ماذا بعد وفاة الوالد ؟

بعد وفاته طيّب الله ثراه كان يقوم بشئون البيت وتكاليف العائلة أخي الأكبر ((علي)) وكانت العائلة تتألف مني ومن والدتي وأخي محمد وأختي نعيمة، أما أُختي زهراء فكانت متزوجة من ابن عمها الحاج إبراهيم بن الحاج سلمان بن عبد الرسول الجمري. وكنت قد استفدت منبرياً استفاداتٍ كثيرة من ابن العم الخطيب الكبير ملا عطية الجمري وابنه الخطيب الجليل ملا يوسف الجمري طاب ثراهما، وكنت في مثل هذا الوقت أتصنّع عند الخطيب الملا جاسم محمد حسن الجمري، وهو من خطباء قريتنا، ومن المؤمنين الأتقياء، وله شعر باللسانين: الفصيح والدارج، وشعره متوسّط مقبول، وقد استفدت منه استفادات منبرية، واستفدت من إيمانه وسلوكه وأدعيته وصلاته وتقواه، جزى الله الجميع عني خير جزاء المحسنين. وبعد وفاة والدي رحمه الله، بفترة من الوقت جاء الملا عبد الله بن محمد البلادي المكنى بـ ((أبو طاهر)) وطلب من أهلي أن أكون معه قائداً له لأنّه بصير، ومطالعاً في الكتب، ومتصنّعاً معه، فوافقوا، وبقيت معه سنةً على الأقل كنت فيها موضع عنايته وعناية عارفيه، وكنت موفقاً في قراءتي معه، وكان يعتمد في تنّقله من بلد لآخر وإلى مجالسه على المشي، ونادراً ما كان ينتظر أو يستأجر سيارة، نعم يلتزم بالسيارة في مناسبة الوفيات حيث تتعدد عنده المجالس، وكان يدفع لي شهرياً هدية قدرها خمسة وعشرون روبية، ويسلمّها إلى أخي الأكبر ((علي)) يستعين بها على الصرف على العيال. وبعد سنة أو أكثر بقليل انفصلت عنه، وصرت وأنا في سنٌ مبكّرة اقرأ مستقلاً شهر رمضان وعاشوراء والوفيات، وعادات. وقد وجدت تجاوباً من الناس شجّعني على الاستمرار.

من معايشاتي في الفترة الأولى من التكليف الشرعي:

في الفترة الأولى من بلوغي سنَّ التكليف أدركت وعايشت بدون قدرة على التّحديد للأمور وفقهها وإدراك تفاصيلها الفتنة بين الشيعة والسنة التي أشعلها وغذّاها الاستعمار البريطاني الممثل في مستشار حكومة البحرين ((بلكريف))، الذي كان مهيمناً ومسيطراً على جميع شئون البلد، وكانت الفتن متناكفة، وهي في الحقيقة امتداد لفتن عاشها من قبلنا من الآباء والأجداد، وهي الوسيلة المفضلة للاستعمار من أجل تغلغله وبسط نفوذه أكثر، وجعل حكومة البحرين آل خليفة مضطّرين للإجابة له فيما يريد. وهنا كانت حوادث وتعدّيات من جانب السنة على الشيعة الذين هم اخوة في هذا الوطن، وقد بدأت هذه اللعنة والفتنة من حادث العزاء، فقد كان حصل تحرّش في بعض مواكب العزاء وارجّح انه موكب مأتم بن سلوم، حيث كان بعض السنة وبعض آل خليفة يحضرون في بعض المواقع التي تمّر بها المواكب بهيئة المتفرجين، فحدث شجار بين الطرفين، وعلى هذا الأساس امتّدت الأيدي إلى المعزين، وكان الأمر قد أُعدّ له مسبقاً يجمع أخشاب وكميات من القناني الفارغة في الحديقة المعروفة بالباخشة والمقاربة لمدرسة الزهراء للبنات، وسلطت الشرطة بالأخشاب الطويلة والهراوات على المعزين العزّل وحدثت إصابات وقد بذل المعزون العزّل جهدهم في الدفاع عن أنفسهم فحصل جرحى بل وبعض القتلى من الطرف المقابل، بل وسمع إطلاق بعض الرصاص من بعض العناصر الخليفية الحاضرة وأفرز هذا ان تتشكل هيئة من الشيعة من كبارهم وأهل النفوذ فيهم للدفاع عن الشيعة والاحتجاج أمام المعتمد السياسي البريطاني في البحرين وامتدت الأحداث الأليمة وكان منها هجوم عدد كبير من أبناء المحرق بتحريض من المتلسطين وتحت إشرافهم على أهل عراد وكانت المواجهة من المهاجمين عنيفة، وكانت فتنة سترة بين العمال السنة والشيعة في موقع العمل المسمّى: ادرام ايلثت، وحصل الضرب والجرح من كل من الطرفين للآخر، واعتقل عدد اتهموا بإحداث الفتنة من شخصيات السنة والشيعة، وكانت النتيجة سيئة إذ حكمت المحكمة العناصر الشيعية كل فرد بالسجن ثلاث سنين وستة أشهر، بينما حكمت على العناصر السنيّة التي حوكمت تغطيةً كل فرد بثلاثة أشهر ونصف إذا لم تخني الذاكرة في هذا الأمر من الحكمين وأُقلّل، وهذا ما سبب إضراباً من جانب الشيعة، وكانت الأسواق: اللحمة، والخضرة، والسمك، وكل المواد الغذائية الضرورية اليومية بيد الشيعة، إضافة إلى وجودهم المكثّف في الحاجات الأخرى، فإذا أضرب الشيعة شُلّت البلد، وتعطلت الأمور وهكذا توالت الأحداث وعمت الفوضى بتدبير الإنكليز، ولم يكن للحكومة المحلية موقف حيكم يعالج الأمور عِلاجاً صحيحاً وإنما تزيدها تعقيداً وكان المعتمدون من شخصيات الشيعة يتظلمون ويفزعون إلى المعتمد السياسي طالبين منه إنصاف الشيعة ورفع الظلامة عنهم، بكفّ الحكومة المحلية ومن يدور في فلكهم من السنة عنهم، وهنا طلب المعتمد السياسي من الشخصيات الشيعية برهانا على أنهم يمثلون الطائفة الشيعية، فبعث هؤلاء سيارات الباص إلى القرى طالبين من الناس الحضور المكثف في مسجد مؤمن بالمنامة، وفي يوم الخميس صارت السيارات تنقل المواطنين الشيعة من قراهم إلى الموقع المذكور واجتمع ما يقارب الأربعين ألف نسمة من الشباب والشيوخ والصبيان، وكانوا في انتظار أوامر الشخصيات التي كانت بدورها مشغولة بمقابلة المعتمد السياسي، فحدث أن السلطة اعتقلت شخصية تجارية معروفة من الدراز وهو في طريقه إلى مسجد مؤمن وهو الحاج عبد المجيد الحاج حسين الشهابي الذي اعتقل من سيارة الباص إلى القلعة، وعندما وصل الخبر إلى الجمهور في المسجد تحرك عدد كبير بدون أمر الزعماء يحملون العلم الأبيض وهو علم الحركة إشارة إلى سلميتها ومضوا إلى القلعة من أجل تخليص الرجل المعتقل، فأنذرهم من هناك من عسكريين ومسئولين بأمرهم بالتفرق، ثم فتحوا عليهم الماء الحار، فلم يتفرقوا فأطلقوا النيران عليهم من رشاشات وضعت فوق برج القلعة ووجهوا الرّصاص بكثافة هائلة إليهم وإلى المجتمعين في المسجد، وكثرت الجرحى واستشهد أربعة من الواصلين إلى القلعة وكلهم من الشباب أحدهم من المنامة والثاني من المالكية والثالث من سترة والرابع من مقابه، وفر الناس يطلبون الملجأ من الرصاص الذي ظل فترة طويلة يُصبُّ عليهم بلا رحمة ويلاحقهم، وفيما يأتي صور الشهداء الأربعة، وأسماؤهم وأسماء بلدانهم وأعمارهم، وانا لله وانا إليه راجعون. واذكر أن الخطيب محمد علي الناصري رحمه الله نظم قصيدة بمناسبة حادث القلعة قرأها وسمعتها منه في غير محفل، والفقرة الأولى من مطلعها:

يوم الخميس ولست منه بناسي

كما أن العم الخطيب ملا عطية بن علي الجمري ألقى قصيدة رائعة في أربعينية الشهداء في مسجد مؤمن إضافة إلى كلمات وقصائد الآخرين، ومطلع قصيدة الملا عطية قدس سره:

عِبرةُ الحرّ صَرعةُ الشهداء               كُتبت نُصبَ عينيه بالدماء

وأذكر أن ثوب أحد الشهداء وقد ضرّجت بالدماء قد وضعت علماً على باب المسجد، وكان حفل الأربعين حفلاً جماهيرياً عظيماً.