حياتي الزوجية

وقبل أن اترك العمل في السوق، وفي آخر المدة الذي كان عندي المحل الذي أنشأته في أسفل درج سوق الخضرة كما ذكرت آنفا هذا كان زواجي من ابنة العم: زهراء ملا يوسف ملا عطية الجمري، وكانت قد سماها لي زوجة والدها طيب الله ثراه، وكنت حينما سماها لي في الرابعة عشرة من العمر وهي في العاشرة من العمر، وكنت حين الزواج قد أكملت العشرين على الأرجح، وهي قد أكملت السادسة عشرة، وكنت حين إرادة الزواج غير مقتدر على الزواج، وأخي الأكبر المسئول عن الإنفاق على العائلة فقير لا قدرة له على القيام بهذه المهمة. وكان الذي دفعنا إلى الزواج في هذا الظرف أن الفتاة المسماة لي قد تقدم إلى خطبتها أكثر من خاطب، مع كونها قد أكملت السادسة عشرة من عمرها، ومن الخاطبين بعض أبناء العم، وبعض أبناء خالها،  وهنا بعث المرحوم جدها الخطيب الملا عطية بعض أبناء العم وهو: عبد الله بن الحاج محمد بن إبراهيم رحمه الله تعالى إلىأخي الأكبر ((علي)) طالباً منه القيام بتزويجي على أساس ان الفتاة قد صارت في مرحلة الزواج وإنها صارت تُخطَب، فجمعنا الصراف والمصرف بالدين من عدة أفراد، والبعض دفع إلينا مساعدة وتزوجت بها، وكان زواجنا مع زواج ابن الأخت محمد بن الحاج حسين بن علي بن عبد الرسول في ليلة واحدة، وزوجته هي: فاطمة ملا عطية الجمري، وتأريخ الزواج هو: 20/شهر رجب/1376هـ الموافق19/2/1957م، وكان العقد ليلة الزواج، والعاقد لكلٍ منا هو سماحة الشيخ عبد المحسن الحاج حسين الشهابي تغمده الله يرحمته. وصداق كلٍّ من زوجتي، وفاطمة ملا عطية الجمري هو ألف وخمسمائة روبية فقط أي: مائة وخمسون دينارا بحرانياً، وكله معجل، وفيما يلي صورة ورقة العقد صادرة من العاقد المذكور، ومصدقة من المحكمة الكبرى الشرعية الدائرة الجعفرية. 

فكرة عامة عن شريكة حياتي

 

لقد وجدتُ في هذه الزوجة الكريمة بغيتي وأُمنيتي خَلقاً وخُلُقاً وصدقاً ووفاءاً والتزاماً، ولقد وقفت معي موقف المؤازرة في كل ادوار حياتي، وقد شاء الله سبحانه لي معها حياة زوجية سعيدة جدّا، ولم اكن معها لأرى يوم بؤس أبدا في كل الأحوال والأطوار التي عشناها، وأنا اكتب هذا في اليوم الرابع من ذي القعدة سنة 1420هـ-10/فبراير/2001م.

وأرى من باب الوفاء لها أن اذكر بعض مواقفها كنموذج لمؤازرتها ووفائها وكفاءتها فأقول:

1)       بعد الزواج بفترة قصيرة، وحيث انها تجيد الخياطة، وإحساسا منها بحالتي المادية وتدنيها طلبت مني أن اشتري لها ماكنة خياطة، فاشتريتها بمأتي روبية حيث كان النقد آنذاك هو الروبية، ثم طلبت أن أأتي لها بطاقة قماش وصارت تفصل وتخيط اقمصة، وألبسة قصاراً ((هافات))، وتدفع الي الكمية التي تجهزها اذهب بها إلى السوق وادفعها إلى بعض الباعة يبيعها وله فائدة. فاستفدت من فكرتها وجهدها كثيرا جزاها الله خيراً.

2)       عندما أردتُ الهجرة إلى النجف الأشراف للدراسة عارضني أهلها، وبالذات جدها ابن العم الخطيب ملا عطية الجمري ووالدها الخطيب ملا يوسف الجمري طيب الله ثراهما خوفاً عليها بلحاظ أني فقير، وحدث بيني وبينهما تشنُّج وخلاف، واصررت على موقفي واصّرا على موقفهما، فحسمت هي الموقف بحزمها وايجابيتها واخلاصها حيث قال: لا تهتم أين ما تذهب أذهب معك، ما فلن تكت ضيّق الصدر. وهكذا كان هاجرتُ وهاجَرَت معي بطيب نفس.

3)      مرت بي حالة ضيق في بعض السنين في النجف الأشرف، وضاق صدري، حتى اني عرّضت نفسي للاستدانة من بعض المؤمنين فاعتذر، فلما رأت ما بي من ضيق الصدر قالت: خذ ذهبي وارهنه، واذا تمكنت من فكّه فكّه، ولا تهتم، قالت ذلك بصدق وايجابية، وعزمتُ علي أن أذهب الى السوق الكبير وارهن ذهبها عند بعض الصاغة، ولكن تصورتها كيف ستبقى-وهي شابة-عاطلة من ذهبها وزينتها، فانكسر خاطري لها، وتراجعت عن رهن ذهبها، وهنا فتح الله عليّ ويسَّر لي لمصرف بما يشبه المعجزة، حيث دخلت إلى مكتبي وفتحت بعض الكتب انظر فيه، وإذا بي نوطاً فئة العشرة دنانير عراقية، فأخذتني الرهبة هشة والعجب اذ لم اذكر انني وضعت في هذا الكتاب أوغيره مالاً، وليس هذا من عادتي، وليس هناك غيري يتصرّف في المكتبة أو يمارس استعمال الكتب فيها. وهذا القدر من المال هو الذي طلبت من ذلك المؤمن-غفر الله له-أن يقرضني إياه فأعتذر.

هذه نماذج من مؤازرتها ومواقفها. أما أخلاقها معي وصبرها وحبّها لي فذلك في اعلى المستويات، كما ان حبي لها يكاد يتجاوز الحدود الطبيعية، فحياتنا الزوجية سعيدة جدا، لله الحمد والمنة على حسن توفيقه، وبالنسبة لما يحدث من خلاف في الرأي حول بعض المسائل والأمور المعيشية والبيتية وبعض القضايا ما اسرع ان يزول لوجود التفاهم والحوار وعدم التعصب وبناء الامور على القناعة، واشهد الله اني استفيد من النقاش معها، ولقد كانت في النجف الأشراف يوم كنا هناك نقوم بكل لوازم البيت من حيث شراء الحاجات وترتيب المنزل وتربية الأولاد وسائر الشئون، وأنا كنت مشغولا بدراستي فقط. وكنت أسافر إلى البحرين كل عام مرة أو مرتين لقراءة شهر رمضان وعشرة عاشوراء واتركها غالبا في النجف مع الاولاد فتقوم بالرعاية وتدبير الأمور خير قيام. فكانت خير مؤازر ومعين.

ولقد كشفت التجارب التي عشتها صبرها وصدقها وثباتها، فكانت بحق أعظم نعم الله عليّ بعد نعمة الإسلام. اذكر في 6سبتمبر 1988 وقد جاء العقيد عادل فليفل مع عدد من ضباط الأمن لاعتقالي أنها وقفت بباب المنزل حائلة بين القوم وبيني لا تدع أحدا يدخل إلى المنزل وكأنها لبؤة أسد، وصارت تتكلم على أولئك بصوت، ومنطق شجاع ما كنت أتوقعه منها، ولو لم أتدخل في إقناعها-خشية أن يمسوها بسوء أو يغلطوا عليها-لما غيرت مكانها ولهجتها، ولما تمكنوا من اخذي. ولقد كانت ممسكة بالجواز وهم يريدون اخذه -أعني جوازي- ولو لم أتدخل في اقناعها لما أمكنهم استلامه، وكنت أنا الذي أخذته من يدها وسلّمته إليهم. واذكر من كلماتها في وجوههم بصوت عال وهم يريدون دخول المنزل للتفتيش، اذكر قولها: لماذا تفتشون منزلنا؟! هل عندنا متفجرات أو قنابل، من أين تأتينا، من أي طريق، هل نزرعها زراعة فنحصل عليها!! ولقد حالت بقوة موقفها بينهم وبين الدخول إلى التفتيش. وعندما أرادوا أخذي لإركابي في السيارة قالت: لا أدعكم ابداً أن تأخذونه حتى أُخبر الناس، انكم ستأخذون رجلاً له ثقله الكبير ولستم تأخذون حيواناً، وابتدرت الى سماعة جامع الإمام زين العابدين عليه السلام المجاور للمنزل، وفتحتها وصرخت: أُخذ ابو جميل، جائوا لاعتقاله يا ناس، يا مؤمنين، فصار الناس يتواردون من كل جانب رجالا ونساءً وشباباً وشيوخاً، وكانت هي السبب في حصول المسيرة، او المظاهرة الصاخبة بسبب اعتقالي، واضطرارهم لإعادتي بعد ساعة وربع تقريباً. ولقد قلتُ في حقها من جملة قصيدة لي من قصائدي التي نظمتها في سجني الثاني، عدى قصيدتين خالصتين فيها إحداهما بالفصحى والأخرى باللغة الشعبية، قلت مخاطباً نفسي:

حبتك السماء بإنسانةٍ               حمدتَ ولازلتَ منها الشّيَم

مؤازرةٍ عبرَ كلّ الظروف               معاونةٍ، من عظيم القِسَم

ألستَ تخاطبها قائلاً                            -مقالة شخص بها قد جزم-:

خديجةُ لي انتِ أُمَّ الجميل          يجازيك خيراً اله النّعم

أنرت حياتي ملأت الضمير            كذا العينَ، سُلِّمت من كلّ ذم

ولقد كان موقفها وأنا في سجني سواءً الأول والثاني موقفاً رائعاً وفريدا، من حيث الصبر، والثبات، ورعاية العيال، والمطالبة بي، وتفقد أحوالي، والنشر والإعلام، فكانت بحق في الانتفاضة المباركة الشرعية عنصراً فعالاً.