتاحين للأئمة وخائفين على أنفسهم من علم الأئمة ومعرفتهم، ومحبوبيتهم ورصيدهم الجماهيري، وقولهم الحق، ولكن كانوا أشدّ حساسية بالنسبة إلى الإمام الحادي عشر خاصة. وسبب ذلك هو الروايات الكثيرة المروية عن النبي (ص) بأنّ الحفيد التاسع للإمام الحسين (ع)، وهم ابن الإمام العسكري، سوف ينهض لمقارعة الظالمين (فيملأ الأرض خيراً وعدلاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً). وبما أنّ الحكام كانو عارفين بظلمهم وانحرافهم، لذلك كانو يخشون من وجود ابن للإمام العسكري الذي سوف يكبر وتتحقّق صحة الروايات فيطيح بحكمهم الجائر، لذلك كانو يراقبون الإمام العسكري وكلّ من يدخل إلى منزله مراقبة شديدة) ([31]).

   وقد عاصر الإمام العسكري ثلاثة من الحكام العباسيين وهم: المعتز في بقية ملكه أشهراً، والمهتدي ومدة حكمه سنة إلا يومان، والمعتمد بن المتوكل وفترة حكمه إحدى وعشرون سنة إلا شهراً.

    وتعرض الإمام (ع) للسجن من قبل الطغاة أكثر من مرة وفي الفترات التي كان يطلق فيها من السجن كان يعيش تحت الإقامة الجبرية في سامراء، ولكن الإمام وهو في سجنه، كان بما يملكه من أخلاق وآداب، وقدرة على التأثير، وما يتصف به من الورع والتقوى، وما يمارسه من العبادة يصهر النفوس المعادية، ويملأ القلوب المنحرفة بحبه، ويضطر الخصوم إلى تعظيمه، (عن محمد بن إسماعيل العلوي قال:"حبس أبو محمد عليه السلام عند على بن اوتامش وكان شديد العداوة لآل محمد عليهم السلام غليظاً على آل أبي طالب، وقيل له: افعل به وافعل، قال: فما أقام إلا يوماً حتى وضع خديه له ([32]) وكان لا يرفع بصره إليه إجلالاً له وإعظاماً، وخرج من عنده وهو أحسن الناس بصيرة وأحسنهم فيه قولاً) ([33]).

    وسجن الإمام عند رجل يدعى صالح بن وصيف، وقد وضع هذا الرجل الإمام تحت حراسة رجلين شديدين تمادياً في إزعاج الإمام وإيذائه، ولكن هذين الرجلين أصبحا بعد فترة من الزمن من الأخيار الصالحين. (عن محمد بن إسماعيل ابن إبراهيم بن موسى بن جعفر قال: دخل العباسيون على صالح بن وصيف عندما حبس أبو محمد عليه السلام فقالوا له: ضيّق عليه ولا توسّع ، فقال لهم : ما أصنع به وقد وكّلت به رجلين من شرّ من قدرت عليه، فقد صارا من العبادة والصلاة والصيام إلى أمر عظيم. ثم أمر بإحضار الموكلين فقال لهما: ويحكما ما شأنكما في أمر هذا الرجل؟ فقالا: ما نقول في رجل يصوم النهار ويقوم الليل كله، لا يتكلّم ولا يتشاغل بغير العبادة، فإذا نظر إلينا ارتعدت فرائصنا وداخلنا مالا نمكله من أنفسنا، فلما سمع ذلك العباسيون انصرفوا خائبين)([34]).

وكانت وفاته في سامراء 8 ربيع الأول، وقيل أول يوم منه، سنة 260هـ مرض في أوله، وبقيَ مريضاً ثمانية أيام وتوفي وعمره 29أو28 سنة([35])، فكان أقصر الأئمة عمراً بعد جدّه الإمام الجواد (ع) الذي كان عمره يوم شهادته 25 سنة. (وروي أنه مات مسموماً سمه المعتمد )([36]).

 

الحسين النقي

الحسين الملقب بالنقي ابن الإمام الهادي (ع) كان من الزهاد والعباد، وكان يقر لأخيه الحسن العسكري (ع) بالإمامة، وكان يُعبّّر عنه وعن أخيه الحسن العسكري بالسبطين، تشبيهاً لهما بسبطي نبي الرحمة صلى الله عليه وآله جديهما الحسن والحسين عليهما السلام.  وقد ورد في حديث أبي الطيب: أنّ صوت الحجة ــ عجل الله فرجه الشريف ــ كان يشبه صوت الحسين هذا. وقبره ــ على المشهور ــ عند قبر العسكريين عليهم السلام ضمن قبور جماعة من السادة العظام ([37]).

جعفر الكذاب

      جعفر المعروف بالكذاب ابن الإمام الهادي (ع) ، وقد عرف بالكذّاب لأنه ادعى الإمامة كذباً، خاصة بعد وفاة أخيه الحسن العسكري (ع) وغيبة الإمام المهدي المنتظر(ع) واختفائه عن الناس خوفاً من السلطات العباسية التي كانت  تبحث عنه بشدة لتنهي حياته، وتنهي بإنهائه خط الإمامة، فاستغلّ جعفر غيبة الإمام عليه السلام، ودعا الناس إلى نفسه، ممارساً في سبيل ترويج دعواه وإعطاء نفسه تلك المنزلة كل الأساليب، جاهلاً أو متجاهلاً بأنّ الإمامة منصب إلهي، لا يناله إلا من يختاره الله سبحانه، و(اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ)([38]) وأنّ الإمامة لا تكون في أخوين بعد الحسن والحسين عليهما السلام.

ومن الأساليب الخبيثة التي مارسها:-

1_أنّه ذهب إلى عبيد الله بن خاقان وزير الخليفة العباسي كما يروي ذلك أحمد بن عبيد الله بن خاقان ــ فقال له: اجعل لي مرتبة أخي وأوصل إليك في كلّ سنة عشرين ألف دينار، فزبره أبي وأسمعه ما كره وقال له: يا أحمق، السلطان أطال الله بقاءه جرّد سيفه في الذين زعموا أنّ أباك وأخاك أئمة ليردّهم عن ذلك فلم يتهيأ له ذلك فإن كنت عند شيعة أبيك وأخيك إماماً فلا حاجة إلى سلطان يرتِّبك مراتبهم ولا غير سلطان، وإن لم تكن عندهم بهذه المنزلة لم تنلها بنا فاستقله أبي عند ذلك واستضعفه وأمر أن يحجب عنه، فلم يأذن له في الدخول عليه حتى مات أبي ([39])

2- إنّه حمل الخليفة العباسي على تفتيش بيت أخيه الحسن العسكري، وحبس جواريه، واعتقال حلائله بحثاً عن الإمام المهدي (ع) لتصفيته إن تمّ الظفر به، ليظفر بميراث أخيه العسكري (ع)، وتخلو له الساحة من وجود الإمام فيحصل عل الإمامة كما يتصور ([40])، حتى أنّ الطاغية العباسي أمر جارية من جواري أبي محمد (ع) توهم الطغاة بها الحبل فحُبست سنتين تحت مراقبة عدد من النساء حتى تبين بطلان الحبل ([41]).

3-              أنّه قام بالتشنيع على أصحاب أبي محمد (ع) عند الخليفة العباسي، حيث أبلغه بأنهم يقطعون بوجود ولد للحسن العسكري (ع)، وإنهم يعتقدون إمامته، فسبّب لهم بذلك الخوف والتشديد عليهم من قبل السلطان ([42]).

4-              أنّه تعرض لوكلاء الإمام العسكري(ع) القميين على قبض الحقوق الشرعية، حيث كانت لديهم مبالغ من هذه الأموال، طالباً منهم أن يحملوا إليه الأموال التي بأيديهم لأنه الإمام بعد أخيه كما يزعم فامتنعوا من ذلك ([43]).

هذا بالإضافة إلى أخذه تركة أخيه الإمام العسكري (ع) بدون حق، وإلى ما كان عليه من انحراف السلوك، وعدم التورع عن المحرمات، وإعلان الفسق.

وكانت وفاته في سنة 271 هـ عن 45 سنة، وقبره في دار أبيه بسامراء. (وقد اختلفت في حقّه الأقوال وأنه تاب أو بقي على إصراره على الأفعال المنكرة والدعاوى الكاذبة، والحق أنه تاب، وقد روى ثقة الإسلام الكليني في (الكافي) عن محمد بن عثمان العمري توقيعاً بخطّ صاحب الأمر عليه السلام صريحاً في توبته وأنّ سبيل أخوة يوسف بن يعقوب عليه السلام)([44])

ترشيح أبي جعفر للإمامة

نظراً لما كان بتوفر عليه السلام أبو جعفر عليه السلام من علم غزير، وخلق رفيع، وما كان له من جلالة قدر، وما كان عليه من الروع والتقوى، وكثرة العبادة، وكونه أكبر ولد أبيه ــ حيث كان المعروف والمطرد بين الشيعة يومئذ أنّ الأمر يكون في الأكبر من ولد الإمام ما لم تكن به عاهة أو يمت قبل أبيه فيكون الأمر لمن يليه في السن وهو اكبر الأولاد ــ بالإضافة إلى ما سمع من أبيه الهادي (ع) في حقه كلمات تشيد بفضله ظن بعض الشيعة أنه أراد بها الدلالة عليه والإشارة إليه بالإمامة، لأجل ذلك كلّه ارتقى أبو جعفر (ع) في نفوس الشيعة إلى درجة الأهلية للإمامة بعد أبيه الهادي (ع) فكان في أوساطهم مرشحاً لهذه المرتبة العظمى التي تأتي بعد مرتبة النبوة مباشرة، إلا أنّ الله سبحانه وتعالى بداله في أمر الإمام، فأمات أبا جعفر (ع) في حياة أبيه (ع). ومعنى البداء: انكشاف ما كان مخيفاً للناس لا لله عزّ وجل وسيأتي الحديث عن البداء عن وفاة أبي جعفر (ع) وما تركته وفاته في حياة أبيه عند الشيعة من تأثير وتحير، وتألّم وتضجّر وتفكير وتساؤل.

وفاته(ع): موضعها وتاريخها

    لا شكّ أن أبا جعفر (ع) موجود في عهد أبيه الهادي (ع)ومقيم معه في سامراء، كما تدل الأحاديث على ذلك، ومنها (حديث على بن عمرو النوفلي المروي في الكافي والإرشاد وغيبة الشيخ وأعلام الورى، قال: كنت مع أبي الحسن عليه السلام في صحن داره فمرّ بنا ابنه محمد فقلت له: جعلت فداك أصحابنا بعدك؟ فقال: لا، صاحبكم بعدي الحسن)([45])

 (ولا شك أنّه سلام الله عليه توفيَ بسامراء بالمعنى الأعم في أسماء الحواضر، لا سيما الكبير منها، فتطلق عليها و على ضواحيها القريبة. كانت  سامراء يومئذ من أكبر الأوساط الإسلامية، وعاصمة ملكها. ذكر ياقوت في معجم البلدان ج 5 ص 17 أنّه لم يكن في الأرض كلها أحسن منها ولا أجمل، ولا أعظم، ولا آنس، ولا أوسع ملكا منها...الخ )([46]).

إذن: فوفاته (ع) في (بلد) التي هي إحدى ضواحي سامراء.

وسبب كون الوفاة في هذا المكان، هو ــ كما يروى ــ (أنّه كانت لأبي الحسن (ع) صدقات ووقوف من ضياع وأراضي بمقربة من بلد، وكان الذي يتولّى أمر هاتيك الضياع ابنه أبو جعفر (ع) ويأخذ عوائدها ويصرفها في ما قررت له. ففي إحدى وفداته للنظر في شئونها فاجأه المرض واشتدّت به الحال حتى أجاب داعيَ ربه، فدفن حيث مرقده اليوم، وبنيت على قبره قبة عظيمة، وما زالت الكرامات والمعاجز تظهر عند مرقده المطهّر، وراح المجاورون  لمشهده يطلقون عليه:(السيد محمد سبع الدجيل). ودجيل: النهر المعروف، مخرجه من دون سامراء، فيسقي: أواناً، وعكبراً، والخطيرة، وصريفين، وبلد، ومن الأراضي التي يسقيها دجيل: (مسكن) التي كانت عندها حرب مصعب بن الزبير ومقتله)([47]).

    وعن (العلامة معز الدين أبي جعفر المهدي بن الحسن بن أحمد الحسيني القزويني (قده) في الفصل السادس من البحث الثاني من مزار كتابه (فلك النجاة) المعقود لذكر المشاهير المعروفين من أولاد الأئمة عليهم السلام ويزيارتهم، قال: (والسيد محمد بن الهادي عليه السلام المعروف بالبعاج في أرض الدجيل من أعمال سرّ منْ رآى في الجانب الغربي من دجلة) ([48])

أما تأريخ وفاة أبي جعفر (ع) فكانت في حدود سنة اثنتين وخمسين بعد المأتين للهجرة ([49]) في حياة أبيه الإمام الهادي عليه السلام.

 

حضور أبيه عند ساعة الوفاة

حينما علم الامام الهادي (ع) بمرض ابنه أبي جعفر (ع) بادر الى الحضور عنده، فقصده ووصل عنده بعد الوفاة بهنيئة، أو أدركه وهو في حالة النزاع ــ كما قيل، ([50]) ــ، فوضع له كرسي وجلس عليه ، وقد اجتمع عدد كثير من الهاشميين وغيرهم. (عن أحمد بن محمد بن عبد الله بن مروان الأنباري قال: كنت حاضراً عند أبي جعفر محمد بن علي عليه السلام فجاء أبو الحسن عليه السلام فوضع له كرسي، فجلس عليه وحوله أهل بيته، وأبو محمد قائم  في ناحية فلما فرغ من أمر أبي جعفر  التفت إلى أبي محمد عليه السلام  فقال :يا بني أحدث لله شكراً فقد أحدث فيك أمراً)([51])

    وعن سعد بن عبد الله عن جماعة من بني هاشم منهم الحسن بن الحسين الأفطس: أنهم حضروا يوم توفيَ محمد بن علي بن محمد دار أبي الحسن عليه السلام، وقد بسط له في صحن داره، والناس جلوس حوله، فقالوا: قدّرنا أن يكون حوله من آل أبي طالب وبني العباس وقريش مائة وخمسون رجلاً سوى مواليه وساير الناس، إذ نظر إلى الحسن بن علي عليهما السلام وقد جاء مشقوق الجيب حتى قام عن يمينه ونحن لا نعرفه ، فنظر إليه أبو الحسن عليه السلام بعد ساعة من قيامه، ثم قال له : يا بني أحدث شكراً فقد أحدث فيك أمراً. فيكى الحسن عليه السلام واسترجع فقال: الحمد لله ربّ العالمين وإياه أسأل تمام نعمه علينا وإنا لله وإنا إليه راجعون. فسألنا عنه فقيل لنا: هذا الحسن ابن علي ابنه وقدّرنا له في ذلك الوقت عشرين سنة ونحوها، فيومئذ عرفناه وعلمناه أنه قد أشار إليه بالامامة وأقامة مقامه)([52])

تعزية الشيعة للإمام بوفاة أبي جعفر والاستضياح عن الإمامة

    جلس الإمام الهادي (ع) للعزاء بعد الفراغ من تجهيز أبي جعفر (ع) وإيصاله إلى مثواه الأخير حيث مرقده اليوم ، وصار الناس يأتون إليه للتعزية والمؤاساة، وللاستضياح عن أمر الإمام من بعده.  وقد تولى الإمام توضيح الموقف للسائلين، والدلالة الصريحة على الإمام العسكري (ع) والنص عليه بالإمامة من بعده.

     (عن محمد بن يحيى قال: دخلت على أبي الحسن عليه السلام بعض مضي أبي جعفر ابنه فعزيته عنه وأبو محمد جالس، فبكى أبو محمد فأقبل عليه أبو الحسن عليه السلام فقال: إنّ الله قد جعل فيك خلفاً منه فاحمد الله)([53])

((وفي أصول الكافي عن علي بن محمد عن إسحاق بن محمد عن أبي هاشم الجعفري قال: كنت عند أبي الحسن عليه السلام بعد ما مضى ابنه أبو جعفر، وإني لأفكر في نفسي أريد أن أقول: كأنهما، أعني أبا جعفر وأبا محمد، في هذا الوقت كأبي الحسن موسى و إسماعيل ابن جعفر بن محمد عليه السلام وإنّ قصتهما كقصتهما، إذا كان أبو محمد المرجى بعد أبي جعفر، فقبل على أبو الحسن عليه السلام قبل أن أنطق قال: يا أبا هاشم بدا  لله في موسى بعد مضي إسماعيل ما كشف به عن حاله كما حدثتك نفسك وإن كره المبطلون، وأبو محمد ابني الخلف من بعدي، عنده علم ما يحتاج إليه الناس وعنده آلة  الإمامة) ([54]).

     (وفي كتاب الغيبة لشيخ الطائفة عن سعد بن عبد الله الأشعري قال: حدثني أبو هاشم داوود بن القاسم الجعفري قال: كنت مع أبي الحسن عليه السلام وقت وفاة ابنه أبي جعفر، وقد كان أشار إليه ودلّ عليه، وإني لأفكر في نفسي وأقول: إنّ هذه قضية أبي إبراهيم وقضية إسماعيل، فأقبل علىَّ أبو الحسن عليه السلام فقال: نعم يا أبا هاشم بدا لله تعالى في أبي جعفر وصيّر مكانه أبا محمد كما بدا لله في إسماعيل بعد ما دلّ عليه أبو عبد الله عليه السلام ونصّبه، وهو كما حدثتك به نفسك وإن كره المبطلون، أبو محمد ابني الخلف من بعدي ومعه آله الإمامة والحمد لله )([55]).

  وبعد هذه التصريحات والنصوص وأمثالها مما لم نتعرّض لذكره لم يترك أبو الحسن عذراً لمن يدعي عدم معرفة الإمام، ولا مجالاً لمن يشكك في إمامته، ولذلك فإنّ المحمدبة وهم الطائفة التي قالت بإمامة محمد بن الإمام الهادي(ع) خروجاً على الحق، وتنكراً للأمور البديهية لا عذر لها، فإنّ موت أبي جعفر (ع) أمر في غاية الظهور، وإنّ الدلائل على إمامة الحسن العسكري (ع) واضحة قاطعة.

(قال الشيخ في الغيبة : أما المحمدية الذين قالوا بإمامة محمد بن علي بن العسكري، وإنه حي لم يمت، فقولهم باطل، لما دللّنا به على إمامة أخيه الحسن بن علي أبي القائم عليهم السلام، وأيضاً فقد مات محمد في حياة أبيه عليه السلام، موتاً ظاهراً كما مات أبوه وجده، فالمخالف في ذلك مخالف في الضرورات)([56]).

 

الـــبــــــداء

والآن جاء دور الحديث عن البداء ، فنقول :

 تحتل نظرية البداء مكانة خاصة في الفكر الإسلامي بصورة عامة، وهي تعتبر من المفاهيم الفلسفية المعقّدة كما يتفق عليه قسم من الباحثين، لأنّها تعالج مشكلة العلاقة بين النشاط الإنساني المختلف الموجّه بإرادة الإنسان واختياره وبين العلم الإلهي، ولأنها تبحث عن إيجاد صيغة يتوافق بواسطتها ذلك النشاط الإنساني المتعدد المتغير الحادث مع علم واجب الوجود سبحانه وتعالى بمختلف مفردات الكون بما فيها الإنسان وما يتصل به من أفعال هذا العلم الإلهي الذي يمتاز بالأزلية والثبات([57]).

     وقد اختصت الإمامية باعتقاد البداء من بين سائر الفرق الإسلامية. وقد قامت حول نظرية البداء مناقشات كلامية حادة وُجهت من خلالها التهم والنقائض للقائلين بالبداء دون الرجوع الى وجهة نظرهم ، والنظر الى المعنى الذي يقيدون البداء به .

 

فلنأخذ معنى البداء من الناحية اللغوية أولاً ، ثم نستعرض وبشكل محدّد المعنى الذي يعتقده القائلون بالبداء ثانياً .

البداء في اللغة :-

بداء : كسلام([58]) ، أي على وزن سلام وعلى وزن سماء ، بالفتح والمد ، وهو مصدر للفعل الماضي الثلاثي المجرّد (بدا)، ومضارعه: يبدو، ولهذا الفعل (بدا) مصادر أخرى وهي: بداءً ، بداوةً ، بدواً، فتقول: بدا يبدو بداءً وبداوةً وبدواً. قال في القاموس: (بدا بدواً وبداءً وبداءةً وبدواً: ظهر، وأبديته: أظهرته، وبداوة الشيء:أول ما يبدو منه، وبادي الرأي: ظاهره، وبداله في الأمر بدواً وبداءةً: نشأ له فيه رأي، وهو ذو بدوات)([59]). ومعنى البداء: الظهور. يقال بدا له في الأمر، إذا ظهر له استصواب شيء غير الأول. قال الشيخ الطوسي قدس سره في (العدة): (وأما البداء فحقيقته في اللغة: الظهور، ولذلك يقال: بدا لنا سور المدينة، وبدا لنا وجه الرأي، وقال تعالى : (وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا)([60])، (وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا)([61])، ويراد يذلك كلّه ظهر)([62]) . ويستعمل التعبير بـ(بدا لفلان كذا بمعنى ظهر ): في العلم بالشيء بعد أ، لم يكن حاصلاً، ومنه قول الشاعر عمرو بن عبد العزيز أبو ربيعة:

بدا لي منها معصم حين جمّرت      وكفّ خضيب زينت ببنان

أي ظهر لي من المرأة حالة رميها الجمرة في منى معصم وكف خضيب إلخ. وكذلك يستعمل في الظن([63])، أي: يُقال بدا لزيد كذا: في ظنّ زيد للشيء بعد أن لم يكن مظنوناً عنده.

     ويستعمل البداء كثيراً في اللغة في معاني تستلزم الظهور والبروز. ويمكن أن يكون مستعملاً في معناه الحقيقي (الظهور ) ويراد منه ما هو ملزوم لهذا المعنى على نحو الكناية. فمن هذا الباب يستعمل البداء في الخروج فيقال: بدا القوم، أي خرجوا، لأنّ الخروج ملزوم للظهور.

     وكذلك يُستعمل في الوجود والحدوث. ويستعمل في المجاهرة فيقال: بادى فلان بالعداوة، أي: جاهر بها، لأنّ المجاهرة ملزومة للظهور . ويستعمل في فعلية وعيد ومباغته عتاب، لأنّ الفعلية والمباغتة ملزومان للظهور، فقال تعالى : (وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ) الزمر:48([64]). (ومن ذلك يعلم بأن الجامع الاشتراكي المستعمل فيه هذا اللفظ في جميع موارده واستعماله هو الظهور، لا ظهور الرأي فقط، لصحة استعماله في ظهور شيء آخر غير الرأي. ثم إنّ مورد استعمال البداء وإرادة الظهور الرأي لا يتكفل اللفظ بمدلوله اللغوي لإثبات سبب هذا الظهور من كونه الجهل بما هو الصحيح من الرأي، أو كونه الندامة من الرأي السابق، أو أمر آخر، إذ سبب الظهور ولا يفهم من لفظ وضع لنفس الظهور، بل لا بد من وجود قرينه تدل عليه)([65]).

المعنى المقصود من البداء عندنا :-

البداء بمعناه الحقيقي وهو الظهور مستحيل على الله تعالى، وليس له طريق الى ذاته المقدسة، لأنّه يستلزم الجهل والنقص، ذلك محال عليه سبحانه، والشيعة الأمامية تتبرأ من فكرة البداء بهذا المعنى، كما يتبرأ أئمتهم الطاهرون عليهم السلام.

قال الإمام أبو عبد الله الصادق عليه السلام: (من زعم الله تعالى بدا له في شيء بداء ندامة فهو عندنا كافر بالله العظيم)([66]).

 

 وقال (ع) :(من زعم أنّ الله بدا له في شيء ولم يعلمه أمس فأبرأ منه)([67]) .

  وجاء عنهم عليهم السلام:(إنّ الله لم يبدُ له عن جهل)([68]). ، (ما بدا لله في شيء إلا كان في علمه قبل أن يبدو له )([69]) .

إنّ من المستحيل في حقّه سبحانه وتعالى البداء بمعنى ظهور الشيء له بعد أن كان خفياً، وحصوله بعد أن لم يكن حاصلاً،(لاستلزام ذلك حدوث علمه سبحانه بشيء بعد جهله به، وهو محال في حقّه تعالى لتعلّق علمه بالأشياء كلّها منذ الأزل، ولكون الموجودات برمّتها لها تعيُّن علمي في علمه الأزلي)([70]) .

 

   نعم البداء بمعنى ظهور الشيء بعد أن كان خفياً ، وحصوله بعد أن لم يكن حاصلاً متحقّق في الإنسان لجهله ونقصه، (حيث يبدو له رأي في الشيء لم يكن له ذلك الرأي سابقاً، بأن يتبدّل عزمه في العمل الذي كان يريد أن يصنعه، إذ يحدث عنده ما يغير رأيه وعلمه به، فيبدو له تركة بعد أن كان يريد فعله، وذلك عن جهل بالمصالح وندامة على ما سبق منه)([71]).أما بالنسبة إلى الله تعالى فالبداء ليس ظهور الشيء وبيانه له تعالى بعد خفائه، أو علمه بالشيء بعد جهله به تعالى عن ذلك علواً كبيراً، وإنما المقصود منه ظهور ما كان مخفياً من الأفعال الإلهية للناس، لا تغيُّر العزم وتجدُّدَ العلم، إذن: فمعنى البداء هو: أنّ مسألة الحدوث والتغيُّر في عالم الكون تتخذ صفة الظهور بعد الخفاء.

    قال الشيخ المفيد قدس سرّه :(.... فالمعنى في قول الإمامية بدا لله في كذا، أي: ظهر له فيه، ومعنى ظهر فيه، أي: ظهر منه)([72])

(ويؤكد المفيد أنّ اللفظة إنما أطلقت على الله من باب الإستعارة، كما يطلق عليه الغضب والرضا مجازاً. ثم يقول:(والذي اعتمدناه في معنى البداء أنّه الظهور، فهو خاص في ما يظهر من الفعل الذي كان وقوعه بعيداً في النظر ([73]).

ثم إنّ فكرة البداء نفسها موجودة لدى عموم المسلمين وإنّما اختلف الاسم واللفظ في التعبير عنها، فسماها الأمامية بداء، وسماها غيرها نسخاً أو قضاء إلهياً. لا خلاف بين المسلمين في ترتيب الآثار على الدعاء ، والصدقة وصلة الرحم وقد أكد القرآن الكريم وقائع معيّنة في أكثر من موضع نتيجة للتوجه إلى الله تعالى، والدعاء بحيث تحقق الاستجابة، أما السنة فهناك العديد من الأحاديث تتحدث عما للدعاء والتضرع وصلة الرحم والصدقة والالتجاء إلى الله تعالى من آثار كتحصيل الطلب وإطالة العمر ودفع البلاء المبرم ودفع ميتة السوء و غير ذلك. (ولقد ربط المسلمون هذه الظاهرة بتسميات معينة حملوها على معنى التغير. فقسم منهم أدرجها ضمن مفهوم النسخ، باعتبار النسخ يرتبط بمصالح العباد لحكم إلهية.

   وهذا ما يحدث في عالم الإنسان، كالموت والحياة وزيادة الرزق أو الإنساء في الأجل. وجميع ذلك يخضع لمصلحة معينة غائبة عن عقول الناس. وآخرون فهموا الموضوع على أنّه قضاء إلهي وفسّروه كما فسّروا القضاء عموماً. وبهذا الصدد أورد ابن الأثير الحديث المروي عن النبي(ص): (أنّ ثلاثة في بني إسرائيل، أقرع وأبرص وأعمى، بدا لله أن يبتليهم، أي: قضى بذلك) ... أما الإمامية من المسلمين فقد قيّدوا المعنى تحت لفظ (البداء)وصيغت النظرية بهذا الشكل، باعتبار مسألة الحدوث والتغير في عالم الكون تتخذ صفة الظهور بعد الخفاء ، ولهذا طابقوا اللفظ مع طبيعة الظاهرة)([74]).

 

وقد أشار الشيخ المفيد قدس سره إلى أنّ الخلاف في البداء بين المسلمين لفظي فحسب بقوله:(ليس بيني وبين كافة المسلمين في هذا الباب خلاف، وإنّما خالف من خالفهم في اللفظ دون سواه)([75]).

    ومن المؤسف أنّه رغم أن البداء اتجاه أجمع عليه المسلمون وإنّما اختلفوا في اللفظ ، وجهت للقائلين في البداء تهمة نسبة الجهل إلى الله تعالى، حيث فسّر المتهمون القول بالبداء بذلك المعنى. إذا كان ثمة خفاء في الأيام السابقة أدى إلى التباس الأمر على المتهمين وبذلك وقعوا في التحامل والاتهام للإمامية بما هم منه براء، فما بال المحدثين والذين لا يليق بمقامهم العلمي أن يتجاوزوا الموضوعية فيما يكتبون ويقررون!!!

إن الأمانة العملية تقتضي أن يكونوا بمنأى عن التقليد الأعمى والتبعية المقيتة للمتقدمين، وتقتضي أن يبحثوا أي موضوع من المواضيع بروح مجردة، وفكر متزن، كما هو شأن بعض الكتاب والعلماء الموضوعيين، أمثال الدكتور حامد حفني أستاذ الأدب العربي بكلية الألسن والمشرف على الدراسات الإسلامية بجامعة (عليكرة) بالهند، الذي قال في تقديمه لكتاب(عقائد الإمامية) للمرحوم العلامة الشيخ محمد رضا المظفر طاب ثراه ، ما نصه :

(وهناك صورة خامسة نختم بها حديثنا في هذه المقدمة، هي قول الإمامية في البداء ، ومعناه الظاهر: فعل الشيء ثم محوه، وقد قال به الإمامية في حقّ الله تعالى حتى عثر عنهم :(ما عبد الله بشيء مثل القول بالبداء ).

    ولما كان البداء من صفات المخلوقين لأن فعل الشيء ثم محوه يدل على التفكير الطارئ وعلى التصويب بعد الخطأ وعلى العلم بعد الجهل فإن كثيراً من المفكرين سفهوا عقول الشيعة في نسبة البداء إلى الله سبحانه، والشيعة الإمامية براء مما فهمه الناس عن البداء، إذ المتفق عليه عندهم وعند علماء السنة أنّ علم الله قديم منزه عن التغيير والتبديل والتفكير الذي هو من صفات المخلوقات أما الذي يطرأ عليه التغير والمحو بعد الإثبات فهو ما في اللوح المحفوظ بدليل قوله تعالى:( يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ)([76]).

 

ولنضرب مثالاً لذلك يبين معنى البداء عند الإمامية: فلان من الناس كتب عليه الشقاء في مستهل حياته، وفي سن الأربعين تاب إلى الله فكتب في اللوح المحفوظ من السعداء، فالبداء هنا محو: اسمه من باب الأشقياء في اللوح وكتابته في باب السعداء. أما ما في علم الله فيشمل جميع تاريخ هذه المسألة من إثبات ومحو بعد التوبة. أي أنه سبق في علم الله أن هذا الشخص سيكون شقياً ثم يصير سعيد في وقت كذا حين يلهمه التوبة.

    إنّ البداء الذي يقول به الإمامية هو قضية الحكم على ظاهرة الفعل الإلهي في مخلوقاته بما تتطلبه حكمته. فهو قول بالظاهر والشيعة في قولهم بالبداء إنّما جاء من زعمهم أن الشيعة ينسبون البداء إلى علم الله القديم لا إلى ما في اللوح المحفوظ . ولعلك بما قدمته لك من بيان ضاف تكون وقفت معي على ما في عقائد الإمامية من وجاهة في قولهم بالبداء وما في تفكيرهم من عمق في الحكم به...).

 

تساؤلان

الأول: ما علاقة ترشيح أبي جعفر للإمامة بموضوع البداء؟

    وبعد أن تحدّثنا عن البداء، فلنرجع إلى الحديث عن أبي جعفر(ع) وعلاقة ترشيحه للإمامة بموضوع البداء.

    والجواب على التساؤل عن هذا الترشيح للإمامة مع نصّ الإمام الهادي(ع) بها على العسكري(ع) في حياة جعفر، فنقول:أما علاقة ترشيح أبي جعفر للإمامة بموضوع البداء، والجواب عن التساؤل عن هذا الترشيح للإمامة مع نص الإمام الهادي (ع) بها على العسكري (ع) في حياة أبي جعفر ، فنقول: أما علاقة ترشيح أبي جعفر للإمامة بموضوع البداء فإنّ هناك عدداً من الأحاديث الواردة عن أهل البيت عليهم السلام في هذا الباب، وهي تسجل عدداً من الحقائق منها: أنّ هناك مجموعة كبيرة من الشيعة كانت تظن أنّ الإمام بعد أبي جعفر محمد (ع) هو ابنه أبو جعفر محمد ولكن موته في حياة أبيه كشف خطأ هذا الظن. ومنها:أنّ من الأسباب الرئيسية في ترشيح السيد محمد للإمامة وكذلك ترشيح إسماعيل بن الإمام الصادق (ع) للإمامة هو كونهما أكبر ولد أبيهما. وكان الاعتقاد الشيعي حسب ما دلّت الأخبار عن أهل البيت (ع) عليه هو أنّ الإمامة إنما تكون في أكبر ولد كلّ إمام بعده، ولكن موت إسماعيل (ع) وموت أبي جعفر (ع) في حياة أبيهما كان سبباً في ارتفاع توهم كونهما إمامين بعد أبيهما. قال أبو عبد الله الصادق عليه السلام :(ما بدا لله بداءً كما بدا له في إسماعيل ابني)أي: ما ظهر لله أمر كما ظهر له في إسماعيل ابني إذ اخترمه قبلي ليعلم بذلك أنه ليس بإمام بعدي([77]).

 

((نعم موت أبي جعفر حيث كان سبباً لظهور إمامة الحسن العسكري (ع) عند الشيعة ومزيلاً لاعتقادهم إمامة أخيه الأكبر أبي جعفر يكون هو الأمر الحادث، والشكر المأمور به([78]) إنما هو لتبين الحق بظهور منْ هو الإمام واقعاً، الهادي للخلق إلى الحق، وهذا الشكر ليس للزعامة بما هي زعامة، بل للهداية بما هي نعمة إلهية على الخلق نظير قوله: (قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ)([79]).

 

الثاني : كيف رشح أبو جعفر للإمامة مع النص بها في حياته على الإمام العسكري؟

 

    فقد ثبت أنّ الإمام الهادي (ع) قد أخبر في حياة ابنه أبي جعفر بأنّ الإمام بعده هو الحسن العسكري كما في جملة من الأخبار، وهذا ينافي ما كان قد ارتكز في الذهنية الشيعية آنذاك من إمامة أبي جعفر، فالنوفلي يشير إلى أبي جعفر سائلاً من الإمام الهادي بأنّ هذا صاحبنا ــ أي الإمام ـــ بعدك، ويجيب الإمام الهادي بأنّ صاحبكم الحسن، فكيف كان ذلك؟ والجواب: يظهر أنّ الإمام الهادي (ع) قد سكت عن بيان إمامة العسكري (ع) لمصلحة في المقام حتى يظهر ذلك للناس، ويرتفع ما ارتكز في أذهانهم وذلك بموت أبي جعفر محمد في حياة أبيه، فلم يبين الإمام ذلك للشيعة جميعهم، وإنّما بيّنه لجمع خاص منهم ، وبهذا يرتفع التنافي بين إخبار الهادي (ع) بإمامة العسكري (ع) وبين ما ارتكز في الذهنية الشيعة من إمامة أبي جعفر (ع). 

مرقده الطاهر

   قال العلامة الشيخ محمد حزر الدين في كتابه (مراقد المعارف)ج2 ص 264 ــ 265 ما نصه:ــ

   (مرقده في سواد بلد ([80]) في الدجيل وحربي من توابع سر من رأى، على بعد حدود ستة فراسخ عنها، قريب نهر دجلة، على بعد حدود الفرسخ من دجلة في ضفتها الغربية وهو اليوم عامر بالزائرين ، شامخ لصرح ، مشيد عليه قبة عالية البناء سميكة الدعائم، فقد أشادها في عصرنا زعيم الطائفة السيد ميرزا محمد حسن الشيرازي في سنة 1311هـ. يحيط بمرقده الشريف صحن فيه الغرف والإسطوانات أعدّت لزائريه والوفود التي تهوي إليه من كلّ بلد وصقع، تتحامى مرقده الأعراب التي حوله خشية من سطوته ونقمته، فكم له من سطوة بالباعثين والمفسدين والسرّاق، وإنّ زائريه في مأمن وكذا أثاث الوقف المعد لزواره، وإن الأعراب التي حول مرقده تارة يلقبونه بالبعاج، وأخرى بسبع الدجيل على حدّ تعبيرهم ، لما لمسوه من النقمة بمن يريد الحط من كرامته.

 

العمارات التي توالت عل المرقد الطاهر

    كان القبر الشريف ليس عليه بناء، ولم يعمر بعد، حتى مرّ به العلامة الورع المولى زين العابدين السلماسي قدس سره وهو زميل السيد بجر العلوم طاب ثراه وصاحب سره، فرآه منهد الجوانب، فسعى في عمارته، وذلك في حدود سنة 1208 هـ ، وأحدث هنالك رباطاً لنزول الزائرين، وكان للسيد ميرزا محمد رفيع بن ميرزا محمد شفيع الخراساني اليد مع الشيخ السلماسي في عمارة المرقد الطاهر، فصار المشهد الطاهر يزار من جماهير الناس. (ثم توالت العمارات من ذوي الثروة واليسار في أمصار الشيعة بتقييض من العلماء الأعلام، ولا سيما في الدور الأخير وعلى عهد الرياسة الكبرى للإمام المجدد الشيرازي فأشاد بذكر المشهد، وهتف بفضل صاحبه، وانثالت العلماء إلى زيارته والتبرك به، والعكوف هنالك أياماً وليالي.

    وممن سبقت له أياد بيضاء في تشييد مشهد القداسة شيخنا العلامة الحجة ثقة الإسلام النوري، وهو الذي ناء بتجديد الضريح وبناء الحجر وغيرها من مرافق الحياة هنالك. وللعلامة الشيخ هاشم من تلامذة شيخ الطائفة الأنصاري العالم الوحيد في بلد أعمال بارة في عمارة المشهد تذكر فتشكر. وآخر من نهض بتوسيع العمار وإحداث ما لم يكن قبل هذا من الغرف الجمة والأبهاء المتوفرة والصهاريج المتكثرة وجلب مضخة الماء لسقاية الزوار والقاطنين والكهرباء للإضاءة في فجوات المشهد الكريم وماكينة الطحن للتسهيل على منْ هو بمقربة من الحرم المنيع القبائل، وبناية حمام هو غاية في النظافة، هو سيدنا الآية الكبرى زعيم الشيعة ومنار الهدى الحاج آقا حسين القمي قدس سره  المتوفى سنة 1360)([81]).

 

كراماته

    سوف نذكر في هذا الفصل عدداً من كرامات أبي جعفر عليه السلام للتيمن والتبرك، وقبل ذلك لا بد من بيان معنى الكراكة، والتفريق بينها وبين المعجز من ناحية، وبينها وبين السحر من ناحية أخرى، وبينهما وبين الاختراع من ناحية ثالثة. وبوسعنا أن ندرك الفرق يبن المعجزة والكرامة، وبينهما وبين السحر والإختراع، حينما نذكر تعرف كل من هذه الأشياء، فما هو معنى المعجزة في اللغة و ما هو تعريفها في الاصطلاح الشرعي؟.

 

تعريف المعجزة:ــ

    المعجزة لغة ما لا يقدر الإنسان على فعله، و(الإعجاز: أن يأتي الإنسان بشيء يعجز خصمه ويقصر دونه)([82]).

أما معنى المعجزة في الاصطلاح الشرعي، فقد عرفت بأنها:(الأمر الخارق للعادة المطابق للدعوى المقرون بالتحدي)([83]).

    والمراد بالأمر الخارق للعادة: ما ليس بوسع البشر أن يفعلوه، سواء كان فعلاً كإحياء الموتى، أو نفياً كتعجيز القادر عن رفع أخفّ الأشياء كالريشة مثلاً. وقد خرج بقيد(الخارق للعادة) ما كان معتاداً كالسحر والشعوذة والحذاقة في الصناعات. والمراد بالمطابق للدعوى: ما يوافقها لتكون المعجزة بينه لصاحب الدعوى. وقد خرج بهذا القيد ما خالف الدعوى، مثل ما جرى على يد هارون بن حبيب الحنفي الملقب بمسيلمة الكذاب، وقد ادعى النبوة في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقد نقل عنه أن قومه أتوه برجل أعور، فقالوا له : إنّ أخا قريش ــ يعنون النبي (ص)ــ يتفل في عيون العميان فيبصروا، فاتفل في عين هذا العوراء، فتفل فيها، فعميت عينه الصحيحة. وقالوا له: إنّ أخا قريش يتفل في البئر القليلة، فيكثر ماؤها، وعندنا بئر ماؤها قليل فاتفل فيها ليكثر ماؤها، فتفل فيها فغاض ما فيها من ماء. ولا ريب في أنّ عمى عين مبصرة بسبب تفلة في عين عوراء، وغور ماء بسبب تفلة في البئر من الأمور الخارقة للعادة إلا أنها غير موافقة للدعوى.

والمراد بالمقرون بالتحدي: ما يؤتى به للإعجاز ابتداءً، أو بعد الاقتراح. وقد خرج بهذا القيد: الكرامات التي تظهر على أيدي أولياء الله، مثل ما جرى لمريم بنت عمران(ع) من إتيان رزقها من عند الله،( كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَـذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ)([84])، ومثل ما جرى للأنبياء عليهم السلام قبل بعثتهم، المعبر عنه بالإرهاص، كتظليل الغمامة نبينا محمداً(ص) في سفره إلى الشام، وخمود نار فارس عند مولده، وكانت لم تخمد منذ خمس مئة عام، وسقوط  شرفات إيوان كسرى، فإنّ كل أؤلئك لم يؤت به الإعجاز، ،وإن كان خارقاً للعادة، وذلك لأنّه غير مقرون بالتحدي([85]).

تعريف الكرامة:

    أما الكرامة فهي تتفق مع المعجزة في الشكل والصورة والتأثير على الطبيعة، وقد عرفها الشريف الجرجاني الجنفي في كتابه ( التعريفات )صفحة 149 بقوله:(الكرامة ظهور أمر خارق للعادة من قبل شخص غير مقارن لدعوى النبوة ، فما يكون مقروناً بالإيمان والعمل الصالح يكون استدراجاً وما يكون مقروناً بدعوى النبوة يكون معحزة )([86])

 

وتفترق المعجزة عن الكرامة بأمور ثلاثة،هي:

1.               إنّ المعجزة تحتاج إلى طلب من يريد تعجيز من ظهرت على يده، حينما يدعى القدرة على الإتيان بالأمر الخارق للعادة تحدياً لمخالفيه، بينما الكرامة لا تحتاج إلى ذلك.

2.               إنّ المعجزة تختص بالنبوة والإمامة فلا تصدر إلا من نبي أو وصي نبي، بينما تكون الكرامة للنبي والوصي والولي.

3.               إنّ المعجزة حتمية الوقوع، وعدم وقوعها وتأخرها عن وقت الطلب يلزم منه كذب المرسل إلى الناس لهدايتهم، ولذلك قالوا:(يجب على الله من باب اللطف إجراؤها)، بينما الكرامة جائزة الوقوع ، فيجوز أن يظهرها الله تفضلاً إكراماً للولي وتشريفاً له، وفائدتها: صيانة الولي من التعدي عليه وخرق حرمته، وبظهورها يعظّم ويحترم ([87]).

الــســحــر

(لفظ السحر في عرف الشرع مختص لكلّ أمر مخفي سببه ويخيل على غير حقيقة ويجري مجرى التمويه والخداع قال الله تعالى:( يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى)([88]).

أجل (لا يبعد أن نستوحي من القرآن الكريم في آياته المتفرقة لا سيما فيما جاء من حديث موسى مع السحرة، إن السحر عملية تخييل ولعب على الأعين والحواس الأخرى، وذلك قوله تعالى :( فسَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ )([89]).

وقوله تعالى في حديث موسى معهم: (مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللّهَ سَيُبْطِلُهُ)([90]) كدلالة على أنه لا يتركز على أساس من الحق الذي يمكن له أن يتماسك، وقوله:( إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى)([91]) لأنّ عمله لا يؤدي إلى نتيجة حاسمة بل ينتهي إلى الخيبة والخسران والفشل الذريع... وقد نجد هذا المعنى فيما كان الكفار يواجهون به الأنبياء من اتهامهم بالسحر باعتبار أنهم يفقدون الإنسان قدرته على مواجهة الدعوة بحرية الإرادة والاختيار بما يملكون من وسائل السحر )([92]).

 

    وقد نحدث الطبرسي قدس سره في(مجمع البيان) حول الموضوع بما نصه:(واختلف في ماهية السحر على أقوال فقيل إنه ضرب من التخييل وصنعة من لطيف الصنائع وقد أمر الله بالتعوذ منه وجعل التحرّز بكتابته وقاية منه وأنزل فيه سورة الفلق وهو قول الشيخ المفيد أبي عبدالله من أصحابنا، وقيل إنه خدع ومخاريق وتمويهات لا حقيقة لها يخيّل إلى المسحور أن لها حقيقة، وقيل إنه يمكن الساحر أن يقلب الإنسان حماراً ويقلبه من صورة إلى صورة، وينشئ الحيوان على وجه الاختراع .. وهذا لا يجوز، ومن صدّق به فهو لا يعرف النبوة ولا يأمن أن تكون معجزات الأنبياء من هذا النوع ولو أن الساحر والمعزّم قدراً على نفع أو ضرر وعلما الغيب لقدرا على إزالة الممالك واستخراج الكنوز من معادنها، والغلبة على البلدان بقتل الملوك من غير أن ينالهم مكروه أو ضرر، فلما رأيناهم أسوأ حالاً أو أكثرهم مكيدة واحتيالاً علمنا أنهم لا يقدرون على شيء من ذلك، فأما ما روي من الأخبار أن النبي (ص) سُحِرَ فكان يرى أنه فعل ما لم يفعله أو أنه لم يفعل ما فعله فأخبار مفتعلة لا يلتفت إليها وقد قال الله سبحانه وتعالى حكاية عن الكفار:( إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُورًا) ([93]) فلو كان للسحر عمل فيه لكان الكفار صادقين في مقالهم، حاشا النبي (ص) من كلّ صفة نقص تنفّر عن قبول قوله فإنه حجة الله على خليقته وصفوته على بريته)([94]).

الفرق بين المعجزة والكرامة وبين السحر

    من الواضح جداً افتراق المعجزة والكرامة عن السحر، حيث أن كلاً من المعجزة والكرامة عمل واقعي خارق للعادة، وآية من آيات الله عز وجل يجريها سبحانه على يد النبي والرسول لقطع الحجة على المكذبين في تكذيبه وللتحدي كما هو شان المعجزة، أو على يد ولي من أوليائه لإظهار فضله وصيانته عن الإهانة والتحقير كما هو شأن الكرامة، بينما السحر(ليس عملاً واقعياً خارقاً، وإنما هو خفة في الحركة، يخيل للمشاهد انقلاب الواقع عما هو عليه، أو تغير الصورة المنظورة إلى صورة أخرى مضادة، وقد يحصل ذلك بإخضاع المشاهد لتأثيرات خفية، تحجب عنه لوناً خاصاً أو صورة معينة، ويدلنا ذلك قوله تعالى في حكاية قصة موسى مع سحرة بني إسرائيل(فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى) ([95])

 

الاختراع والفرق بينه وبين المعجزة الكرامة

الاختراع العلمي نتيجة تجارب وفق قواعد علمية وقوانين طبيعية ووسائل مادية.

ويمكن تلخيص الفرق بينه وبين المعجزة والكرامة في ثلاثة أمور هي:

(1)           إن الاختراع العلمي إنما يتم وفق القوانين الطبيعية والوسائل المادية وفي نطاقها وتحت قهرها وتأثيرها، بينما المعجزة والكرامة خرق واجتياز للقوانين والوسائل المذكورة.

(2)           إن الاختراع العلمي لا يتم على يد صاحبه إلا بعد بحث ونظر و تجارب ومحاولات كثيرة فيها الخطأ والصواب، بينما المعجزة والكرامة تأتيان بصورة مفاجئة على أيدي الأنبياء و الأولياء ودون دراسة سابقة وإنما بتدبير الله تعالى وقدرته.

(3)           إن غاية الاختراع العلمي في أكثر الأحيان الوصول إلى نتائج مادية ، أما المعجزة والكرامة فغايتهما إثبات حقائق دينية فوق الطبيعة ووراء المادة.

شرعية التوسل بالأولياء

وبعد أن فهمنا معنى الكرامة ، وفرقنا بينها وبين المعجزة والسحر والاختراع، يحسن ــ قبل التعرض لذكر بعض كرامات أبي جعفر (ع) ــ أن نبحث في شرعية تعظيم أولياء الله، والتبرك بآثارهم، واللجوء إلى قبورهم والتوسّل بهم للحصول على قضاء الحوائج، وطلب الشفاعة منهم وننظر هل أنّ هناك ــ كما يزعم البعض ـــ شرك، أو فيه شائبة من الشرك فنقول([96]):ــ

    لقد توسع البعض في فهم حقيقة الشرك وإطلاقه توسعاً يكاد يشمل كلّ حركة وسكون، وكلّ تصرف يصدر من أهل التوحيد تجاه أولياء الله بهدف الاحترام والتكريم، حيث اعتبره هؤلاء عين الشرك، وسموا فعله مشركاً، حتى قال بعض هؤلاء:(إنّ كل تعلّق بغير الله شرك). ولو كان الأمر كما يقول البعض لكان جميع البشر مشركين، لأنّ جميع البشر يتوصلون إلى تحقيق مآربهم وتنفيذ حاجاتهم عن طريق التعلق والتوسل بالأسباب والعلل، والأسباب والعلل ليست هي الله تعالى، بل هي غير الله، فتكون النتيجة هي أنّ تعلقهم بالأسباب وتوسلهم بالعلل تعلقاً وتوسلاً بغير الله: إذن: فهو شرك به. وهي دعوى عجيبة غريبة، فإنّ حياة الإنسان في هذه الدنيا مشدودة إلى الأسباب والعلل فهو مشدود إليها، غاية الأمر أنّ عليه أن لا يعتقد لهذه الأسباب والعلل أي استقلال عن الإرادة الإلهية العليا، بل لا بد أن يعتقد بتأثيرها تبعاً لمشيئة الله سبحانه.

نعم لو اعتقد باستقلالية العلل والأسباب ومكان تأثيرها بمعزل عن الإرادة الإلهية لكان مشركاً بالله في هذه الصورة.

أن قانون العلية والسببية قانون حاكم في الظواهر الطبيعية، ولا مناص من الاعتقاد بوجود هذا القانون، إلا أنّ وراء الأسباب والعلل خالقها وجاعلها سبحانه وتعالى، ووجودها وتأثيرها منه تعالى وبمشيئته.

   (إنّ الرياح والأمطار في هذه الطبيعة ينشآن نتيجة سلسلة طويلة من تفاعل العلل الطبيعية التي تتسبب في وجود ظاهرة الرياح أو الأمطار، ولكن القرآن مع ذلك يقول:(وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ)([97])، (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ) ([98])، وليس ذلك إلا لأنّ الله وراء تلك الأسباب وهي تفعل بأمره وأقداره)([99]).

 

وهنا يكمن الفرق بين الموحد والمادي، فكلاً الفريقين يعترف بقانون العلية السببية، إلا أنّ الموحد يعتقد بأن العلل والأسباب مخلوقة لله، وخاضعة لإرادته، ومؤثره بمشيئته، بينما المادي يعتقد أصالة العلل والأسباب واستقلالها في التأثير.

    وبعد أن عرفنا أنّ التوسل بالأسباب والعلل الطبيعية باعتبارها غير مستقلة في التأثير ليس شركاً بل هو عين التوحيد نتساءل الآن: هل التوسل بالأسباب غير الطبيعية ــ كما لو اعتقد شخص بأن برءه من المرض يحصل بأن يمسح شخص يديه عليه وذلك الشخص له قرب إلى الله تعالى ــ يعد شركاً وخروجاً على جادة التوحيد؟ الجواب: كلا، فإنّ الضابط في تمييز الشرك عن غيره هو اعتقاد استقلالية التأثير في ذلك الشخص، أما حينما يفعل الإنسان ذلك معتقداً بأنّ الله تعالى هو الذي منح ذلك الشخص قدرة تمكنه أن يبرء المريض بإذنه تعالى فليس شركاً وليس فيه شائبة شرك. وأي فرق بين منح الله سبحانه لشخص مقرب إليه قدرة على الإبراء من المرض، وبين منحه تعالى الأثر للدواء الذي يتداوى به الإنسان حين المرض، أو جعله الشفاء في العسل؟!! إنّ التفريق بين الوسائل الطبيعية كالدواء وتحكم يعوزه البرهان، فإنّ كلا من الطريقين إنّما هو وسيلة وسبب، والتأثير إنما هو له سبحانه  وبإذنه ومشيئته. وأي فرق بين الإعتقاد بأنّه سبحانه وهب الإشراق للشمس والإحراق للنار وجعل الشفاء في العسل، والاعتقاد بأنّه عزّ وجل هو الذي أقدر المسيح عليه السلام على إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى، أو أنه منح الأرواح المقدسة من أوليائه قدرة على إغاثة ملهوف أو إبراء مريض؟!!

 

    ثم إنّ القرآن الكريم قد ذكر عدداً من النماذج لإعطاء الله سبحانه آثاراً خاصّة لعلل غير طبيعية وهو أمر يلقي الضوء على ما ذكرنا.

من ذلك: أن القرآن يصف كيفية برء يعقوب مما أصاب عينيه، ويقول حاكياً عن يوسف أنه قال:{اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ}([100]).

{فَلَمَّا أَن جَاء الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}([101]). فإذا اعتقد شخص بأنّ الذي منح لقميص يوسف ذلك الأثر العجيب هو الذي أعطى لسائر العلل غير الطبيعة آثارأ خاصة يستفيد منها الإنسان في ظروف معينة، هل يجوز أن يرمى ذلك الشخص بالشرك ؟!!

  ثم إنّ دعوى أن التوسل بالأنبياء والأولياء والاستغاثة بهم إنّما يجوز في حال حياتهم لا بعد مماتهم، دعوى عارية عن الدليل. فإنّ الاستغاثة بالحي باعتقاد أنّ تأثيره وقدرته على الإغاثة مستمدان من قدرة الله كاستغاثة الرجل الذي هو من شيعة موسى بموسى عليه السلام{فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ }([102]) ، نفس الاستغاثة بالأرواح المقدسة باعتقاد أنّ لها تأثيراً مستمداً من قدرة الله وبإذنه.

 

    والاحتجاج لتلك الدعوى بأنّ الميت لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، احتجاج ضعيف لا يفيد في ادعاء الشرك لمن استغاث أو  توسّل بالأرواح المقدسة والنفوس الطاهرة، إذ ليس ثمة فرق بين كون الإنسان لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً إلا بإذن الله وإرادته، بين كونه حياً أو ميتاً، أما مع الإرادة الإلهية والإذن الإلهي فهو يملك النفع والضرّ سواء كان حياً أو ميّتاً.

وخلاصة البحث:-

    إنّ دعوى أنّ التوسل بالأولياء، والتبرك بآثارهم، وزيارة قبورهم، شرك، دعوى غريبة لا يملك صاحبها حجة ملزمة مقنعة. ولو كان ترك ما ذكرنا من التوسّل والتبرك والزيارة شرطاً لتحقيق الإيمان المقابل للشرك، والصائن للدم والمال، لوجب على نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم اشتراط ترك هذه الأمور على الداخلين في الإسلام، ولو صرح (ص) بذلك لما خفيَ على المسلمين، علماً بأنّ الأحاديث المتواترة عنه وعن أهل بيته عليهم السلام تصرّح بأنّ ما يحقن به الدماء وتصان به الأعراض ويدخل به الإنسان في عداد المسلمين هو الاعتقاد بتوحيد الله سبحانه وتعالى ورسالة محمد (ص)، واليك ما أخرجه البخاري في صحيحه ج 5 باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن ص 162 عن ابن عباس أنّ رسول الله (ص)قال لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن:(إنّك ستأتي قوماً أهل كتاب فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأنّ محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أنّ الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كلّ يوم وليلة فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وتردّ على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم).

    وأخرج البخاري أيضاً في صحيحه ج1 كتاب الإيمان باب فإن تابوا وأقاموا الصلاة ــ  عن ابن عمر أنّ رسول الله (ص) قال:( أُمرتُ أن قاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقّ الإسلام وحسابهم على الله ).

وجاء في الكافي ج 2 ص 25 ــ الطبعة الحديثة عن سماعة عن الإمام الصادق عليه السلام قال:( الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله والتصديق برسول به حقنت الدماء وجرت المناكح والمواريث).

 

نماذج من كرامات أبي جعفر(ع)

 

    وبعد أن فهمنا شرعية التوسل بالأولياء واللجوء إلى قبورهم للتوسل بهم الى الله في حلّ المشكلات، ودفع الأذى فلنذكر بعض الكرامات لسيدنا أبي جعفر عليه السلام، فإنّ له كرامات كثيرة. وقد كتب أكثر من مؤلف وحررت أكثر من رسالة في كراماته. قال العلامة النوري في (النجم الثاقب)ص 81( أنّه عليه السلام صاحب كرامات متواترة حتى عند أهل السنة وأعراب البادية، وأنهم يبجّلونه ويخشون بطشه ولا يحلفون به كاذبين، وتساق إليه النذور من جميع النواحي وتفصل أكثر الدعاوى في سامراء وضواحيه بالحلف به، ورأيت غير مرّة أنه لما آل الأمر إلى اليمين به ردّ المنكر المآل إلى صاحبه لما شاهدوه من الأضرار عند القسم الفاجرية، وفي أيام هبوطي بسامراء شوهد منه كرامات باهرة)([103])،وقال الشيخ عباس القمي قدس سره: (واعلم أيضاً أنّ للسيد محمد ابن الامام على النقي عليه السلام مزاراً مشهوراً قرب قرية بلد، وهو معروف بالفضل والجلال و وبما يبديه من الكرامات الخارقة للعادات، ويتشرف بزيارته عامة الخلائق، ينذرون له النذور ويهدون إليه الهدايا الكثيرة، ويسألون عنده حوائجهم، والعرب في تلك المنطقة تهابه وتخشاه وتحسب له الحساب وقد برز عنه كما يحكى كرامات كثيرة لا يسع المقام ذكرها ...)([104]).

    وإليك نماذج من تلك الكرامات العظيمة، بعضها مثل العقوبة أو التأديب لمن يخونه، أو يخون أحداً في حماه، أو يعتدي على أحد زواره، أو يستهين بحرمه المقدس ومقامه العظيم، وبعضها يمثل شفاء مريض التجأ إلى حرمه وتوسل إلى الله به، وبعضها يمثل إجارة مستجير بكهفه الحصين، أو ملهوف لاذ بفنائه متوسلاً إلى الله به فأغاثه الله ببركة وليه وابن أوليائه. ونحن نروي هذه النماذج بتصرّف يسير لا يخل بالمعنى عن العلامة الشيخ محمد على الغروي الاردوبادي في كتابته (أبو جعفر محمد بن الإمام الهادي ــ سبع الدجيل ــ)، وهو بدوره يرويها عمن يثق بنقلهم ويطمئن بصدقهم. قال قدس سره في صفحة 42 تحت عنوان:

(خائن مبتلي)

    حدث العلامة السيد ميرزا هادي الخراساني عن السيد حسن آل بو خوجة من خدام الإمامين العسكريين صلوات الله عليهما قال: كنا جلوساً في صحن الشريف المقدس أبي جعفر فدخله أعرابي إحدى يديه معلّقة من عنقه إلى صدره وتصحبه جماعة ومعهم تيس، فاستسقانا الرجل وقدمنا له الماء فقال: أدنوه من فمي فإني لا أستطيع آخذه باليد فسألناه عن السب، فقال: دخل عليّ ضيف في العام الماضي ولم يكن عندي ما أطعمه به، فعمدت إلى تيس كان عند أختي لأذبحه له، فقالت: إنّه منذور للسيد محمد فلم أكترث بقولها، وذبحته، وبعد ثلاثة أيام ظهرت آثار الشلل في يدي واشتدت بي الحال حتى بلغت ما ترون، وإني طيلة هذه المدة ذاهل عن السبب، حتى التفتنا إليه في الآونة الأخيرة فقصدنا المرقد الشريف ملتجئين به، قال: ففتح السدنة باب الحرم ودخله الرجل ولفيفه وراءه رجالاً ونساءً وتوسلوا بصاحب القبر إلى الله متضرعين، فانتفض الرجل ساعة من الزمان، ثم برئت يده الشلاء ، ونذر أن يأتي المرقد المبارك في كلّ عام بنعجة.

وقال طاب ثراه في صفحة 52 ــ تحت عنوان :

 

(مفرط في جنب ولي الله يعاقب)

 

    قال: وفي رسالة السيد قاسم الحسيني (رحمه الله) عن العبد الصالح غيدان بن حاجم الخزرجي قال: مضيت ذات يوم لزيارة أبي جعفر عليه السلام، وبينا أنا في الحرم الشريف إذ دخله رجل أفغاني بنعاله وسلاحه وقبل أن يصل إلى الضريح أصابه مثل الاثكل وأخرس لسانه وكأنّ دافعاً دفعه في صدره وأرجعه إلى باب الرواق، وهناك عاودته الحالة ودفع إلى باب البهو أمام الرواق، فلحقه السدنة وأخرجوه إلى الصحن الشريف وطفقوا يدورون به فيه، وهلك في اليوم الثاني.

وقال تحت عنوان:ــ

(بأس شديد)

    ومن الرسالة ــ أي رسالة السيد قاسم الحسيني ــ عن الملا عباس القاري: أنّ جماعة من أهالي دجيل خرجوا ميممين خالصاً، فلما أرادوا أن يعبروا دجلة في قارب من القوارب المدورة (قفة) المعدة هناك للعبور واستقروا في القارب سقط كيس أحدهم وفيه دراهمه فاختلسه صاحب القارب، وظنّ به صاحب الكيس فاتهمه فانكر، فطلب منه اليمين بأبي جعفر (ع) ببراءته ، فحلف به ففاجأة الشلل من فوره.

وقال في صفحة 74 ــ تحت عنوان

(شفاء عاجل)

ومن الرسالة ــ  أي الرسالة الآنفة الذكر ــ عن الحاج محمود أفندي البغدادي من أهل طرف الميدان وكان من أهل السنة، قال: أصابتني علّه وألم في فخدي اليسرى أعيتني الحيلة في علاجها، فحدتني حاجة إلى السير إلى سامراء فلما حاذينا قبة أبي جعفر عليه السلام في الطريق ونحن في العربة سألت منْ معي عن صاحب القبة فأخبرت أنه ابن الإمام الهادي عليه السلام، فلما قضيت حاجتي في سامراء جعلت طريقي عند القفول على المشهد الشريف، وتضرعت فيه إلى الله سبحانه لشفائي وتوسلت به إليه، فبلغني النوم ورأيت سيداً يقول لي: اجلس فقد عوفيت مما أنت فيه، قلت له: من أنت؟ قال: أنا محمد بن الإمام الهادي عليه السلام، فانتبهت ولم أجد شيئاً في فخدي، فعرجت على بغداد وأتيت بأهلي وأولادي وذبحنا الذبائح ومكثنا عنده ليلتين ونحن نعترف له بالجلالة.

وقال قدس سره في صفحة 77 ــ تحت عنوان:

(مستجير يجار)

ومن الرسالة ــ الآنفة الذكر ــ عن السيد عبد الحسين ابن السيد جاسم الدجيلي قال: مرضت ابنة عم لي فذهبت بها إلى مشهد أبي جعفر عليه السلام مستجيرة، فألقيتها إلى جنب الضريح ، فبتنا تلك الليلة وفي الليلة الثانية قلقت وما نمت إلا بعد منتصف الليل فرأيت سيداً يقول لي: اجلس فإنّ الفجر طالع وقم للصلاة وخذ مريضتك إلى أهلك فإنها عوفيت، فانتبهت جذلاناً والفجر لائح وأتيت ابنة عمي فإذا هي تقول: رأيت سيد يقول لي قومي للصلاة فقد طلع الفجر وامضي لأهلك فقد عوفيت من علتك. وأزيحت عنها العلة ببركة الشريف المقدس سلام الله عليه.

مدح ورثاء

 

ولقد قيل في أبي جعفر عليه السلام الكثير من الشعر مدحاً ورثاءً، ونظم الشعراء في حقه غرر القصائد، وسأذكر قصيدتين منها، الأولى في مدحه لآية الله السيد ميرزا مهدي آل الإمام المجدّد الشيرازي طاب ثراهما، والثانية في رثائه(ع) للأديب الفاضل السيد محمد بن العلامة السيد رضا الهندي النجفي قدس سره،

واليك الأولى

 

بقعة لا يحام حول حماها

 

 

بسوى طوفها ولثم ثراها

 

ربوة ذات روضة ومعين

 

 

بوركت في بقاعها ورباها

 

وعراص لشبل أحمد فيها

 

 

مستناخ يهاب فيه فتاها

 

هي مثوى لماجد هاشمي

 

 

ذي فعال فاق السماء علاها

 

مألف الجود من سراة قريش

 

 

معدن الخير من ذؤابة طاها

 

هي مثوى محمد بن علي

 

 

بعلا قدره علت غبراها

 

سيد من بني الكرام كريم

 

 

وله عنصر به الله باها

 

حاسر عن ذراعه للأماني

 

 

ما نحته الآمال إلا قضاها

 

يممته الوفاد ومن من كل وجه

 

 

فانثنت عنه بعد نبل مناها

 

لم تزل موكب الحوائج تترى

 

 

تتوالى إليه لا تتناهى

 

لم تنخ حاجها هنالك إلا

 

 

قضيت قبل أن تحل عراها

 

تأمن الوفد حوله كل هول

 

 

فترى في عراصه مأواها

 

في عراص تهابها العرب طرا

 

 

 خشية أن تحوم حول حماها

 

يا ولي الله المغيث أغثنا

 

 

من صروف الدهر التي نلقاها

 

أدهشتنا غوائل وهياج

 

 

ودهانا من الطغام دهاها

 

 

***

واليك الثانية

 

نفسي إليكم تشتكي أحزانها

 

 

إذ أنها فيكم ترى سلوانها

 

قد آمنت فيكم على ضوء الهدى

 

 

وتحسست بودادكم أيمانها

 

يا آل احمد والنجاة بحبكم

 

 

والنفس لولاه ترى خسرانها

 

ما آن أن تثبوا إلى أوتاركم

 

 

أفهل نسيتم يا كرام زمانها

 

أفهل نسيتم ما جرى في كربلا

 

 

فيها أمية مثلث أضغانها

 

ما أنصفتكم بعد أحمد أمة

 

 

قد ضيعت بضياعكم عنوانها

 

فقتيلكم وسميمكم وسجينكم

 

 

يشكو غداً للمصطفى طغيانها

 

وبقرب سامراء قبر محمد

 

 

مثل البطولة من سما شجعانها

 

فمن الإمامة قد سما بفضائل

 

 

هيهات ينكر مبصر برهانها

 

ومن البطولة والبطولة شاهد

 

 

قد حاز معناها فكان عيانها

 

أمحمد عين الهداية لم تزل

 

 

تبكي عليك الدهر يا إنسانها

 

والدين ودع فيك أعظم مرشد

 

 

وبفقدك التقوى بكت عنوانها

 

واظلمّت الدنيا عليك وإنما

 

 

أوحشت يا قمر التقى أكوانها

 

وبكى الإمام عليك يعلن حزنه

 

 

وبه الإمامة أعلنت أحزانها

 

أفقيد دنيا المكرمات عجبت من

 

 

جدث يضم خلاله طوقانها

 

لك في نفوس الصالحين مكانة

 

 

منها بنت تلك النفوس كيانها

 

لك في القلوب ضرايح قد شيدت

 

 

وعلى ودادك أحكمت بنيانها

 

أمحمد إن البرية فيكم

 

 

عصت النبي وشايعت شيطانها

 

قد أكرمت أعداءكم وبحبها

 

 

إن الإله أذلها وأهانها

 

لم ترع حق محمد في حقكم

 

 

وبظلمكم قد أغضبت رحمانها

 

أمحمد مني عليك تحية

 

 

لغة العواطف رددت إلحانها

 

سقت الغمائم مرقداً بجواره

 

 

حشد الهدى أيمانها وأمانها

 

مسك الختام

والآن ــ أيها القارئ العزيز ــ هلم نجعل ختام المسك ومسك الختام زيارة أبي جعفر عليه السلام، فإن زيارتهم مستحبة.

قال العلامة المجلسي قدس سره في البحار :(اعلم إنً المشاهد المنسوبة إلى أولاد الأئمة الهادية والعترة الطاهرة وأقاربهم يستحب زيارتها والإلمام بها، فإن في تعظيمهم تعظيم الأئمة وتكريمهم)([105]).

أما بماذا نزور أبا جعفر(ع)وبأيّ الكلمات نخاطبه حينما نقف عند ضريحه المقدس، فقد ذكر العلاّمة الشيخ عباس القمّي طاب ثراه في( مفاتيح الجنان) ص 597 زيارتين يُزار بهما أولاد الأئمّة عليهم السلام، قال قدّس سرّه:

(روى السيد الأجل علي بن طاووس رضيَ الله عنه في (مصباح الزائر) زيارتين يُزار بهما أولاد الأئمّة عليهم السلام ينبغي لنا ذكرهما هنا، قال إذا أردتَ زيارة أحد منهم كالقاسم بن الكاظم عليه السلام أو العباس بن أمير المؤمنين عليه السلام أو علي بن الحسين عليه السلام المقتول بالطف ومن جرى في الحكم مجراهم فقف على قبر المزور منهم فقل: السلام عليك أيها الزكي، الطاهر الولي، والداعي الحفي، أشهد أنّك قلت حقاً ونطقت حقاً وصدقاً ودعوت إلى مولاي ومولاك علانية وسراً، فاز متبعك، ونجى مصدّقك وخاب وخسر مكذّبك والمتخلّف عنك، اشهد لي بهذه الشهادة لأكون من الفائزين بمعرفتك وطاعتك وتصديقك واتباعك، والسلام عليك يا سيدي وابن سيدي، أنت باب الله المؤتى منه و المأخوذ عنه، أتيتك زائراً وحاجتي لك مستودعاً، وها أنا ذا أستودعك ديني وأمانتي وخواتيم عملي وجوامع أملي إلى منتهى أجلي، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.

زيارة أخرى لأولاد الأئمة عليهم السلام، تقول:

    السلام على جدّك المصطفى، السلام على أبيك المرتضى، السلام على السيدين الحسن والحسين، السلام على خديجة أم سيدة نساء العالمين، السلام على فاطمة أم الأئمة الطاهرين، السلام على النفوس الفاخرة بحور العلوم الزاخرة شفعائي في الآخرة وأوليائي عند عود الروح إلى العظام الناخرة أئمة الخلق وولاة الحق، السلام عليك أيها الشخص الشريف الطاهر الكريم، أشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمد عبده ومصطفاه، وأنّ علياً وليّه ومجتباه وأن الإمامة في ولده إلى يوم الدين، نعلم ذلك علم اليقين ونحن لذلك معتقدون وفي نصرهم مجتهدون)([106]).

هذا ما استطعت كتابته وجمعه عن الطاهر سليل الطاهرين عليهم السلام، معترفاً بأني لم أعطه حقّه، ويمنحني العذر في ذلك شحة المصادر التأريخية عن أن تمدّني بسوى نبذ يسيرة عنه، مما جعلني غير متمكّن من عرض الجوانب الحياتية الشاملة له لتكمل الصورة بجميع جهاتها وأطرافها وعلى كلّ حال، إن كنت قد وفقت للإسهام في إعطاء صورة عن أبي جعفر عليه السلام فإني أحمد الله على ذلك، وإلا فإنّ ما قدّمته هو قدر المستطاع، والله من وراء القصد، وأسأله سبحانه أن يوفقنا للتمسك به وبآبائه الطاهرين، ويميتنا على حبهم وولايتهم، ويرزقنا شفاعتهم.

(وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)([107])

عبد الامير منصور الجمري

البحرين ــ بني جمرة

10 شعبان 1406هــ

الموافق 19 ابريل 1986 

 

 

  

 


 

[1]  آل عمران: 33، 34.

[2]   نهج البلاغة ج 2 ص232 شرح الشيخ محمد عبده- ط بيروت- دار المعرفة.

 [3] إبراهيم: 24، 25.

[4]  الشورى: 23.

 [5] الشورى:23.

[6]  الحجرات: 13.

[7]  أمير المؤمنين ص 4- محمد جواد شري.

[8] الإرشاد ص 413- الشيخ المفيد قدس سره

[9]  سورة النور :36 ،38.

[10] الحجرات:13

[11]( يريد أن سيرتهم صراط الدين المستقيم فمن غلا في دينه وتجاوز بالإفراط حدود الجادة فإنما نجاته بالرجوع إلى سيرة آل النبي وتفيؤه ظلال أعلامهم . وقوله وبهم يلحق التالي يقصد به أن المقصر في عمله المتباطي ، في سيره الذي أصبح وقد سبق السابقون إنما يتسنى له الخلاص بالنهوض ليلحق بآل النبي ويحذو حذوهم) . نهج لبلاغة ج1 ص30 شرح الشيخ محمد عبده ط بيروت دار  المعرفة .

[12] المصدر السابق.

[13] الشعراء: 219

[14] العباس بن الإمام أمير المؤمنين 8 ــ 9 / السيد عبد الرزاق الموسوي المقرم.

[15] سورة النور 36.

[16] مجمع البيان في تفسير القرآن مجلد 7 ص 174 أبو علي الطبرسي

[17] المصدر السابق

[18] الأحزاب : آية 23

[19] الكلمة الغراء في تفضيل فاطمة الزهراء ص 10 الإمام شرف الدين طاب ثراه0

[20] واخرج الإمام أحمد في صفحة 259 من الجزء الثالث من مسنده عن انس بن مالك أن النبي (ص) كان يمر بيت فاطمة ستة اشهر إذا خرج الفجر فيقول : الصلاة يا أهل البيت إنما يرد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرها المصدر السابق ص 14.

[21] المطالب المهمة في حياة الأئمة ص 295 – 296/ السيد على الهاشمي

[22] نفس المصدر ص 296

[23]  المصدر السابق.

[24] صريا قوية تقع على ثلاثة أميال من المدينة وقد أسسها موسى بن جعفر عليهما السلام.

[25] وتعرف بـ سر من رأى و بـ العسكر وتسميتها بالعسكر بسبب نقل المتوكل العباسي جيشه وعساكره إليها حيث ضاقت بهم بغداد وتأذى الناس منهم فبنى مدينة سامراء بهذه المناسبة . وبسبب النسبة إليها اشتهر كل من الإمام الهادي وابنه الحسن العسكري بالعسكري .

[26] الإرشاد ص 307 ــ 308 ــ الشيخ المفيد قدس سره

[27] الإسلام دروس في أصوله و أحكامه ص 121 تلك تأليف نخبة من الأساتذة.

[28]  نفس المصدر 122  .

[29] مثير الأحزان ج2 ص 316/ الشيخ شريف عبد الحسين ره 0

 

 [30] الأئمة الاثنا عشر ــ دراسة تحليلبة ص 235 / عادل أديب.

[31]  الإسلام دروس في أصوله وحكامه ص 123 ــ 124 تأليف نخبة من الأساتذة

[32] أي تواضع له

[33] الإرشاد ص 322/ الشيخ المفيد ره

[34] الإرشاد ص 324 الشيخ المفيد ره

[35] دائرة المعارف الإسلامية الشيعية ج2 ص 94 حسن الأمين .

[36] المصدر نفسه .

[37]  مفاتيح الجنان ص 521/الشيخ عباس القمي قدس سره .

[38] الأنعام : 124

[39] الإرشاد ص 320/الشيخ المفيد ره 0

[40] انظر : سفينة البحار  ج1 162 / الشيخ عباس القمي ره

[41] مثير الأحزان ج 2 320/ الشيخ شريف بن الشيخ عبد الحسين ره0

[42] سفينة بالبحار ج 1 ص 160الشيخ عباس القمي ره

[43] نفس المصدر ج 1 ص 163.

[44] تعليقة العلامة السيد محمد صادق آل بحر العلوم عن كتاب (عمدة الطالب انساب آل أبي طالب)ص199.

[45] أبو جعفر محمد بن الإمام علي الهادي ص 32 ــ 33 الشيخ محمد على الغرورى الاردوبادي

[46] نفس المصدر ص 19.

[47] المطالب المهمة في حياة الأئمة ص 226/السيد علي بن الحسين الهاشمي

[48] أبو جعفر محمد بن الامام على الهادي ص 24 ــ25/ الشيخ محمد الغروي الإردوبادي

[49] مواقد المعارف ج 2 ص 262 ــ الشيخ محمد حزر الدين

[50] المطالب المهمة حياة الأئمة ص 297 السيد علي بن الحسن الهاشمي.

[51]  الإرشاد ص 315ـ 316الشيخ المفيد ره .

[52] المصدر نفسه ص 316

[53] الإرشاد ص316ـ 317 الشيخ المفيد ره.

[54] أبو جعفر محمد بن الامام علي الهادي ص 10-11 الشيخ محمد علي الغروي الاردو بادي .

[55] نفس المصدر ص 11-12.

[56] الدمعة الساكبة في المصيبة الراتبة- أحوال العسكري(ع) الشيخ محمد باقر النجفي الدهشتي.

[57] نظرية البداء عند صدر الدين الشيرازي ص 5-  6 عبد الزهراء البندر.

[58] مجمع البحرين مادة بدا .

[59] البداء عند الشيعة ص 5/ آية الله السيد علي الفاني الأصفهاني دام ظله .

[60] الجاثية : 32 .

[61] الزمر : 48

[62] مجمع البحرين مادة : بدا ؛

[63] المصدر نفسه مادة : بدا .

[64] البداء عند الشيعة ص 6-7 / آية الله السيد علي الفاني الأصفهاني دام ظله .

[65]  نفس المصدر ص 7-8.

[66] عقائد الأمامية ص 45 الشيخ محمد رضا المظفر ره .

[67] المصدر السابق .

[68] مجمع البحرين مادة بدا .

[69] مجمع البحرين مادة بدا .

[70] البداء عند الشيعة الإمامية ص 29 – السيد محمد كلانتر.

[71] عقائد الإمامية ص 45 الشيخ محمد رضا المظفّر (رحمه الله).

[72] نظرية البداء عند صدر الدين الشيرازي ص 78 عبد الزهره البندر

[73] نفس المصدر.

[74] المصدر السابق ص :76؛77

[75] نفس المصدر ص : 79

[76] سورة الرعد 39.

[77] البداء عند الشيعة ص 39 العلامة الفاني نقلا عن الشيخ الصدوق في التوحيد.

[78] أشارة إلى قول الإمام الهادي (ع)للحسن العسكري ((ع)) يوم وفاة أبي جعفر (ع) أحدث لله شكرا فقد أحدث فيك أمرا

[79] البداء عند الشيعة ص 97،98ــالعلامة الفاني.

[80] المتفق علي عند الشيعة الإمامية هو أن قبره (ع) في ضواحي مدينة بد التي هي في صحراء دجيل قرب حربي. أما ما جاء في (معجم البلدان) لياقوت الحموي،من أن قبره في بلد اوبلط وهي فوق الموصل بسبعة فراسخ ، فهو قول شاذ مخالف للمشهور ، ولما اتفقت عليه من كلمة الإمامية الذين يعنيهم الأمر أكثر من غيرهم. ويزيد في شذوذ القول وضعفه أن الحموي يروي كون قبر السيد محمد هناك عن السيد عبد الكريم بن طاووس ، مع أن ابن طاووس لم يولد ولا يزال في الأصلاب ، فقد توفي الحموي يوم الأحد في العشرين من شهر رمضان سنة 626هـ بظاهر مدينة حلب بضبط بنخلكان في (وفيات الأعيان) 5 : 189 ؛ وجرجى زيدان في (تاريخ آداب اللغة العربية)3: 96 ،(ومرآة الجنان) 4 : 59 ــ 36 ؛ بينما ولد السيد ابن طاووس كما عليه التحقيق في شعبان سنة 648 هـ كما ذكر تلميذاه الحسن بن داود الحلي في رجاله ص: 226، وكمال الدين عبد الرزاق المعروف بابن الفوطي، وكذا الحر العاملي في (أمل الآمل) 2: 158؛ وكذا جاء في روضات الجنان ص 360 ، إذن :ــ فبين وفاة الحموي وولادة ابن طاووس اثنتان وعشرون سنة. فكيف يروي الأول عن الثاني ، (فبهذا التحقيق ثبت أن القول المنسوب إلى ابن طاووس غير ممكن ولا متصور بل هو من الوضاعين ادخلوه ــ في كتاب (معجم البلدان ) عند جمع الكتاب وطبعه ــ لغرض من الأغراض الفاسدة ــ أما للتشكيك في موضع قبر السيد محمد سلام الله عليه في بلد ــ دجيل الذي هو اليوم من الشهادة المشفة وطرأت عليه عمارات جدا فخمة تؤمه آلاف الزائرين ، أو إدخال المستحيل في (معجم البلدان) كي تشوه سمعة هذا الكتاب الجليل وتسلب منه الثقة) محمد حسين حزر الدين ــ في تعليقه على الكتاب والده (مراقد المعارف) ج 2 ص ب : 266.

[81] أبو جعفر ــ محمد بن الإمام على الهادي / ص 37 ــ 38 الشيخ محمد على الغروي

[82] مجمع البحرين ــ مادة . عجز / العلامة الطريحي.

[83] مجمع البحرين ــ مادة . عجز / العلامة الطريحي.

[84] آل عمران آية :37

[85] أصول الدين الإسلامي ص 195 ــ196/ محمد علي ناصر.

[86] بطل العلقمي ج 3 ص 395/ الشيخ عبد الواحد المظفر.

[87]  المصدر نفسه ص 394 -395.

   [88] مجمع البحرين مادة سحر نقلاً عن الإمام فخر الدين في تفسيره.

[89] الأعراف:116

[90] يونس:81.

[91]  طه: 69.

[92] من وحي القرآن الحلقة الثانية ص 129/ السيد محمد حسين فضل الله.

[93] الاسراء 47

[94] من وحي القرآن الحلقة الثانية ص 130 ــ 131/ السيد محمد حسين فضل الله.

[95] الامام الرضا ع تاريخ ودراسة ص 271 ــ 272 محمد جواد فضل الله

[96] ما سأذكره في هذا الفصل مقتبس من كتاب(معالم التوحيد في القرآن الكريم) محاضرات العلامة الشيخ جعفر السبحاني ــ بقلم جعفر الهادي.

[97] الأعراف:57

[98] الشورى : 28

[99] معالم التوحيد في القرآن الكريم ص 461

[100] يوسف : 93 .

[101] يوسف: 96

[102] القصص:15

[103] أبو جعفر محمد بن الامام علي الهادي ص 40 ــ 41 الشيخ محمد علي الغروي الاردبادي

[104] مفاتيح الجنان ص 521 ــ الشيخ عباس القمي (ر ه)

[105]  مصابيح الجنان ص 383 السيد عباس الحسيني الكاشاني.

[106] مفاتيح الجنان ص 597 الشخ عباس القمي (ر ه)

[107] يونس:10