(إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ.ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ([1])

القرآن الكريم

(هم عيش العلم وعيش الجهل. يخبركم حلمهم وعملهم وصمتهم عن حكم منطقهم. لا  يخالفون الحق ولا يختلفون فيه هم دعائم الإسلام وولائج الاعتصام، بهم عاد الحق في نصابه، وانزاح الباطل عن مقامه، وانقطع لسانه عن منبته عقلوا الدين عقل وعاية ورعاية، لا عقل سماع ورواية، فإنّ رواة العلم كثير ورعاته قليل).

الإمام على أمير المؤمنين(ع)من خطبة له يذكر فيها آل محمد(ص)([2]).

كلمة تقريظ تكرّم بهاــ بدافع حسن الظن والتشجيع ــ ووجّهها إليَّ فضيلة الأستاذ الشيخ محمد على مهدي زين الدين دام مؤيداً.أثبتها مشفوعة بشكري وتقديري.

بسم الله الرحمن الرحيم

(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا)([3])

صدق الله العلي العظيم.

إذا كانت الكلمة الطيبة تعني من بين ما تعني العمل الصالح والكلمة الحقة، فإنّ مادبّجه قلمكم حول شخصية كريمة لها حقّ المودة على كلّ مسلم كما يصرِّح بذلك القرآن الكريم المجيد حيث يقول(قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى)([4])ــ إنّه لعمل صالح، وكلمة طيبة.

 أجل ما دبّجتموه حول حفيد محمد المصطفى وعلي المرتضى وفاطمة الزهراء، عليهم السلام، وابن الإمام على الهادي المدعو السيد محمد عليهما السلام لا شك عمل صالح وكلمة طيبة كشجرة طيبة تؤتي أكلها كلّ حين بإذن ربها.

وإذا كانت نفوس المؤمنين المحبين لأهل البيت عليهم السلام تتطلع بلهفة إلى شيء تعرفه عن حياة هذا السيد الجليل ـــ الذي أهمل التاريخ الكثير من جنبات حياته الخيّرة استجابة لرغبة السلطة آنذاك التي لا تريد أن يذكر واحد من البيت العلوي بخير كما أشرتم إليه ــ وذلك ليعمّقوا مودّتهم لحفيد الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، فيثقوا بأنّهم استجابوا لما ندبوا إليه من المودة لقربى نبيّهم العظيم صلى الله عليه وآله وسلم في آية(قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا)([5])

و على رغم السلطة والتأريخ، فقد ظهرت له من الكرامات بعد وفاته كما ذكرتم ما كشف عن علوّ شأنه في حياته وقربه من الله سبحانه وإن كره الظالمون، سوف يجد المؤمنون المحبون لأهل البيت عليهم السلام ضالّتهم المنشودة فيما أبرزتموه من صورة واضحة الملامح عن حياته الطيبة عليه السلام.

وجدير بالتقدير والاهتمام تسليطكم الأضواء على قضيتين من أهم القضايا على الساحة الإسلامية هما قضية البداء وقضية التوسل بالأولياء، فقد جاء هذا متوجاً لعملكم الصالح، فكان نوراً على نور هدانا الله وإياكم بنوره لنوره وجزاكم الله على نبيه العظيم وأهل بيته الكرام والمؤمنين خيرَ جزار المحسنين، وأسأله سبحانه أن يسدّد خطاكم وينفع بكم إنّه سميع مجيب.

 

4شوال سنة 1456هـ ــ الدراز الفقير اله سبحانه: محمد على مهدي زين الدين

 

الإهداء

إلى السيّد البر التقى: ابن السادة الأبرار الأتقياء. إلى صاحب السدة المنيعة والمقام الشامخ، والشرف العظيم إلى حامي المستجير، ومغيث اللهوف.

إلى المنتقم من المتجرّئين على الاستهانة بقدره، والمعتدين على زائره واللائذ بساحته.

إلى أبي جعفر محمد بن الإمام الهادي عليه السلام.

إليك يا سيدي أهدي:

هذه السطور المتواضعة عن حياتك الطاهرة، معترفاً بالقصور والتقصير عن أداء حقك العظيم.

أجل ـــــ

إليك يا سيدي أهديها وأقدّمها بيد الرجاء أن تتفضّل بقبولها من أحد خدّامكم ومحبيكم.

 

عبد الأمير منصور الجمري

 

 

 

المقدّمة

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين، وأصحابه المنتجبين والتابعين لهم بإحسان.

وبعد: فإنّ من عظيم النعم ـــ وكل نعم الله عظيمة ــ أن أُوفّق لكتابة كتيب متواضع عن شخصية من شخصيات البيت النبوي الطاهر الذي أذن الله أن يُرفع ويذكر فيه اسمه شخصية قد استجمعت صفات النبل والفضل، وسمات الخير والطهر، وتوفّرت على كنوز العلم والإيمان والفضيلة بشكل جعلها تحلّق في سماء الحقّ والعلم والإيمان والتقوى، الأمر الذي أهّلها لأن تُرشَّح ــ في نظر الصفّ المؤمن ــ للإمامة وتحمل أعباء الأمة، تلك هي شخصية سيدنا أبي جعفر سلالة الأئمة الطاهرة محمد بن علي بن محمد بن على بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي أبي طالب عليهم السلام.

   ومن هو أحق من هذه الذوات الطاهرة بالكتابة عنهم وعرض سيرتهم وتاريخهم؟ أليست هي الطليعة من الشخصيات الرائدة القيادية، والتي قدمت للأمّة الإسلامية بل للإنسانية عامة أفضل الدروس والعبر فيما سلكته من منهج، واضطلعت به من مسؤوليات، واتستمت به من خلق، ومثّلت من نبل، والتزمت من خطّ سليم وصراط مستقيم؟ أليست هي أكرم سلالةٍ، وأطهر ذرية كرّم الله تعالى بها حبيبه وخاتم أنبيائه محمداً صلى الله عليه وآله وسلّم لتكون امتداداً لشخصيته الرسالية المقدسة، ودينه القويم إلى يوم الدين، ولتبين للناس معالم الحق، وتخرجهم من الظلمات إلى النور، وتكون لهم وسائل رحمة، وسفن نجاة يأمن من ركبها ويهلك من تخلف عنها؟.

    ولو اتخذت الأمة الإسلامية هذه الذوات الطاهرة مقياساً للحق والهداية، ونبراساً تستضئ به في طريقها، ومثالاً تحتذيه في حياتها لحقّقت ما تصبو إليه من عزة وكرامة، وما تنشده من عدالة، وما تريده من حرية واستقلال، ولجُنِّبَت في حياتها المزالق والمفاسد والتخبّط والتعثّر، والويلات والنكسات ولكانت ــ كما أرادها الله ــ خير أمة أخرجت للناس، ورحم الله دعبل الخزاعي القائل:ــ

ولو قلدوا الموصى إليه أمورهم                       لزمت بمأمون عن العثرات

    إنّ السلالة العلوية متكاملة الصفات التي تؤهل المتصف بها لتسنم مناصب الحكم، وتولي مراكز القيادة، وتحمل مسؤوليات الدين والدنيا. فكل فرد من أفراد هذه السلالة الطاهرة يعيش الإسلام فكراً وسلوكاً وأهدافاً، وكلّ فرد من أفرادها يمنح كل وقته وطاقته للإسلام، ويقدّم نفسه بسخاء الإسلام.

أجل- إنّهم في أعلى درجات الفضل والعلم، والزهد والعبادة، والنبل والأريحية، والجرأة والشجاعة، والفداء والتضحية. وبهذا(نجد أن لا تناقض بين تمييز آل الرسول(ص) وبين المبدأ القائل:( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)([6])   

   لأنّ تمييزهم يكشف عن أنّهم في أعلى درجات التقوى، ولذلك لم يكن هذا التمييز ارستقراطياً، ولا هو مكافأة لهم على عمل سواهم، ولا هو ثواب على ما ليس تحت قدرتهم ووراء اختيارهم وهو قرابتهم من الرسول(ص). إنّه تشريفٌ لهم يستحقونه بأعمالهم الصالحة وسيرهم على خطى الرسول نفسه)([7]).

  وطبيعي لأسرة تؤسس على الدين والتقوى بأوسع ما لهما من مفهوم، وينجبهما عظيمان كعلي أمير المؤمنين (ع) أول خريج من مدرسة الرسول (ص)، وأعظم رائد بعده من رواد التربية الإسلامية، وفاطمة الزهراء(ع) سيدة نساء العالمين وبضعة الرسول الأمين(ص)، طبيعي لأسرة كهذه أن يكون كلّ فرد من أفرادها قمة في جميع الصفات الخيرة والقيم الرفيعة، وطليعة من طلائع موكب الحق، وقائداً من قادة ركب الإيمان.

     لذلك لم يعرف التأريخ أُسرة بلغت الغاية من الشرف والاستقامة كهذه الأسرة، ولم يعرف أسرة مثّلت الإسلام في أخلاقها وسلوكها ومواقفها كهذه الأسرة، كما لم يعرف أسرة تكالبت عليها قوى الظلم جيلاً بعد جيل كهذه الأسرة، ولم يعرف أسرة قاومت الظلم وقدّمت روحها وأسالت نفوسها في بسالة واطمئنان لتحرير الأمة وتخليصها من المستبدين والمستغلين كهذه الأسرة.

     فهي التي فتحت باب النضال والكفاح على مصراعيه للآخرين وهذا ما يعرفه جميع المسلمين. وهي التي أعلنت كلمة الرفض للظلم والباطل ولكلّ رموزها، وأعطت ثمن ذلك كثيراً، فتاريخها هو تاريخ الجهاد والصمود، تاريخ الدم تاريخ الشهادة.

  فإلى الحديث ـ قارئي الكريم ـ عن إنسانٍ عظيم، هو أحد أفراد هذه الأسرة الكريمة، وإحدى شموع هذه العترة الطاهرة: أبو جعفر محمد بن الإمام الهادي،  وأخ الإمام الحسن العسكري، وعم الإمام المهدي المنتظر صلوات الله عليهم أجمعين.

  إلى الحديث عن شخصيته المشرفة المعطاء. والله المسدّد والهادي إلى الصواب.

 

عبد الأمير منصور الجمري

 

    

موقف التاريخ منه:

مما يؤسف له أن ما يذكره التاريخ عن هذا السيد الجليل قليل جداً، بحيث أن الباحث مهما أجهد نفسه في التنقيب لا يمكنه أن يقدم عنه صورة كاملة ، ويسجل له سيرة وافية، متصلة الحلقات ، مستوعبة للأدوار ، والأحداث التي عاشها.

   وليس ذلك غريباً ما دام التاريخ لم يُترك ليسير سيراً طبيعياً، ولم يُكتب بأقلام حرة نزيهة، وإنما سار طبق رضا الحكام، وكتب بالشكل الذي ينسجم مع مصالح ورغبات المتسلطين، وتحكمت فيه نزعات المؤرخين، لذلك جاء مليئاً بالدس والوضح، والتحريف والتزوير، والسفاسف والترهات، متناقضاً متبايناً. أجل، جاء ــ ولا سيما في عهود الأمويين والعباسيين ــ مشوهاً، تطغى عليه العواطف، وتتحكم فيه الأهواء. لذلك أصبح استخراج الحقائق والأحداث بشكلها الواقعي منه أمراً صعباً جداً يستغرق طاقة الباحثين والنقادين.

    ومن هنا كان نصيب هذه الشخصية العظيمة في التاريخ: خفاء أدوارها ومواقفها ، كما هو نصيب كلّ شخصية تتنكر لها السلطات الظالمة ، ويتنمر لها الساسة المجرمون.

بيتيته (ع):

  تسمو قيمة البيت ويعلو شأنه في الإطار الإسلامي، حينما يتوفر على العناصر الآتية:

1-    الالتزام بالضوابط الدينية.

2-    العطاء الاجتماعي.

3-     الأصالة النسبية والطهر العائلي.

     فقيمة البيت في الإسلام ليس ببنائه وزخرفته، وإنما بمن يسكنه ويحل فيه إذا كان ممن يطبق أوامر الإسلام، وينتهي عما ينهى عنه الإسلام. وكلمة الإمام الهادي عليه السلام لما انزله المتوكل العباسي خان الصعاليك عند وصوله إلى سامراء لما استدعاه إليها، فرآه صالح بن سعيد وهو من شيعته فقال له: في كلّ الأمور أرادوا إطفاء نورك والتقصير بك حتى أنزلوك هذا الخان الأشنع خان الصعاليك !! كلمة الإمام في آخر جوابه لصالح: ( لسنا في خان الصعاليك)([8]) توحي بأنّ المكان بالمكين، والمنزل بمن حلّ فيه، فالعبرة لا بالحال، فليكن قصراً، أو كوخاً أو رفيعاً أو وضيعاً في شكله، وبنائه، فإنّ المدار على ساكنه ومدى التزامه بالطاعة وبُعده عن المعصية. لذلك يصف القرآن الكريم البيوت الطاهرة الكريمة بقوله تعالى: ((فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ ))([9]) ووصفتها الراوية بــ:(إنّ البيوت التي يصلى فيها الليل ويتلى فيها القرآن تضيء لأهل السماء كما تضيء الكواكب لأهل الأرض).

   وبقدر ما يكون للبيت في المجال الديني والاجتماعي من عطاء تكون قيمته ورصيده في الإسلام. فإذا كان أبناء ذلك البيت قد وظّفوا طاقاتهم على إصلاح الناس وإرشادهم،وإغاثة المحتاجين، ونشر العلم، وقضاء الحوائج، وكفالة الأيتام ونصرة المظلومين ومؤاساة المعوزين وإعلاء كلمة الحق فإنّ البيت سيكون في القمة من البيوت الرفيعة، ومن الأحاديث التي تصف القائمين بما ذكرنا من الأمور والمتصفين بما أشرنا إليه من السلوك، قول الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله وسلم متحدثاً عن كافل اليتيم:

((خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه، وشرّ بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه)).

    وبحجم ما يملك البيت من أصالة نسبية وطهر عائلي تكون له منزل في الإسلام. أجل ــ أن لأصالة النسب قيمة في الإسلام، وإنّ للنسب أهمية ملحوظة في الإسلام، فالإسلام حينما جاء لم ينه الناس عن الاهتمام بالنسب، وإنما أقرهم عليه، بل تجاوز الإقرار إلى أن شجعهم على معرفته وتدوينه والمحافظة عليه كوسيلة لغايات يعتبرها الإسلام، بل يقدسها ويحث عليها، وهذه الغايات كالتعاون بين أفراد الأسرة قال تعالى:"وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا"([10])، وصلة الرحم، قال رسول الله(ص):((تعلموا أنسابكم لتصلوا أرحامكم، والدفع للتحلي بمكارم الأخلاق والبعد عن التلوث بسيئ الصفات والأفعال، فإن الإنسان حينما يعرف أنّ له سلفاً صالحاً، وماضياً أسرياً مجيداً، وأجداداً وآباءً محترمين يدفع به ذلك إلى التحلي بجميل الصفات ليكون خلفاً صالحاً لسلفه الكريم، يخلّد ذكراهم، ويحفظ سمعتهم وكرامتهم، ويكون امتدادً لنبلهم ومآثرهم.

هذا بالإضافة إلى ما هناك من أحكام شرعية يعتمد تطبيقها على معرفة النسب، كدية قتل الخطأ التي أوجبها الإسلام على العاقلة(العشيرة) وهم الأب والمتقرّب به من الرجال والأولاد ، وأحكام المواريث التي يفتقر تطبيقها إلى معرفة النسب ، وغير ذلك من الأمور التي تكون معرف النسب مرتبطة بها أو أساساً لتطبيقها. فإذا اجتمعت العناصر الثلاثة المذكورة في بيت فإنّ هذا البيت يعطيه الإسلام أكبر قيمة وأعلى منزلة.  وقد اجتمعت هذه العناصر جميعها في بيت الإمام علي ابن أبي طالب عليه السلام.

    أما من حيث الالتزام بالضوابط الدينية، فإن أبناء هذا البيت هم الذين يتجسّد الإسلام في أقوالهم وأفعالهم وهم القدوة والأسوة المسلمين فيما يفعلون وما يتركون ويكفي هذا الباب قول علي أمير المؤمنين عليه السلام: (( لا يقاس بآل محمد صلى الله عليه وآله من هذه الأمة أحد، ولا يسوّى بهم من جرت نعمتهم عليه أبداً، هم أساس الدين وعماد اليقين، إليهم يفيء الغالي، وبهم يُلحق التالي ([11])، ولهم خصائص حق الولاية، وفيهم الوصية والوراثة ([12]) 0

    وأما من حيث العطاء، فإنّ التأريخ لم يهتف بلسانه ولم يشر ببنانه في الجاهلية والإسلام إلى بيت رفع لواء العلم والفضيلة، وجسّد النبل والأريحية بما لهم من مفهوم شامل، وحمى الجار، وإغاثة المظلوم، ونصر المستضعف وسقى الناس من ظمأ وكساهم من عرى وأطعمهم من جوع وآمنهم من خوف دون أن يفرّق في ذلك بين محبيه ومبغضيه وأوليائه وأعدائه، أقول: لم يشر التاريخ إلى بيت حقّق كلّ تلكم المزايا والأفعال مجتمعة سوى هذا البيت الطاهر.

 وأما من حيث النسب، فالجد محمد صلى الله عليه وآله، والأب علي عليه السلام، والأم فاطمة عليها السلام. وحتى قبل الرسول الأعظم(ص) نجد كلّ واحد من سلسلة نسب هذا البيت الكريم حتى آدم أبي البشر عليه السلام(( غير مدنّس بشيء من رجس الجاهلية، ولا موصوماً بعبادة وثن، وهو الذي يرتضيه علماء الحق، لكونهم صديقين بين أنبياء وأوصياء، وقد نزّههم الله تعالى في خطابه لنبيه الأقدس:(وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ)([13]) فإنّه أثبت لهم جميعاً بلفظ الجمع المحلّى باللام السجود الحق الذي يرتضيه لهم([14])

 

بيت الإمام الهادي عليه السلام

هذا البيت هو أطهر بيت على وجه الأرض، لأنّه الامتداد الطبيعي لبيت الرسالة، والوريث الحق لبيت علي وفاطمة عليهما السلام.

أجل ــ إنّه أطهر بيت في جميع عصوره وأدواره، في رجاله ونسائه، في شيوخه وكهوله وشبابه، في صبيانه وأطفاله.

وإذا كان هذا البيت كذلك، وهو كذلك، فإنّ من حقّه أن يكون طليعة البيوت التي يتحدث عنها القرآن الكريم بقوله تعالى: ((فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ)([15]).

وأيّ مصداق أكمل وأوضح للبيوت التي تتحدث عنها الآيات الكريمة من بيت يتجسّد الإسلام أكمل تجسيد في سلوك أهله ويُتلى فيه القرآن الكريم آناء الليل وأطراف النهار، فالتلاوة هي المراد من قوله: ((وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ))، ويرفع لولاء الحق بأيدي أبنائه، وتسقى شجرة الإسلام بدمائهم الزكية؟

وإذا كانت الآية تشير ــ كما في بعض الوجوه التي يذكرها المفسرون ــ إلى بيوت الأنبياء عليهم السلام([16]) فإنّ سيد هذه البيوت وأشرفها هو بيت سيد الأنبياء محمد صلى الله عليه و آله وسلم، لاسيما وأن أصحاب الرأي الذي ذكرناه يؤيدون مذهبهم براوية تقول بأنّ النبي (ص) لما قرأ هذه الآية سئل أي بيوت هذه؟ فقال (ص) بيوت الانبياء. فقام أبوبكر "رض" فقال: يا رسول الله هذا البيت منها؟ يعني بيت على وفاطمة ــ فقال (ص): نعم أفاضلها([17]) وإذا كان هذا البيت العظيم واحداً من البيوت التي تحدثت عنها الآية ، وذا كانت هناك مذاهب أخرى لعلماء التفسير في الآية، فإنّ ثمة نصاً قرآنياً آخر قد تحدّث عن هذا البيت بشكل خاص، ذلك هو قوله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)([18]). وقد جاء عن الرسول (ص) فيما أخرجه ابن جرجير الطبراني بأسانيدهم إليه (ص)وقد ذكره ابن حجر في تفسير الآية من صواعقه والنبهاني في صفحة7 من (الشرف المؤبد):(أنزلت هذه الآية في خمسة:فيَّ وفي علي والحسن والحسين وفاطمة)([19]). كما أنّه (ص)بين عملياً قدسية هذا البيت وقيمته الكبرى في الإسلام، وذلك من أجل ربط المسلمين به وشدّهم إليه. قال ابن أبي الحمراء:هدت النبي(ص) ثمانية أشهر إذا خرج إلى صلاة الغداة مرّ بباب فاطمة وقال: السلام عليكم أهل البيت، الصلاة، (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)([20])

    تلك هي البيتية الطاهرة لأبي جعفر السيد محمد بن الإمام علي الهادي عليهما السلام، وتلك هي أسرته الكريمة، أعظم أسرته في التاريخ طهراً وديناً وعلماً وورعاً، وتقوى وتضحية، ونفعاً وعطاءً للأمة.

أولئك آبائي فجئني بمثلهم                                      إذا جمعتنا يا جرير المجامع

نشأة أبي جعفر وتربيته

نشا أبو جعفر (ع) في كنف أبيه الإمام علي على الهادي (ع) وتربى في ظله، وأخذ عنه، وتلمّذ عليه.

وحينما يكون للتربية الصالحة أكبر الأثر في تكوين الولد وبناء شخصيته خلقياً وسلوكياً ونفسياً وعقلياً ــ على ما قُرِّرَ في علم النفس ــ، وحينما يقوم على تربية أبي جعفر (ع) واحد من عظماء المربين كأبيه الهادي (ع) فإنّه من الطبيعي أن يكون أبو جعفر قمة في الذكاء، والخلق الحسن، والعلم والفضل، والورع والتقوى. ومن الطبيعي أن يصفه مترجموه بقولهم: (وكان أبو جعفر مهاباً موقراً، وكانت تلوح عليه مظاهر العظمة والجلالة مشفوعة بإشادة أبيه بفضله العميم)([21]). وحدّث علان الكلاني قال: صحبت أبا جعفر محمد بن على الهادي وهو حدث السن فما رأيت أوقر منه ولا أزكي ولا أجلّ منه الخ([22]). وكان (ع) أكبر أولاد الإمام الهادي عليه السلام. وكان للإمام علي الهادي عليه السلام أربعة أبناء وبنت واحدة أما الأبناء فهم أبو جعفر محمد (ع) وأبو محمد الإمام الحسن العسكري(ع)، والحسين النقي، وجعفر المعروف بالكذاب.  وأما البنت فهي علية([23])

فكرة عامة عن الإمام الهادي و أولاده

    ولنأخذ فكرة عامة عن الإمام أبي الحسن على الهادي (ع)وأولاده، ما عدى علية، فإني لم أعثر فيما لديّ من مصادر تأريخية على ترجمة لها، على أنّ شيخنا الشيخ المفيد قدس سرة قد ذكرها في (الإرشاد) ص 314 باسم عائشة.

  

الإمام الهادي (ع)

    كان مولده عليها السلام في النصف من ذي الحجة سنة 212هـ صريا([24])وتوفي سامراء([25]) في رجب سنة 254 هن عمر تجاوز الأربعين بسنة أو شهر.  وكانت المدة التي اضطلع فيها بأعباء الإمامة 33 سنة. وأمه أم  ولد يقال لها سمانة ([26])

    لم يشك أحد من شيعة آبائه الطاهرين في إمامته، لأنّ أباه الجواد عليه السلام كان قد نصّ عليه بالإمامة، ولأنه قد استجمع كلّ الصفات المطلوبة في الامام.

    سيرته (ع) تمثل ثروة كبرى في العلم والأخلاق والتربية والمعارضة للظلم، فله دور ايجابي جهادي عظيم، كسائر آبائه الطاهرين، فإنّ لهم جميعاً أدواراً إيجابية، بعضها يكمّل البعض الآخر في الحفاظ على الرسالة الإسلامية، وإن اختلفت أشكال هذه الأدوار تبعاً للظروف والملابسات.

وحينما لاحظ والي المدينة من قبل المتوكل التفاف الناس حول الإمام وماله من رصيد جماهيري يتسع يوماً بعد يوم ، قدّم تقريراً إلى المتوكّل شرح فيه الأمر.  وبدافع من الحقد الذي يعيشه المتوكل على أهل البيت (ع)، وبدافع من خوفه من الأخطار المستقبلية، ومن أجل وضع الإمام تحت مراقبته في سامراء عاصمة حكمه، وتطويقه بحصار شديد، وفصله عن القواعد الشعبية المؤمنة، قرّر المتوكل إخراج الإمام من المدينة إلى سامراء.

    (صحيح أن المتوكل تظاهر بتكذيب تقرير إلى المدينة وعزله، ولكن طلب الإمام القدوم إليه هو و أسرته...

وأخيراً وتحت الضغط تحرك الإمام باتجاه سامراء)([27]).

و( كان المتوكل ظالماً متعسفاً. وبما أنّه كان هو وزبانيته قد تسلّطوا على رقاب المسلمين، واستأثروا بثروات بيت المال الطائلة، يقضون حياتهم بالترف والفساد وقول الزور والإجرام، إلا أنهم كانوا يتخوفون دائماً من معارضة الناس ونهضتهم، وبما أنهم كانوا يعرفون الإمام وحبّ الناس له والتفافهم حوله، ويعرفون جيداً مدى معارضته لأعمالهم وانحرافاتهم، لذلك كانوا يشعرون بالخطر الناجم عنه أكثر من أي شخص آخر. وداهم جلاوزة السلطة بسبب تقارير كاذبة بيت الإمام عدّة مرّات للبحث عن الأسلحة والأموال المعدّة لتزويد المعارضين، وفي كلّ تلك المرات كان يتبين بأنّ تلك التقارير غير صحيحة ومغروضة. وبالرغم من ذلك لم يهدأ المتوكل واستمرّ في مضايقة الإمام بكلّ الطرق الممكنة)([28]).

    وكان تخطيط المتوكل يقضي بتصفية الإمام، إلا أنّ الله تعالى أهلكه قبل أن يتمكّن من ذلك. (ولم يزل الإمام (ع) في كرب وبلاء من ظالم إلى ظالم حتى وليَ المعتمد فدسّ إليه السم فمات مسموماً صلوات الله عليه، فوليَ غسله وتكفينه وتجهيزه ودفنه ولده أبو محمد الحسن بن علي (ع) ودفن في داره بسر من رأى وصارت سر من رأى يوم موته صيحة واحدة)([29])

مــحــمــد

أما أبو جعفر محمد بن الإمام علي الهادي عليهما السلام فهو موضوع كتابنا هذا، وأرجو أن أوفّق لعرض الصورة الممكنة عنه، معتذراً إلى القارئ الكريم عن ضيق الفكرة التي أعرضها عن حياته الطاهرة بأنّ ما ذكرته المصادر التاريخية عنه قليل جداً لا يستوعب فصول حياته، ولا يتكفّل ببيان سيرته بما فيها من أدوار وأطوار، كما أشرت إلى هذا المعنى أنفا تحت عنوان: (موقف التاريخ منه).

 

الحسن العسكري عليه السلام

    كان مولده عليه السلام بالمدينة، في اليوم الثامن من شهر ربيع الثاني سنة 232هـ. وأمه أم ولد تسمى: حديثة ويكنى بأبي محمد، والولد الذي يكنى به هو إبنه الوحيد وهو الإمام المهدي المنتظر عجل الله فرجه الشريف. ولقِّبَ (ع) بالعسكري نسبة إلى العسكر، وهو الاسم الذي يطلق على سامراء، أو على ضاحية منها وهي التي يستقر فيها عسكر المتوكل، وذلك بسبب سكناه في سامراء وكان مجيؤه إليها من المدينة مع أبيه الهادي (ع) يوم استقدمه المتوكل إلى سامراء.

    قام بأمر الإمامة بعد أبيه، ولم يشكّ أحد من الشيعة في إمامته لحصول النصّ عليه من أبيه بالإمامة، وتوفر صفاتها فيه. وحينما قام بالأمر ملأت شخصيته الساحة في مختلف المجالات العلمية والاجتماعية والأخلاقية والسياسية، فلم يترك (ع) مجالاً لأحد أن يتجاهل شخصيته كائناً ما كان. وكان عمره حينما قام بالإمامة 22 سنة، وفترة إمامته ست سنوات.

(عانى الإمام العسكري(ع) مع أبيه الهادي ، وقضى القسط الأهم من حياته في العاصمة العباسية وواكب جميع الظروف والملابسات والمواقف التي واجهت أباه.......

وجاءت مواقفه امتداداً لمواقف أبيه(ع) بوصفه المرجع الفكري والروحي لأصحابه وقواعده وراعياً لمصالحهم العقائدية والاجتماعية، بالإضافة إلى تخطيطه وتمهيده لغيبة ولده الحجة بن الحسن المهدي (ع)([30]).

    وكان موقف الحكام العباسيين من الإمام العسكري (ع) شديداً ودقيقاً جداً.

 (صحيح أن الحكام كانوا بصورة عامة، غير مرتاحين للأئمة وخائفين على أنفسهم من علم الأئمة ومعرفتهم، ومحبوبيتهم ورصيدهم الجماهيري، وقولهم الحق، ولكن كانوا أشدّ حساسية بالنسبة إلى الإمام الحادي عشر خاصة. وسبب ذلك هو الروايات الكثيرة المروية عن النبي (ص) بأنّ الحفيد التاسع للإمام الحسين (ع)، وهم ابن الإمام العسكري، سوف ينهض لمقارعة الظالمين (فيملأ الأرض خيراً وعدلاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً). وبما أنّ الحكام كانو عارفين بظلمهم وانحرافهم، لذلك كانو يخشون من وجود ابن للإمام العسكري الذي سوف يكبر وتتحقّق صحة الروايات فيطيح بحكمهم الجائر، لذلك كانو يراقبون الإمام العسكري وكلّ من يدخل إلى منزله مراقبة شديدة) ([31]).

   وقد عاصر الإمام العسكري ثلاثة من الحكام العباسيين وهم: المعتز في بقية ملكه أشهراً، والمهتدي ومدة حكمه سنة إلا يومان، والمعتمد بن المتوكل وفترة حكمه إحدى وعشرون سنة إلا شهراً.

    وتعرض الإمام (ع) للسجن من قبل الطغاة أكثر من مرة وفي الفترات التي كان يطلق فيها من السجن كان يعيش تحت الإقامة الجبرية في سامراء، ولكن الإمام وهو في سجنه، كان بما يملكه من أخلاق وآداب، وقدرة على التأثير، وما يتصف به من الورع والتقوى، وما يمارسه من العبادة يصهر النفوس المعادية، ويملأ القلوب المنحرفة بحبه، ويضطر الخصوم إلى تعظيمه، (عن محمد بن إسماعيل العلوي قال:"حبس أبو محمد عليه السلام عند على بن اوتامش وكان شديد العداوة لآل محمد عليهم السلام غليظاً على آل أبي طالب، وقيل له: افعل به وافعل، قال: فما أقام إلا يوماً حتى وضع خديه له ([32]) وكان لا يرفع بصره إليه إجلالاً له وإعظاماً، وخرج من عنده وهو أحسن الناس بصيرة وأحسنهم فيه قولاً) ([33]).

    وسجن الإمام عند رجل يدعى صالح بن وصيف، وقد وضع هذا الرجل الإمام تحت حراسة رجلين شديدين تمادياً في إزعاج الإمام وإيذائه، ولكن هذين الرجلين أصبحا بعد فترة من الزمن من الأخيار الصالحين. (عن محمد بن إسماعيل ابن إبراهيم بن موسى بن جعفر قال: دخل العباسيون على صالح بن وصيف عندما حبس أبو محمد عليه السلام فقالوا له: ضيّق عليه ولا توسّع ، فقال لهم : ما أصنع به وقد وكّلت به رجلين من شرّ من قدرت عليه، فقد صارا من العبادة والصلاة والصيام إلى أمر عظيم. ثم أمر بإحضار الموكلين فقال لهما: ويحكما ما شأنكما في أمر هذا الرجل؟ فقالا: ما نقول في رجل يصوم النهار ويقوم الليل كله، لا يتكلّم ولا يتشاغل بغير العبادة، فإذا نظر إلينا ارتعدت فرائصنا وداخلنا مالا نمكله من أنفسنا، فلما سمع ذلك العباسيون انصرفوا خائبين)([34]).

وكانت وفاته في سامراء 8 ربيع الأول، وقيل أول يوم منه، سنة 260هـ مرض في أوله، وبقيَ مريضاً ثمانية أيام وتوفي وعمره 29أو28 سنة([35])، فكان أقصر الأئمة عمراً بعد جدّه الإمام الجواد (ع) الذي كان عمره يوم شهادته 25 سنة. (وروي أنه مات مسموماً سمه المعتمد )([36]).

 

الحسين النقي

الحسين الملقب بالنقي ابن الإمام الهادي (ع) كان من الزهاد والعباد، وكان يقر لأخيه الحسن العسكري (ع) بالإمامة، وكان يُعبّّر عنه وعن أخيه الحسن العسكري بالسبطين، تشبيهاً لهما بسبطي نبي الرحمة صلى الله عليه وآله جديهما الحسن والحسين عليهما السلام.  وقد ورد في حديث أبي الطيب: أنّ صوت الحجة ــ عجل الله فرجه الشريف ــ كان يشبه صوت الحسين هذا. وقبره ــ على المشهور ــ عند قبر العسكريين عليهم السلام ضمن قبور جماعة من السادة العظام ([37]).

جعفر الكذاب

      جعفر المعروف بالكذاب ابن الإمام الهادي (ع) ، وقد عرف بالكذّاب لأنه ادعى الإمامة كذباً، خاصة بعد وفاة أخيه الحسن العسكري (ع) وغيبة الإمام المهدي المنتظر(ع) واختفائه عن الناس خوفاً من السلطات العباسية التي كانت  تبحث عنه بشدة لتنهي حياته، وتنهي بإنهائه خط الإمامة، فاستغلّ جعفر غيبة الإمام عليه السلام، ودعا الناس إلى نفسه، ممارساً في سبيل ترويج دعواه وإعطاء نفسه تلك المنزلة كل الأساليب، جاهلاً أو متجاهلاً بأنّ الإمامة منصب إلهي، لا يناله إلا من يختاره الله سبحانه، و(اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ)([38]) وأنّ الإمامة لا تكون في أخوين بعد الحسن والحسين عليهما السلام.

ومن الأساليب الخبيثة التي مارسها:-

1_أنّه ذهب إلى عبيد الله بن خاقان وزير الخليفة العباسي كما يروي ذلك أحمد بن عبيد الله بن خاقان ــ فقال له: اجعل لي مرتبة أخي وأوصل إليك في كلّ سنة عشرين ألف دينار، فزبره أبي وأسمعه ما كره وقال له: يا أحمق، السلطان أطال الله بقاءه جرّد سيفه في الذين زعموا أنّ أباك وأخاك أئمة ليردّهم عن ذلك فلم يتهيأ له ذلك فإن كنت عند شيعة أبيك وأخيك إماماً فلا حاجة إلى سلطان يرتِّبك مراتبهم ولا غير سلطان، وإن لم تكن عندهم بهذه المنزلة لم تنلها بنا فاستقله أبي عند ذلك واستضعفه وأمر أن يحجب عنه، فلم يأذن له في الدخول عليه حتى مات أبي ([39])

2- إنّه حمل الخليفة العباسي على تفتيش بيت أخيه الحسن العسكري، وحبس جواريه، واعتقال حلائله بحثاً عن الإمام المهدي (ع) لتصفيته إن تمّ الظفر به، ليظفر بميراث أخيه العسكري (ع)، وتخلو له الساحة من وجود الإمام فيحصل عل الإمامة كما يتصور ([40])، حتى أنّ الطاغية العباسي أمر جارية من جواري أبي محمد (ع) توهم الطغاة بها الحبل فحُبست سنتين تحت مراقبة عدد من النساء حتى تبين بطلان الحبل ([41]).

3-              أنّه قام بالتشنيع على أصحاب أبي محمد (ع) عند الخليفة العباسي، حيث أبلغه بأنهم يقطعون بوجود ولد للحسن العسكري (ع)، وإنهم يعتقدون إمامته، فسبّب لهم بذلك الخوف والتشديد عليهم من قبل السلطان ([42]).

4-              أنّه تعرض لوكلاء الإمام العسكري(ع) القميين على قبض الحقوق الشرعية، حيث كانت لديهم مبالغ من هذه الأموال، طالباً منهم أن يحملوا إليه الأموال التي بأيديهم لأنه الإمام بعد أخيه كما يزعم فامتنعوا من ذلك ([43]).

هذا بالإضافة إلى أخذه تركة أخيه الإمام العسكري (ع) بدون حق، وإلى ما كان عليه من انحراف السلوك، وعدم التورع عن المحرمات، وإعلان الفسق.

وكانت وفاته في سنة 271 هـ عن 45 سنة، وقبره في دار أبيه بسامراء. (وقد اختلفت في حقّه الأقوال وأنه تاب أو بقي على إصراره على الأفعال المنكرة والدعاوى الكاذبة، والحق أنه تاب، وقد روى ثقة الإسلام الكليني في (الكافي) عن محمد بن عثمان العمري توقيعاً بخطّ صاحب الأمر عليه السلام صريحاً في توبته وأنّ سبيل أخوة يوسف بن يعقوب عليه السلام)([44])

ترشيح أبي جعفر للإمامة

نظراً لما كان بتوفر عليه السلام أبو جعفر عليه السلام من علم غزير، وخلق رفيع، وما كان له من جلالة قدر، وما كان عليه من الروع والتقوى، وكثرة العبادة، وكونه أكبر ولد أبيه ــ حيث كان المعروف والمطرد بين الشيعة يومئذ أنّ الأمر يكون في الأكبر من ولد الإمام ما لم تكن به عاهة أو يمت قبل أبيه فيكون الأمر لمن يليه في السن وهو اكبر الأولاد ــ بالإضافة إلى ما سمع من أبيه الهادي (ع) في حقه كلمات تشيد بفضله ظن بعض الشيعة أنه أراد بها الدلالة عليه والإشارة إليه بالإمامة، لأجل ذلك كلّه ارتقى أبو جعفر (ع) في نفوس الشيعة إلى درجة الأهلية للإمامة بعد أبيه الهادي (ع) فكان في أوساطهم مرشحاً لهذه المرتبة العظمى التي تأتي بعد مرتبة النبوة مباشرة، إلا أنّ الله سبحانه وتعالى بداله في أمر الإمام، فأمات أبا جعفر (ع) في حياة أبيه (ع). ومعنى البداء: انكشاف ما كان مخيفاً للناس لا لله عزّ وجل وسيأتي الحديث عن البداء عن وفاة أبي جعفر (ع) وما تركته وفاته في حياة أبيه عند الشيعة من تأثير وتحير، وتألّم وتضجّر وتفكير وتساؤل.

وفاته(ع): موضعها وتاريخها

    لا شكّ أن أبا جعفر (ع) موجود في عهد أبيه الهادي (ع)ومقيم معه في سامراء، كما تدل الأحاديث على ذلك، ومنها (حديث على بن عمرو النوفلي المروي في الكافي والإرشاد وغيبة الشيخ وأعلام الورى، قال: كنت مع أبي الحسن عليه السلام في صحن داره فمرّ بنا ابنه محمد فقلت له: جعلت فداك أصحابنا بعدك؟ فقال: لا، صاحبكم بعدي الحسن)([45])

 (ولا شك أنّه سلام الله عليه توفيَ بسامراء بالمعنى الأعم في أسماء الحواضر، لا سيما الكبير منها، فتطلق عليها و على ضواحيها القريبة. كانت  سامراء يومئذ من أكبر الأوساط الإسلامية، وعاصمة ملكها. ذكر ياقوت في معجم البلدان ج 5 ص 17 أنّه لم يكن في الأرض كلها أحسن منها ولا أجمل، ولا أعظم، ولا آنس، ولا أوسع ملكا منها...الخ )([46]).

إذن: فوفاته (ع) في (بلد) التي هي إحدى ضواحي سامراء.

وسبب كون الوفاة في هذا المكان، هو ــ كما يروى ــ (أنّه كانت لأبي الحسن (ع) صدقات ووقوف من ضياع وأراضي بمقربة من بلد، وكان الذي يتولّى أمر هاتيك الضياع ابنه أبو جعفر (ع) ويأخذ عوائدها ويصرفها في ما قررت له. ففي إحدى وفداته للنظر في شئونها فاجأه المرض واشتدّت به الحال حتى أجاب داعيَ ربه، فدفن حيث مرقده اليوم، وبنيت على قبره قبة عظيمة، وما زالت الكرامات والمعاجز تظهر عند مرقده المطهّر، وراح المجاورون  لمشهده يطلقون عليه:(السيد محمد سبع الدجيل). ودجيل: النهر المعروف، مخرجه من دون سامراء، فيسقي: أواناً، وعكبراً، والخطيرة، وصريفين، وبلد، ومن الأراضي التي يسقيها دجيل: (مسكن) التي كانت عندها حرب مصعب بن الزبير ومقتله)([47]).

    وعن (العلامة معز الدين أبي جعفر المهدي بن الحسن بن أحمد الحسيني القزويني (قده) في الفصل السادس من البحث الثاني من مزار كتابه (فلك النجاة) المعقود لذكر المشاهير المعروفين من أولاد الأئمة عليهم السلام ويزيارتهم، قال: (والسيد محمد بن الهادي عليه السلام المعروف بالبعاج في أرض الدجيل من أعمال سرّ منْ رآى في الجانب الغربي من دجلة) ([48])

أما تأريخ وفاة أبي جعفر (ع) فكانت في حدود سنة اثنتين وخمسين بعد المأتين للهجرة ([49]) في حياة أبيه الإمام الهادي عليه السلام.

 

حضور أبيه عند ساعة الوفاة

حينما علم الامام الهادي (ع) بمرض ابنه أبي جعفر (ع) بادر الى الحضور عنده، فقصده ووصل عنده بعد الوفاة بهنيئة، أو أدركه وهو في حالة النزاع ــ كما قيل، ([50]) ــ، فوضع له كرسي وجلس عليه ، وقد اجتمع عدد كثير من الهاشميين وغيرهم. (عن أحمد بن محمد بن عبد الله بن مروان الأنباري قال: كنت حاضراً عند أبي جعفر محمد بن علي عليه السلام فجاء أبو الحسن عليه السلام فوضع له كرسي، فجلس عليه وحوله أهل بيته، وأبو محمد قائم  في ناحية فلما فرغ من أمر أبي جعفر  التفت إلى أبي محمد عليه السلام  فقال :يا بني أحدث لله شكراً فقد أحدث فيك أمراً)([51])

    وعن سعد بن عبد الله عن جماعة من بني هاشم منهم الحسن بن الحسين الأفطس: أنهم حضروا يوم توفيَ محمد بن علي بن محمد دار أبي الحسن عليه السلام، وقد بسط له في صحن داره، والناس جلوس حوله، فقالوا: قدّرنا أن يكون حوله من آل أبي طالب وبني العباس وقريش مائة وخمسون رجلاً سوى مواليه وساير الناس، إذ نظر إلى الحسن بن علي عليهما السلام وقد جاء مشقوق الجيب حتى قام عن يمينه ونحن لا نعرفه ، فنظر إليه أبو الحسن عليه السلام بعد ساعة من قيامه، ثم قال له : يا بني أحدث شكراً فقد أحدث فيك أمراً. فيكى الحسن عليه السلام واسترجع فقال: الحمد لله ربّ العالمين وإياه أسأل تمام نعمه علينا وإنا لله وإنا إليه راجعون. فسألنا عنه فقيل لنا: هذا الحسن ابن علي ابنه وقدّرنا له في ذلك الوقت عشرين سنة ونحوها، فيومئذ عرفناه وعلمناه أنه قد أشار إليه بالامامة وأقامة مقامه)([52])

تعزية الشيعة للإمام بوفاة أبي جعفر والاستضياح عن الإمامة

    جلس الإمام الهادي (ع) للعزاء بعد الفراغ من تجهيز أبي جعفر (ع) وإيصاله إلى مثواه الأخير حيث مرقده اليوم ، وصار الناس يأتون إليه للتعزية والمؤاساة، وللاستضياح عن أمر الإمام من بعده.  وقد تولى الإمام توضيح الموقف للسائلين، والدلالة الصريحة على الإمام العسكري (ع) والنص عليه بالإمامة من بعده.

     (عن محمد بن يحيى قال: دخلت على أبي الحسن عليه السلام بعض مضي أبي جعفر ابنه فعزيته عنه وأبو محمد جالس، فبكى أبو محمد فأقبل عليه أبو الحسن عليه السلام فقال: إنّ الله قد جعل فيك خلفاً منه فاحمد الله)([53])

((وفي أصول الكافي عن علي بن محمد عن إسحاق بن محمد عن أبي هاشم الجعفري قال: كنت عند أبي الحسن عليه السلام بعد ما مضى ابنه أبو جعفر، وإني لأفكر في نفسي أريد أن أقول: كأنهما، أعني أبا جعفر وأبا محمد، في هذا الوقت كأبي الحسن موسى و إسماعيل ابن جعفر بن محمد عليه السلام وإنّ قصتهما كقصتهما، إذا كان أبو محمد المرجى بعد أبي جعفر، فقبل على أبو الحسن عليه السلام قبل أن أنطق قال: يا أبا هاشم بدا  لله في موسى بعد مضي إسماعيل ما كشف به عن حاله كما حدثتك نفسك وإن كره المبطلون، وأبو محمد ابني الخلف من بعدي، عنده علم ما يحتاج إليه الناس وعنده آلة  الإمامة) ([54]).

     (وفي كتاب الغيبة لشيخ الطائفة عن سعد بن عبد الله الأشعري قال: حدثني أبو هاشم داوود بن القاسم الجعفري قال: كنت مع أبي الحسن عليه السلام وقت وفاة ابنه أبي جعفر، وقد كان أشار إليه ودلّ عليه، وإني لأفكر في نفسي وأقول: إنّ هذه قضية أبي إبراهيم وقضية إسماعيل، فأقبل علىَّ أبو الحسن عليه السلام فقال: نعم يا أبا هاشم بدا لله تعالى في أبي جعفر وصيّر مكانه أبا محمد كما بدا لله في إسماعيل بعد ما دلّ عليه أبو عبد الله عليه السلام ونصّبه، وهو كما حدثتك به نفسك وإن كره المبطلون، أبو محمد ابني الخلف من بعدي ومعه آله الإمامة والحمد لله )([55]).

  وبعد هذه التصريحات والنصوص وأمثالها مما لم نتعرّض لذكره لم يترك أبو الحسن عذراً لمن يدعي عدم معرفة الإمام، ولا مجالاً لمن يشكك في إمامته، ولذلك فإنّ المحمدبة وهم الطائفة التي قالت بإمامة محمد بن الإمام الهادي(ع) خروجاً على الحق، وتنكراً للأمور البديهية لا عذر لها، فإنّ موت أبي جعفر (ع) أمر في غاية الظهور، وإنّ الدلائل على إمامة الحسن العسكري (ع) واضحة قاطعة.

(قال الشيخ في الغيبة : أما المحمدية الذين قالوا بإمامة محمد بن علي بن العسكري، وإنه حي لم يمت، فقولهم باطل، لما دللّنا به على إمامة أخيه الحسن بن علي أبي القائم عليهم السلام، وأيضاً فقد مات محمد في حياة أبيه عليه السلام، موتاً ظاهراً كما مات أبوه وجده، فالمخالف في ذلك مخالف في الضرورات)([56]).

 

الـــبــــــداء

والآن جاء دور الحديث عن البداء ، فنقول :

 تحتل نظرية البداء مكانة خاصة في الفكر الإسلامي بصورة عامة، وهي تعتبر من المفاهيم الفلسفية المعقّدة كما يتفق عليه قسم من الباحثين، لأنّها تعالج مشكلة العلاقة بين النشاط الإنساني المختلف الموجّه بإرادة الإنسان واختياره وبين العلم الإلهي، ولأنها تبحث عن إيجاد صيغة يتوافق بواسطتها ذلك النشاط الإنساني المتعدد المتغير الحادث مع علم واجب الوجود سبحانه وتعالى بمختلف مفردات الكون بما فيها الإنسان وما يتصل به من أفعال هذا العلم الإلهي الذي يمتاز بالأزلية والثبات([57]).

     وقد اختصت الإمامية باعتقاد البداء من بين سائر الفرق الإسلامية. وقد قامت حول نظرية البداء مناقشات كلامية حادة وُجهت من خلالها التهم والنقائض للقائلين بالبداء دون الرجوع الى وجهة نظرهم ، والنظر الى المعنى الذي يقيدون البداء به .

 

فلنأخذ معنى البداء من الناحية اللغوية أولاً ، ثم نستعرض وبشكل محدّد المعنى الذي يعتقده القائلون بالبداء ثانياً .

البداء في اللغة :-

بداء : كسلام([58]) ، أي على وزن سلام وعلى وزن سماء ، بالفتح والمد ، وهو مصدر للفعل الماضي الثلاثي المجرّد (بدا)، ومضارعه: يبدو، ولهذا الفعل (بدا) مصادر أخرى وهي: بداءً ، بداوةً ، بدواً، فتقول: بدا يبدو بداءً وبداوةً وبدواً. قال في القاموس: (بدا بدواً وبداءً وبداءةً وبدواً: ظهر، وأبديته: أظهرته، وبداوة الشيء:أول ما يبدو منه، وبادي الرأي: ظاهره، وبداله في الأمر بدواً وبداءةً: نشأ له فيه رأي، وهو ذو بدوات)([59]). ومعنى البداء: الظهور. يقال بدا له في الأمر، إذا ظهر له استصواب شيء غير الأول. قال الشيخ الطوسي قدس سره في (العدة): (وأما البداء فحقيقته في اللغة: الظهور، ولذلك يقال: بدا لنا سور المدينة، وبدا لنا وجه الرأي، وقال تعالى : (وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا)([60])، (وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا)([61])، ويراد يذلك كلّه ظهر)([62]) . ويستعمل التعبير بـ(بدا لفلان كذا بمعنى ظهر ): في العلم بالشيء بعد أ، لم يكن حاصلاً، ومنه قول الشاعر عمرو بن عبد العزيز أبو ربيعة:

بدا لي منها معصم حين جمّرت      وكفّ خضيب زينت ببنان

أي ظهر لي من المرأة حالة رميها الجمرة في منى معصم وكف خضيب إلخ. وكذلك يستعمل في الظن([63])، أي: يُقال بدا لزيد كذا: في ظنّ زيد للشيء بعد أن لم يكن مظنوناً عنده.

     ويستعمل البداء كثيراً في اللغة في معاني تستلزم الظهور والبروز. ويمكن أن يكون مستعملاً في معناه الحقيقي (الظهور ) ويراد منه ما هو ملزوم لهذا المعنى على نحو الكناية. فمن هذا الباب يستعمل البداء في الخروج فيقال: بدا القوم، أي خرجوا، لأنّ الخروج ملزوم للظهور.

     وكذلك يُستعمل في الوجود والحدوث. ويستعمل في المجاهرة فيقال: بادى فلان بالعداوة، أي: جاهر بها، لأنّ المجاهرة ملزومة للظهور . ويستعمل في فعلية وعيد ومباغته عتاب، لأنّ الفعلية والمباغتة ملزومان للظهور، فقال تعالى : (وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ) الزمر:48([64]). (ومن ذلك يعلم بأن الجامع الاشتراكي المستعمل فيه هذا اللفظ في جميع موارده واستعماله هو الظهور، لا ظهور الرأي فقط، لصحة استعماله في ظهور شيء آخر غير الرأي. ثم إنّ مورد استعمال البداء وإرادة الظهور الرأي لا يتكفل اللفظ بمدلوله اللغوي لإثبات سبب هذا الظهور من كونه الجهل بما هو الصحيح من الرأي، أو كونه الندامة من الرأي السابق، أو أمر آخر، إذ سبب الظهور ولا يفهم من لفظ وضع لنفس الظهور، بل لا بد من وجود قرينه تدل عليه)([65]).

المعنى المقصود من البداء عندنا :-

البداء بمعناه الحقيقي وهو الظهور مستحيل على الله تعالى، وليس له طريق الى ذاته المقدسة، لأنّه يستلزم الجهل والنقص، ذلك محال عليه سبحانه، والشيعة الأمامية تتبرأ من فكرة البداء بهذا المعنى، كما يتبرأ أئمتهم الطاهرون عليهم السلام.

قال الإمام أبو عبد الله الصادق عليه السلام: (من زعم الله تعالى بدا له في شيء بداء ندامة فهو عندنا كافر بالله العظيم)([66]).

 

 وقال (ع) :(من زعم أنّ الله بدا له في شيء ولم يعلمه أمس فأبرأ منه)([67]) .

  وجاء عنهم عليهم السلام:(إنّ الله لم يبدُ له عن جهل)([68]). ، (ما بدا لله في شيء إلا كان في علمه قبل أن يبدو له )([69]) .

إنّ من المستحيل في حقّه سبحانه وتعالى البداء بمعنى ظهور الشيء له بعد أن كان خفياً، وحصوله بعد أن لم يكن حاصلاً،(لاستلزام ذلك حدوث علمه سبحانه بشيء بعد جهله به، وهو محال في حقّه تعالى لتعلّق علمه بالأشياء كلّها منذ الأزل، ولكون الموجودات برمّتها لها تعيُّن علمي في علمه الأزلي)([70]) .

 

   نعم البداء بمعنى ظهور الشيء بعد أن كان خفياً ، وحصوله بعد أن لم يكن حاصلاً متحقّق في الإنسان لجهله ونقصه، (حيث يبدو له رأي في الشيء لم يكن له ذلك الرأي سابقاً، بأن يتبدّل عزمه في العمل الذي كان يريد أن يصنعه، إذ يحدث عنده ما يغير رأيه وعلمه به، فيبدو له تركة بعد أن كان يريد فعله، وذلك عن جهل بالمصالح وندامة على ما سبق منه)([71]).أما بالنسبة إلى الله تعالى فالبداء ليس ظهور الشيء وبيانه له تعالى بعد خفائه، أو علمه بالشيء بعد جهله به تعالى عن ذلك علواً كبيراً، وإنما المقصود منه ظهور ما كان مخفياً من الأفعال الإلهية للناس، لا تغيُّر العزم وتجدُّدَ العلم، إذن: فمعنى البداء هو: أنّ مسألة الحدوث والتغيُّر في عالم الكون تتخذ صفة الظهور بعد الخفاء.

    قال الشيخ المفيد قدس سرّه :(.... فالمعنى في قول الإمامية بدا لله في كذا، أي: ظهر له فيه، ومعنى ظهر فيه، أي: ظهر منه)([72])

(ويؤكد المفيد أنّ اللفظة إنما أطلقت على الله من باب الإستعارة، كما يطلق عليه الغضب والرضا مجازاً. ثم يقول:(والذي اعتمدناه في معنى البداء أنّه الظهور، فهو خاص في ما يظهر من الفعل الذي كان وقوعه بعيداً في النظر ([73]).