فكـرة عـامـة عن الوالـد رحمه الله تعالى

يحسن بمناسبة ذكر الوالد المقدس أن أعطى فكرة عامّة عنه طاب ثراه:

كان رحمه الله قوي الإيمان، وعى جانب كبير من الورع والتقوى، وكثير العبادة، لا يترك صلاة الليل وسائر المستّحبات، وكان يأمرني بالإتيان بالنوافل بعد تسليمي إياها. وكان كريماً، يجود بما في يده، ألذّ شيء عنده، وأفضل شيء يؤتاه أن يأتيه ضيف، أو يجد غريباً يضيّفه، وذلك رغم فقره وقلّة ذات يده، ورغم صعوبة الوقت. وكان قدس سره- كثير القضاء لحوائج الناس، لا يحسب لراحته حساباً في هذا السبيل، فكان يقوم بوظائف دينية ملحوظة من الجواب على المسائل الشرعية، حيث كان مثقفاً في دينه، كثير المجالسة للعلماء والتفقّه عليهم فيأتيه أهل المسائل من أبناء القرية ويجيبهم عليها. كما كان نحوياً أديباً، قرأ كتاب: ((شرح خالد على متن الآجرومية)) على المرحوم سماحة العلامة الشيخ محسن الشيخ عبد الله العرب الجمري طاب ثراه كما حدثني بذلك أخي الأكبر الحاج علي بن منصور الجمري، وكان له ذوق شعري وكثر الاستشهاد بالشعر العربي. ومن قيامه الصلاة على الموتى-في القرية وبعض القرى المجاورة-وتلقينهم، والكتابة على الأكفان، وكتابة إسناد البيع والشراء والهبات والوصايا. وقلمه جميل جداً.

وكان رحمه الله قوي البنية جلداً يتحمل الميثاق، أذكر أنه في شهر رمضان لا يقوم من العمل-وهو النسيج وهي المهنة العامة للقرية في وقته-إلا للصلاة فهو يواصل عمله من الصباح حتى المساء.

وكان في قراءته للمنتخب للشيخ فخر الدين الطريحي قدس سره، أو الفوادح للشيخ حسين بن الشيخ محمد آل عصفور طاب ثراه، وهما ما اعتيد قراءته في مجالس التعزية الحسينية قبل صعود الخطيب المنبر، وأكثر من ذلك قراءته لمقتل الإمام الحسين في كتاب: ((أبي مخنف لوط ابن يحي الأزدي رحمه الله تعالى، ولا يزال الجمرّيون الذين عايشوه وعاصروه أو أدركوه يتحدثون عن قراءته لمقتل الحسين عليه السلام وما يحدثه من التأثير العظيم في المستمعين حينما يقرؤه. وكان وصولاً للرحم يصل من قطعه ويحسن إلى من أساء إليه.

وكان-جزاه الله عني وعن أخوتي وأخواتي خير جزاء المحسنين-كثير الحب لي من بين أولاده وهم أشقائي علي ومحمد وزهراء ونعيمة. وكان يدعو لهم ولي بالتوفيق كثيراً. وأذكر-وأنا صغير-أني انتبهت عليه ليلة وهو يصلي نوافل الليل، وقد اشتغل بالدعاء بعد من إحدى النوافل، ورأيت أصبعه السبابة تشير إليّ وهو في حالة الدعاء. وكان قدس سره يملؤ نفسي معنوية بكلماته التي كان يخاطب بها والدتي رحمها الله تعالى، ومنها قوله: إن ابنك هذا له مستقبل كبير. وعندما أكتب شيئاً بسيطاً ويراه يقول لها: تعالى انظري ماذا كتب ابنك. وكنت وأختي نعيمة التي أكبرها بسنتين تقريباً ننام في نفس الحجرة التي تخص الوالد والوالدة وكنت أنتبه بعض الليالي على بكائه رحمه الله وهو يصلي صلاة الليل ويتهجّد. وقد تفاءل لي بالخير وفرح كثيراً حينما رآني قد نظمت قطعة شعرية شعبية في الإمام الحسن ابن علي عليهما السلام وكنت في سن مبكرة[1].

كانت وفاته رحمه الله في ليلة السبت الساعة السابعة غروبي 27/ربيع الأول1367هـ على أثر حمّى وضيق في التنفس، وكان الوقت شتاءاً وبارداً جداً، فأصيب نتيجة ممارسته لعمل النسيج في محل العمل المكشوف والكائن في مكان مرتفع، محلّ القسم الشمالي من بيتنا القديم، أصيب ببرد كثير، وقد ألزمه المرض الفراش خمسة أيام، ولم يعالج إلا بمعالجات بسيطة يساعد على ذلك عدم مراجعة المستشفى آنذاك كانت ليست بالسّهولة المطلوبة، وتوفي إلى أثر مرضه رحمه الله، وما انفك في مرضه وحتى في حال احتضاره يقرأ مصيبة الحسين (ع)، ويطلب قبل احتضاره أن تُقرأ له مصائب أهل البيت (ع)، وكان تشييعه تشييعاً ملحوظاً، وقد أحدثت وفاته أثراً غير قليل على القرية والمنطقة.

وكان عمره يوم وفاته 76 سنة، وقد شُيع إلى مثواه الأخير في الساعة الثالثة والنصف غروبي نهار الليلة التي توفي فيها، وقد شُيِّع بموكب كبير وجمهور غفير، هو جميع أبناء القرية والكثير من أبناء المنطقة. وكان عمري يوم وفاته عشر سنين وقد يزيد قليلاً. وبعد أن قلت الشعر الفصيح نظمت الأبيات الثلاثة التالية مؤرخاً عام وفاته بالحساب الأبجدي:

في عام موت والدي                      ما أعظم المصابا

إليه ضُمَّ واحداً                              وسائل الأحبابا

في لوعة مؤرخاً:                                    ((أبدرُنا قد غابا)


[1] هي أول شعر أنظمه، وقد واصلت بعد ذلك باللغة الدراجة في مراثي أهل البيت عليهم السلام، واستمر الأمر كذلك أنظم بعض القطع الشعرية وقت الحاجة حيث تشرّفي بالخطابة الحسينية، وأصبح عندي في هذا المجال ما يكوّن ديواناً، إلا إنني أهملته مدة طويلة، فلم أقم بجمعه لكثرة الأعمال، ولأن هذا المجال مغطى بالكثير من الدواوين الشعرية، وعلى رأسها: ((الجمرات الودية)) لشاعر أهل البيت الملهم الخطيب الجليل ملا عطية بن علي الجمري طاب ثراه. وأخيراً قمت بجمع ما نظمته من القطع الشعرية، طلباً للثواب، وكخدمة وفقت لها فلا ينبغي أن أهملها، جمعته تحت اسم: ((أنغام الولاء))، وهو من مؤلفاتي المخطوطة، أسال الله أن يوفقني لنشرها.