نظمي للشعر الفصيح العمودي

 

نظمي للشعر الفصيح بدأ وأنا في سنٌ مبكرة، وكل شعري عمودي فراهيدي ما عدى قصيدة واحدة نظمتها في سجني الثاني وهي وطنية ومن القسم الحر وقد صودرت مع القصائد الأخرى من قبل المخابرات. وقد نظمت أول قصيدةٍ لي وأنا ابن الثامنة عشر تقريباً. وقد شجعني على الاستمرار في نظم الفصيح المرحوم حاج جاسم بن محمد المحل من المنامة الذي استفدت منه الكثير في هذا الباب، وكان يوجهني أحياناً بتوجيهاتٍ منبرية وكان يهذب لي بعض القصائد في بداية نظمي، فله علي فصلٌ كثيرٌ، فجزاه الله خير الجزاء وتغمده برحمته واسكنه فسيح جناته. وأول قصيدة نظمتها كانت في الإحساء الهفوف في مدح صديقٍ لي اسمه يوسف أحمد الغزال، وقد هذبها لي المرحوم الخطيب الفاضل الشاعر الشيخ كاظم بن مطر رحمه الله حيث أني سافرت إلى الإحساء في أوائل عهدي الخطابي مستقلاً كما سيأتي هذا، ومطلع القصيدة:

مررت بمن في حسنها أنا معجب  حكى قدها غصنا به الريح تلعب

وقد ذكرت منها عدداً من الأبيات التي تصلح للنشر في ديواني: ((عصارة قلب)) الجزء الأول.

 

ممارستي لأعمال أخرى إلى جانب الخطابة فترةً من الزمن

 

كنت بعد انفصالي عن الملا عبد الله البلادي المذكور مستمراً في قرائتي الحسينية، إلا أن بعض الشباب وغيرهم غفر الله لهم أخذوا يزهدونني في الاستمرار في القراءة، ويقولون إن القراءة ستموت وتنتهي ولا ينبغي أن تربط مستقبلك بها، فتأثرت بهذه اللغة وهذا التفكير الضيق، واتجهت إلى العمل إضافةً إلى عملي في القراءة وعدم رفع يدي عنها، فعملت شهراً واحداً أجيراً عند الحاج عبد الله الخواجة من المنامة وكان عملي يتمثل في استلام الأجور يومياً من باعة السمك في سوق السمك حيث كان الرجل المذكور قد أستأجر سوق السمك من الحكومة. ثم استقلت من هذا العمل إحساساً مني باسثتقال الباعة لمن يتقاضى منهم الأجور. وبعده عملت أجيراً شهراً واحداً عند التاجر السيد هاشم النتاك من المنامة في دكان يديره شخص اسمه الحاج إبراهيم بن حسن من المنامة لعلّه شريك للسيد المذكور في الدكان أو يعمل له. وبعد شهر أو أكثر بقليل وجهني السيد المذكور إلى التاجر المرحوم الملا عبد الحسين حميدان رحمه الله - ، حيث رأى أنه لا يمكن الاعتماد علي في الدكان لعدم ضبطي لأسعار البضائع الكثيرة إذ كان حسب ما فهمت في تصورهم أن يسندوا إدارة الدكان إلي، ولعله مؤقتاً على أساس أن الحاج إبراهيم سيسافر إلى خارج البحرين فترة ما. وعملت عند الملا عبد الحسين المذكور أجيراً لمدة سنةٍ تقريباً، وكان العمل الذي أقوم به هو أني أجلس معه ومعاونته في المكتب فحينما يبيعوا بضاعةً وكان يبيع بالجملة المواد الغذائية اربعة عشر مخزناً وأُمكن الحمالين من حمل البضاعة والإحصاء عليهم وقد أكرمني الرجل المذكور وقدم لي بعض الأرشادات، ووجهني إلى أن أدرس اللغة الإنجليزية وقواعد اللغة العربية في المدرسة الأهلية للأستاذ عبد الرسول التاجر، وهو الذب يدفع أجرة التدريس وقد واصلت ذلك فترةً يسيرةً لا تتجاوز الشهرين، وكان يحسب لي شهرياً 180 روبية فقط، وكان يجعلها عنده، وأخيراً دفع شيكاً بالمبلغ كله. وكانت إقامتي طيلة المدة عندهم في المنامة لا آتي إلى بيتنا في بني جمرة إلا ليلة الجمعة فقط. وانفصلت عنه على أساس سوء تفاهمٍ حدث بيني وبين أحد ابناء أخيه وهو الأصغر فيهم على أساس قضيةٍ دينيةٍ كان كثير التساهل بها فأهانني لما كلمته وألححت عليه، ولم تحتمل ذلك نفسي فاستقلت من العمل واستلمت رواتبي التي كان الملا عبد الحسين يحفظها لي كأمانة. واستأجرت دكاناً قرب عمارة القصاب أبيع فيها معلباتٍ وبعض المواد البيتية فلم أوفق والحمد لله وتركته بعد أقل من سنة، واستأجرت مكاناً آخر عملت فيه صندقةً، وهو أسفل درج من أدراج سوق الخضرة القديمة وصرت أبيع ملابس. وبقيت عدة شهورٍ فيه، إلا أنني لم أوفق كذلك والحمد لله. كل هذا وأنا لا زلت أقرأ تعزيةً في شهري محرم وصفر ورمضان وبعض المناسبات. ثم تركت العمل نهائياً واعتمدت على قراءة التعزية وحدها واتجهت إليها برغبةٍ وجدٍ، لاسيما وأنني فشلت في غيرها، واتضح لي خطأ أولئك الأشخاص المزهَّدين فيها. وقد لاقيت توفيقاً في القراءة، هذا وقد سافرت إلى الاحساء الهفوف وأنا لازلت أعمل في الصّندقة وأبيع بعض الكماليات كما ذكرت آنفا، وقد وفقت في قرائتي هناك توفيقاً جميلاً، وبقيت شهراً كاملاً اقرأ ليلاً وصباحاً وكان نزولي على فراش الملا عبد الله البحراني وأخيه الحاج حجي البحراني، ورأيت منهما العناية والكرم والرعاية جزاهما الله وأهلهما عني خير الجزاء، وكان هذا قبل زواجي. وعدت إلى البحرين، وتزوجّت، وبعد زواجي أنهيت عملي في السوق، واعتمدت على قراءة التّعزية كلّياً كما ذكرت آنفاً. وبعد زاوجي سافرت إلى الإحساء بطلب من الاخوة هناك مرّتين وتوفقت كثيراً، وقرأت بالإضافة إلى العاصمة الهفوف في عدد من القرى، واستؤجرت في اولى السفرتين لقراءة محرم في قرية التويثير اربعة مجالس، وكنت طيلة الفترة في التويثير على فراش العالم التقي الجليل أبي حافظ سيد عبد الله الأحمد قدس الله نفسه، الذي وجدت منه الرعاية الكاملة والعطف والعناية، ورأيت فيه الشخص الكريم والمرّبي الفاضل جزاه الله عني خير جزاء المحسنين، وأهل التويثير أناس طيبّون كرماء، وذوو أخلاق عالية ولا تملّ من مجالستهم، وقد نظمت قصيدة في مدحهم ومدح عالمهم الجليل السيد عبد الله الأحمد المذكور آنفا وألقيتها أمام جمهور منهم، والقصيدة من أوائل نظمي، اذكر منها البيتين التاليين:

سرت بي مطايا الجبِّ يدفعها القَدّر                   فالفت مناها بالتويثير من هجر

أناخت بامجاد سموا بمكارم                                      وفي ظلهم ألفى سخا يعرُبٍ مفر

وفي الهفوف كان لي عدد من المعارف من الشباب المحترمين، وكانت لي صداقة مع الأخ الكريم الحاج يوسف احمد الغزال، وقد مدحته بالقصيدة التالية التي ذكرت مطلعها فينا تقدم:

وبعد رفيقي وسيأتي الحديث عنه مفصَّلاً سافرت إلى قطر عم طريق الخطابة الحسينية ولاقيت في بداية سفري مشقة. وقد نزلت على فراش المرحوم الحاج علي الماجد، وهو من تجار الشقيقة قطر، ومن قسم البحارنة، وهو ذو خلق حميد، ومجلسه مفتوح للقاصدين، وقد وُفّقت في قرائتي، وأكرمني واحترمني الحاج علي المذكور، واستؤجرتُ للقراءة في شهر رمضان، حيث كان سفري إلى قطر في جمادى الأولى، ووُفّقت في القراءة والحمد لله، وكان لي في قطر معارف وبعض الأصدقاء، وكانت لي سفرة أخرى إلى قطر بعد حلّ المجلس الوطني، حيثُ طُلبت للقراءة في العشرة الأولى من المحرم، فقرأت ثلاث مجالس، وكان التوفيق حسنناً.

سبب اشتهاري وتوفيقي خطابياً

 

وهناك أسباب هيئها الله تعالى لأن اشتهر وأُوفق منبرياً رغم أني قرأت مستقلاً في سن مبكرة وهي:

1)  كوني اعتمدت – بعد الاعتماد على الله – على نفسي، وذلك أني صرت اشعر بضياع نظراً ليتمي حيث توفي والدي وأنا ابن عشر سنين، وعدم تهيُّي ملتفتٍ الي كما ينبغي.

2)   ما طبعني الله عليه وغرزه في نفسي من الطموح رغم ضعفي وقلة حيلتي وعدم توفر الوسائل المساعدة على تحقيق طموحاتي الكبار.

3)   ما وفقت له من الاستفادات المنبرية من الخطيبين الجليلين عمّي ملا عطية بن علي الجمري وابنه ملا يوسف، بحيث كنت التقط شواهد ونكات وأحيانا مواضيع بكاملها، وأمارس التدوين لما استفدته منهما منبرياً وحتى مجالسةً، وقد اسهم ما استفدته منها وهو فوق مستواي حينما بدأت حياتي المنبرية في الفات الأنظار إليّ والرغبة لقراءتي.

)   ما وفقت له من اقتناء الكتب الحديثة والاستفادة الملحوظة من الأقلام الناضجة، بحيث كان ما اقرؤه يلفت النظر ويعجب المستمعين لاسيما المتعلمين، فقد استفدت من كتب آية الله الشيخ محمد أمين زين رحمه الله، ككتاب الاسلام، وكتاب: من اشعة القرآن، وكتب الأسناد ابو الأعلى المودودي، ككتاب: المال وتداول الثروة في الإسلام. وكتب الأسناد عباس العقاد، ككتاب: عبقرية محمد (ص). وكتب غير هؤلاء مما كان متوفراً في مبادئ قرائتي ةوولقد كنت أتطرق وأنا في تلك الفترة إلى مواضيع ما كانت يُتطرق آنذاك إليها في المنابر البحرانية، كموضوع الحرية، وموضوع الاقتصاد، وموضوع الرق وموقف الإسلام منه، وموضوع الوحدة، وهلمّ جّراً.

5) صحبتي للملا عبد الله بن محمد – أبو طاهر – البلادي قائداً أو مطالعاً له الكتب وقارئ مقدمة، وهو شخص معروف وكثير القراءة آنذاك، صحبته كما ذكرت في أوئل الكتاب مدة سنة على الأقل، فسبّب هذا أن أًعرف على مستوى الكثير من الناس.

6) قرائتي في مأتم مدن في المنامة صباحاً كل يوم عدى عاشوراء لمدة تزيد على ثلاث سنين، وسبب ذلك أن الخطيب الدائم للمأتم في صباح كل يوم – عدى عاشوراء – السيد محمد صالح السيد عدنان. سافر في بعض السنين مرتين إلى الإحساء بالمملكة العربية السعودية للقراءة الأولى ثلاثة اشهر والثانية اقل من ذلك واستنابني في القراءة، وصلت على موفقية وإقبال المستمعين. وعندما حدث بين أهل المأتم وبين السيد سوء تفاهم أقالوه واستاجروني – بعد ان حاولوا مع سماحة الشيخ احمد الشيخ خلف العصفور ليقرأ مكانه، فقرأ أسبوعاً واحداً ثم اعتذر عنهم، فقرأت عندهم مدة ثلاث سنين متواصلة عدى عشرة عاشوراء وبعد هذه قدمت استقالتي لأهل المأتم وهاجرت إلى النجف الأشرف للدراسة العلميّة.